يد تبنى.. وقدم تعرج!

08/06/2016 - 1:06:21

  نموذج يمثل القدم العرجاء «النائمة» للجهاز الإدارى بالدولة نموذج يمثل القدم العرجاء «النائمة» للجهاز الإدارى بالدولة

بقلم : د. صفوت حاتم

خلال السنة الأولى من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسى.. كان معارضوه ينتقدونه بقسوة ﻷسفاره الخارجية المتعددة.. وأنه كان يتوجب عليه الانشغال.. أولا.. بالأوضاع الداخلية المتردية والمنهارة بسبب سوء الأحوال الاقتصادية والأمنية.


وأظن أن أولويات الرئيس فى سنة حكمه الأولى، كانت محددة بهدف واحد هو فك العزلة السياسية الخارجية التى واجهت مصر بعد سقوط حكم الإخوان.


ولأسباب مراوغة.. اهتمت أوروبا وأمريكا بالشكل الديمقراطى الذى آلت إليه الأمور فى مصر بعد ٣٠ يونيو..


وبدا واضحا أن اهتمام أوروبا وأمريكا بالشكل السياسى كان أكثر من اهتمامهما بمسألة الاستقرار السياسى فى بلد كمصر.. وما يعنيه سقوط الدولة فيها من كارثة محققة على كل منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط.


باختصار: نجح عبد الفتاح السيسى.. من خلال زياراته المتعددة لدول آسيوية وإفريقية وأوروبية.. فى تقديم نفسه كرجل دولة جديد يبعث على الثقة.. ويستمد قوته من ثقة شعبه فيه.. وهو ما ساعده على إقناع قادة تلك الدول.. بل رؤساء شركات عالمية بجدوى الاستثمار فى بلد كمصر.


وخلال الشهور الأخيرة.. بدا واضحا أن أولويات الرئيس هى الإسراع بإنجاز المشروعات الكبرى التى تم البدء فيها.


ولابد أن أعترف هنا.. أن مصر قد تحولت خلال العامين الأخيرين «لورشة عمل» وبناء ضخمة.. تبعث على الإعجاب والتقدير.. بالقدرة على الإنجاز السريع.. والانضباط فى الأداء والتوقيتات.


هذا لا ينكره إلا أعمى أو من فى قلبه مرض.. أو الحمقى.. وهم كثر!!


لكن!! 


وهناك دوما لكن.


كل هذه الإنجازات تقوم على تنفيذها مؤسسات دولة «تهلهلت» لأكثر من ثلاثين عاما مضت.


وكان السبب الرئيسى وراء «هلهلة» مؤسسات الدولة.. ظاهرة «الغزو الوظيفى» للأنجال والأصهار والمحاسيب لكل قطاعات العمل الحكومى: الوزارات.. التعليم والجامعات.. القضاء.. الشرطة.. البنوك.. المحليات.. البرلمان.


تقريبا كل قطاعات العمل والحياة تميزت «بالتوريث» للأنجال والأقارب.


حتى الفن والسينما والثقافة لم يسلموا من «التوريث» والمحسوبية!!


وما تبقى من جهازنا الإدارى كان تحت سيطرة الحزب الوطنى وأمن الدولة!!


باختصار: انعدمت فى جهازنا الإدارى الكفاءة.. وسيطرت المحسوبية والرشوة والفساد فى كل قطاعات الحياة.. تقريبا.


وقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسى عن رؤيته للتنمية الشاملة.


وهنا يثور سؤال: كيف يمكن تحقيق تنمية حقيقية بمؤسسات دولة وجهاز إدارى على هذه الشاكلة من البؤس والفساد؟!


خذ عندك: فساد وزارة الصحة.. فساد وزارة الزراعة.. فساد وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية.. فساد فى المحليات والحكم المحلى.. فساد فى الإعلام والآثار والثقافة.. فساد فى جهاز الشرطة.. فساد فى القضاء.. الخ.. الخ..


طيب.. وبعدين؟!


ما هى خطة الرئيس للتطوير الإدارى؟


نحن نعيش ثورة الاتصالات.. وزمن الإنترنت.. والهواتف الحاسبة الصغيرة.. تلك التى أصبحت فى كل يد.. ووصلت لأيدى الفقراء فى العشش والعشوائيات؟!
لقد بدأت تجربة «البطاقات الذكية» فى التموين والخبز والبنزين والمعاشات.
لكن هل نجحت معدلات أداء ما سمى «بالحكومة الذكية».. والتى تعنى «ميكنة» الإجراءات الروتينية.. واختصارها.. وتوفير هذا الجيش من الموظفين والعاملين!!


أخشى ما أخشاه.. أن نكون قد تعودنا الجرى وراء الشعارات البراقة الدعائية.. وأن يكون المحصول الفعلى بائسا وهزيلا.


والواقع أن الجهود المصرية لتحقيق الإصلاح أو التطوير الإدارى فى تاريخها الحديث تعود إلى عام ١٩٥١عندما دعت الحكومة المصرية لوثر جاليك وجيمس بوللوك.. كاستشاريين فى التنمية الإدارية.. لدراسة نظام الخدمة العامة المصرى وتقديم مقترحاتهما لتطوير الإدارة الحكومية.


