الأذان فى المركز!!

13/06/2016 - 9:28:01

عمرو على بركات عمرو على بركات

بقم : عمرو على بركات

لم يكن السيد المأمور متديناً ظاهر التدين، فهو لم يكن يصلى إلا محرجاً عندما يكون السيد اللواء مفتش الداخلية بالمركز والمشهور عنه حبه لأولياء الله الصالحين، أو فى حضور السيد اللواء الحكمدار الذى كان يفتخر بصداقته للشيخ " الشعراوى" ويضع صورته معه على مكتبه، إلا أن السيد المأمور كان يجيد اصطناع التدين، فأثناء سيطرة الأخوة الملتحين على مقاليد الأمور، بدأت الشائعات تنتشر فى المراكز والأقسام، وبين ضباط المباحث والنظام، أن حركة الترقيات والتنقلات هذا العام ستكون محكومة بقواعد الالتزام الدينى، لا الالتزام بمقتضى الواجب الوظيفى والذى نال كل منا جزاءً بخصم أيام من راتبه جراء الإخلال بهذا المقتضى، فقام البعض بالتطرف فى مقتضى الالتزام الدينى وأطلق لحيته، وذهب العميد واللواء إلى بيت الله الحرام، بينما إلتزمت الرتب الوسطى من رائد حتى عقيد بأداء الصلوات الخمس جماعة فى المسجد، ويتبعهم الأمناء والعساكر، حتى أنى إقترحت يوماً على نوبتجى بوابة المركز أن يعلق لافتة يكتب عليها: "المركز مغلق للصلاة"، وأن يأتى معنا إلى المسجد حتى تكون الجماعة أكبر، وثوابها أكثر، إلا أن السيد المأمور عندما كان عميداً على مشارف الجمع بين الحسنيين، وهما النقل كقيادة، والترقية إلى رتبة اللواء سدرة منتهى الترقيات، قرر بناء مسجد فى حوش المركز الذى تنتظر فيه سيارات المركز، ونجمع به القوات لطابور الثلاثاء الأسبوعى، وأمر من يومه أن تنتظر جميع سيارات المركز بالشارع، وأن نجمع الطابور على سطح المركز، فمسجد المركز أهم من جراج السيارات، ومن طابور الدرس، ونجح بفضل معارفه، وعلاقاته مع المقاولين أن يبنى مسجداً كبيراً عليه قبة، وله منبر خشبى، وقبلة مزخرفة، حتى جمع تبرعات تكفى لبناء الجامع الأزهر من أصحاب المصالح بحجة بناء بيت الله، وفرشه بأفخر أنواع السجاد، وتطوع السيد رئيس المباحث بأعمال الدهانات وسباكة دورة المياه و«الميضة»، وقمت أنا بممارسة هوايتى بكتابة الآيات القرآنية على الحوائط، بل فعلت ما فعله "مايكل أنجلو" وهو يرسم كنيسة "سيستينا"، فقمت بتركيب سقالة ونمت على ظهرى لزخرفة القبة، وكان يجلس السيد المأمور طوال اليوم فى صحن المسجد يشرف بنفسه على أعمال الإنشاءات والدهانات، وجمع التبرعات، ولا يكف عن إبداء الملاحظات، ويؤكد لنا دائماً "أن من بنى لله مسجداً بنى له الله بيتاً فى الجنة"، ولكنى يومها مازحته قائلاً:" إذا كان المسجد المبنى فى داخل مركز شرطة... ربما كان البيت الذى فى جنة هو غرفة حجز المركز؟!"، فشعر أنى أستخف به، فالنكتة لم تعجبه، وقام بتعيينى نوبتجى ليل حتى لا يرى وجهى، وأصبح للمركز مسجد كبير فخم، حول الممرات أمام المكاتب والشبابيك إلى دهاليز يقف فيها المواطنون بصعوبة، وتحول المبنى الذى شُيد منذ عهد الخديو "إسماعيل" قصراً فاخراً إلى بيت جحا، وارتفعت درجة حرارة النوبتجية وأصبحت نار جهنم، بسبب إسراف السيد المأمور فى توسعة مساحة المسجد، وتضيق المركز على خلق الله، رغم وجود مسجد آخر ملاصق بالمركز لأهالى المنطقة! وقام السيد المأمور بتثبيت اللوحة الرخامية بعد أن كتب عليها اسم السيد رئيس الجمهورية، والسيد اللواء الوزير، والسيد اللواء المحافظ، والسيد اللواء رئيس الحى، والسيد اللواء مساعد الوزير للمنطقة، والسيد اللواء مدير الأمن، والسيد اللواء الحكمدار، والسيد اللواء مفتش الداخلية، والسيد اللواء مدير المباحث، واسمه فى نهاية القائمة، ثم نظر إلى اللوحة بآسى وقال:" أرزاق!! كل هؤلاء خُلدت أسماؤهم على لوحة المسجد ولم يتكلفوا شيئاً بينما قمت أنا بكل شئ"، علماً بأنه لم يخرج مليماً واحداً من جيبه، بل إن بقية السيراميك الذى أتى به المقاول متبرعاً «لميضة» المسجد أخذها إلى بيته بحجة أنه سيبنى مسجداً آخر بجوار بيته، وفجأة اكتشف السيد المأمور المفاجأة!؟ أن اللوحة الرخامية لم تعد بها مساحة باقية كافية لكتابة اسم المسجد!؟ فقرر عقد اجتماع عاجل فى مكتبه لحل مشكلة أين سنكتب اسم المسجد؟ وما هو الاسم الذى سنختاره له؟ فقد نسى تسميته فى خضم أسماء السادة اللواءات وتسلسلهم على اللوحة، فاقترح السيد العقيد نائب المأمور قائلاً:" نثبت لوحة جانبية بإسم المسجد، ونضعها بجوار لوحة من حدث فى عهدهم الافتتاح"، ولكنى قلت:" من سيقرأ لوحة أصحاب عهد الافتتاح لن يربطهم باسم المسجد وتاريخ افتتاحه وستقرأ على أنها لوحة افتتاح مبنى المركز القديم وليس المسجد"، وأعجب السيد المأمور بردى ورفض اقتراح السيد نائب المأمور، فقلت لسيادته:"نحضر لوحة رخامية أخرى أكبر ونعيد عليها كتابة أسماء من افتتحوا المسجد مع إضافة اسم المسجد"، ولكن السيد المأمور قال بانزعاج:" لم يعد هناك متسع من الوقت، فقد وجهت الدعوة للقيادات بأنه سيتم افتتاح المسجد غداً ساعة صلاة الجمعة، واليوم الخميس، ومقاول الرخام أغلق ورشته"، فتطوعت بإحضار الرخامة البديلة بمعرفتى، لأكفر عن نكتة الأمس، وركبت سيارة المأمور، وكتب لى قائمة اللواءات، وسألت أحد مرشدى المباحث تصادف وجوده بالمركز عن ورشة رخام فاتحة الآن؟ فأخبرنى أنها الورشة التى بالجبانة فهى لا تُغلق أبداً، فتوجهت مسرعاً إلى الجبانة فوجدت مقاول رخام شواهد القبور على أهبة الاستعداد وكأنه ينتظر القائمة التى معى! وما أن قرأ أسماءها ووظائفهم حتى قام مسرعاً بالتبرع بإعداد الرخامة بالمساحة اللازمة لكتابة أسماء السادة اللواءات، بل تطوع واستدعى أمهر خطاطى شواهد القبور من منزله لكتابة اللوحة التذكارية، وأمليت عليه الأسماء بدقة حسب قائمة السيد المأمور، حتى وصلت إلى عبارة: "تم افتتاح مسجد.... بتاريخ..."؟! وتوقفت فالمأمور لم يكتب اسم المسجد، وبدأت معتمداً على نفسى فى اختيار اسم المسجد، وسرحت فى حيرتى فى خط الأفق المتماس مع شواهد القبور، فوجدت أمامى شاهد قبر مكتوب عليه بأعلاه "سورة الفجر"، وأسفلها " قبر الشهيد الرائد.... إنتقل إلى جوار مولاه بتاريخ 28/1/2011م"، فقررت أن يكون اسم المسجد "مسجد الشهيد"، ولكنى تراجعت فقد يعتبره السادة اللواءات تفويلاً عليهم بالموت، فقررت أن يكون اسم المسجد هو "مسجد الفجر"، فالشهداء هم الذين يدفعون حياتهم ثمناً لإشراق شمس الحرية، وتركت الخطاط الذى كتب اللوحة بالخط الديوانى يضع تشكيل الحروف بمهارة، وكنت أستعجله بين الحين والآخر، وتوجهت بسرعة إلى ديوان المركز وأنا أدعو الله أن أكون قد وفقت فى اختيار اسم للمسجد يعجب السيد المأمور، وأفكر كيف سأقنعه به؟ ولكن حدثت مفاجأة وأنا أُنزل اللوحة من صندوق البوكس؟! فقد اكتشفت أن الخطاط وهو بصدد تشكيل حروف اللوحة بسرعة أن وضع سهواً فوق حرف فاء " الفجر" ضمة ظاهرة وليس فتحة !! فأسرعت قبل أن يرى السيد المأمور لوحته، وأخفيت الضمة بقصاصة ورقة بيضاء بصمغ ورق أحضرتها بسرعة من مكتبى، وما أن رأى السيد المأمور اللوحة حتى سعد بها أيما سعادة لشكلها، وجمال خطها، وسرعة إعدادها، وتم تركيبها على يمين باب المسجد، وبعد كيله لمديحى، أخذت أشرح له مناسبة اسم "الفجر" لمسجد المركز قائلاً مثل: مذيعى النشرات الإخبارية:"نظراً للظروف التى تمر البلاد بها فى مكافحة الإرهاب، فإنه حتماً ستشرق شمس فجر جديد، وقد نجحت الوزارة فى القضاء على الإرهاب، وأنه يعنى المستقبل المشرق للوزارة، وأجهزتها بكل إداراتها، ومراكزها، وأقسامها، تحت رعاية قياداتها المنتظرة، وأنه دليل على أننا غادرنا ظلام الليل وظلم الماضى"، فابتهج سيادته، وعلق قائلاً:" والأمل فى قيادات الغد"، وفى صباح الجمعة كنا جميعاً من أول السيد المأمور حتى أحدث عسكرى داخل مسجد المركز، منا من يمسح الزجاج، ومنا من يلمع المنبر، أو يشرف على نظافة دورة المياه، أما أنا فكنت مسئولاً عن إعداد وتركيب ستارة اللوحة الرخامية، ونسيت موضوع الضمة التى على "الفجر" تماماً، ووردت إشارة لا سلكية بقرب موكب السادة اللواءات لأداء صلاة الجمعة بمسجد المركز الجديد وافتتاحه، كنا جميعاً نقف تشريفة صفاً واحداً، أمام باب المركز فى انتظار وصول السادة القيادات، وكان أمامنا السيد المأمور يأمرنا بمحاذاة الصف، حتى أننا بلغ منا الانضباط العسكرى مداه بأن سددنا الفُرج، ومع وصول الركاب وصلت معالم الورع لقمة أدائها الدرامى على وجه السيد المأمور، حتى همس فى أذنى رئيس المباحث:" صاحبك هيعيط من الفرحة.. خلاص بقى لوا"، ترجل السادة اللواءات وسط التحيات والترحيبات العسكرية المباركة، وأثناء توجه الجميع إلى باب المسجد كنت قد سبقتهم لأتاكد من عمل حبل الستارة التى سيتم شدها؟ ولكن وجدت الملاحظة الكارثة خلف الستارة فقد طارت الورقة الملزوقة والتى تخفى ضمة الفاء، فأعدت الستارة، وقد جف ريقى فى حلقى، فليس هناك وقت لتلافى الخطأ فى تشكيل اسم المسجد، فكان السادة اللواءات خلفى مباشرة وقد وصلوا أمام اللوحة، وقام السيد اللواء المحافظ بشد الحبل فانزاحت الستارة عن لوحة افتتاح مسجد "الفُجر"، وسط علامات الرضا، والورع، والتقوى من الجميع، ولكن لم يتنبه أحد للضمة، لتركيز كل منهم بالبحث عن ترتيب اسمه المكتوب على شاهد الافتتاح، ولم يقرأوا اللوحة بالتشكيل، ومروا جميعاً بسلام إلى صحن المسجد ليتخذ كل منهم مجلسه فى الصف الأول، بينما أنا أبتلع ريقى الناشف فى حلقى، ومن فرحتى قمت بإزاحة المؤذن بعيداً عن الميكروفون وهو يهم بقول "الله أكبر..الله أكبر"، وتطوعت لأكون أول مؤذن لمسجد "الفُجر" فى مركز شرطتنا الجديد.