وقد قاما بتقديم تقريرهما فى عام ١٩٦٢ إلى الحكومة المصرية واحتوى على مقترحات عديدة، كان أهمها المطالبة بمشروع قانون جديد للخدمة المدنية يتم تطبيقه. وقد لاحظا وجود لبس إدارى، وعدم وضوح فى المسئوليات، وبيروقراطية تتسم بعدم المرونة، وزيادة العبء على مسئولى الإدارة العليا، إضافة إلى عدم ملاءمة الأجور.


وفى عام ١٩٦٣، انعقد مؤتمر عن التنمية الإدارية واقترح ترشيد التوظيف ونظام الأجور وسياسات الموارد البشرية الأخرى. كما تم إنشاء جهاز جديد للإصلاح الإدارى بالقانون رقم ١١٨ لسنة ١٩٦٤ بناءً على توصية المؤتمر، وهو الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة (فالسان، ١٩٥١)


واستمرت جهود التنمية الإدارية تلك واتخذت أسماءً مختلفة، ففى عصر الرئيس السادات سميت بالثورة الإدارية، ثم أطلق عليها الرئيس مبارك «الإصلاح الإدارى».


ونتيجة سياسة الانفتاح التى بدأها الرئيس السادات، تم التركيز على إصلاح القطاع العام حتى يتحمل مسئولياته الاقتصادية الجديدة، كما بدأ السادات سياسة إعادة هيكلة جهاز الخدمة العامة وتخفيض حجمه، واستمر فى هذا الاتجاه الرئيس مبارك حتى اليوم.


إن شعارات «الثورة الإدارية» و»الحكومة الذكية» والإصلاح الادارى.. تبدو كلها شعارات جذابة وبراقة.. لكن ما نراه على أرض الواقع.. شىء مختلف تماما.


ومادامت جهود التطوير والتنمية ستتم بذات شخوص «الموظفين» الرابضين فى مواقعهم.. بحكم التدرج الوظيفى.


ومادام اختيار الوزراء يأتى بالطريقة الروتينية ودون أفق سياسى أو رؤية سياسية.. فستظل جهود التنمية الشاملة محكومة بمؤسسات وأشخاص معوقين ذهنيا وحركيا.


وفى ظل تراث غامض للبيروقراطية المصرية.. والذى هو خليط من تقاليد دولة عتيقة.. ورأسمالية منفلتة وفوضوية.. فنحن نسير نحو المجهول بمشروعاتنا التنموية.


ويساعد على ذلك كثير من الغوغائية التى تمارسها بعض التجمعات السياسية والنقابات المهنية وجماعات الضغط الاقتصادى لرجال الأعمال،
فقانون التأمين الصحى الموحد معطل.. كذلك قانون الخدمة المدنية والعمل..


ومعظم القوانين التى نعمل بها.. إما أنها تعود للخمسينيات والستينيات، حيث كانت سيطرة شبه كاملة للدولة على معظم النشاط الاقتصادى.


أو أنها تعود لحقبة مبارك حيث صيغت القوانين لصالح حفنة ضئيلة من الرأسماليين الجشعين.


وفى تاريخنا القريب بذلت محاولات للهروب من جمود البيروقراطية المصرية.


نذكر منها.. على سبيل المثال.. ماحدث فى الستينيات.. ومع البدء فى مشروع السد العالى.. كمشروع قومى.. متعدد الأغراض والمنافع.. من تحكم فى النيل.. وتوليد كهرباء.. واستصلاح أراض جديدة.. ونقل قرى وآثار من أماكنها الأصلية إلى أماكن أخرى.. وكهربة الريف.


فقد شعر الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر» أن مشروعا بهذه الضخامة.. لا يمكن تركه فى يد البيروقراطية المصرية العتيقة.


فما كان منه إلا أن أنشأ وزارة «للسد العالى».. وأسند مهامها لضابط مهندس مشهود له بالانضباط والإنجاز والحزم.. هو المهندس «صدقى سليمان».. الذى أدى نجاحه فى تنفيذ مراحل بناء السد العالى فى توقيتاتها.. إلى إسناد رئاسة الوزراء له فى منتصف الستينيات.


وقد أدى مهمته.. رحمه الله.. على خير وجه.


على نفس المنوال.. قام الرئيس السيسى بتعيين المهندس «إبراهيم محلب» مستشارا له للمشروعات القومية.


وكنت أظن.. أنه منصب شرفى للرجل بعد خروجه من رئاسة مجلس الوزراء، لكن الحقيقة أننا نشاهد الرجل متواجدا فى أماكن العمل المختلفة للمشاريع الكبرى وبجوار الرئيس فى افتتاح هذه المشاريع.


ولكن السؤال: من أين سيستمد المهندس محلب قدراته التنفيذية؟! 
فدهاليز البيروقراطية المصرية معقدة.. فهناك هيئات عسكرية ومدنية تقوم بالتنفيذ.. وكل منها له تسلسله الوظيفى الذى يخضع له.


فكيف يتم التنسيق والعمل وإدارة التناقضات والازدواجية الإدارية والقيادية؟! 
وأظن أن هذا ما عناه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى حواره مع الإعلامى أسامة كمال.


فى النهاية: أظن أنه آن الأوان للابتعاد عن كل تراث دولة مبارك.. خصوصا فى الاعتماد على تطوير مؤسسات الدولة من خلال دائرة وحيدة هى «دائرة الموظفين الكبار» المركونين فى «دولاب الدولة» المغبر بالأتربة.. والذى يجعل الدولة المصرية تبنى وتعمر بيد.. بينما هى تسير بقدم عرجاء!! 


 



آخر الأخبار