طفرة تسليح القوات المسلحة تحيا مصر واقع وطنى أمين يعزز القوة ويعطى النموذج

08/06/2016 - 12:58:16

عميد: طارق الحريرى باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

عندما رفع العلم المصرى على حاملة الطائرات الهليكوبتر فرنسية الصنع من طراز “ميسترال” التى أطلقت عليها تسمية دالة هى جمال عبد الناصر، خطت مصر خطوة عملاقة نحو تعظيم قدراتها العسكرية وبدون مبالغة فقد استطاعت القوات المسلحة المصرية أن تحقق فى مدى زمنى قصير قفزة نوعية وكمية غير مسبوقة، وكان وجه التميز فى الطفرة التى حدثت يتمثل فى تنويع مصادر السلاح الذى تم تزويد القوات المسلحة به من خلال الحصول عليه من جهات متعددة، وكان المعيار الذى لجأ إليه متخذ القرار مبنيا على قاعدة نبوغ وتفرد الجهة المنتجة فى كل مجال من مجالات التسليح.


هنا يبرز سؤال على جانب كبير من الأهمية وهو هل كانت مصر فى ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة فى حاجة إلى الإنفاق على التسليح فى مجالات متعددة بحيث كان يمكن توجيه قيمة تكاليف التسليح فى مشروعات أخرى تقلل من الأعباء الواقعة على الموازنة العامة للدولة، الإجابة على هذا السؤال المنطقى تكشف عنها الأوضاع السياسية والعسكرية فى إقليم الشرق الأوسط الذى يشكل أكثر البؤر اشتعالا فى العالم لهذا كان من الضرورى أن تهتم الدولة المصرية بتعزيز الوضع العسكرى للقوات المسلحة المصرية للاعتبارات الآتية:


١ ــ تقع مصر فى القلب من الإقليم وبالتالى تتزايد الأخطار حولها بدرجة غير مسبوقة، فالواقع السياسى والعسكرى تتكاثر فيه التهديدات المحيطة بها فالأحداث تتدافع وتتفاعل فى الشرق الأوسط وتزداد وتيرتها فى كثير من الدول العربية لاسيما فى الطوق المحيط بمصر ثم الدول الأكثر قربا لها خارج هذا الطوق مما يرفع من حجم التهديدات التى تتعرض لها الدولة المصرية ويزيد درجة المخاطر.


٢ ــ نتيجة لحالة السيولة التى تتعرض لها دول عديدة فى إقليم الشرق الأوسط وتحديدا فى المنطقة العربية منه التى تكابد من تفشى إرهاب الإسلام السياسى بدرجة غير مسبوقة زلزلت الاستقرار فى كثير من الدول، وفى ظل انتشار الإرهاب فى المنطقة تتحول حدود الدولة المصرية إلى مكمن خطر داهم بعد أن أصيبت تيارات الإسلام السياسى بلوثة أفقدتها توازنها فى أعقاب إسقاط الشعب المصرى فى ٣٠/٦/٢٠١٣ للفاشية الدينية المتمثلة فى جماعة الإخوان المسلمين لهذا أصبحت مصر فى حاجة ضرورية لتعزيز قوتها العسكرية دفاعا عن أمنها القومى والسلاح عنصر جوهرى فى مواجهة هذه التهديدات. ٣ــأدى الاضطراب الحادث فى الإقليم وطبيعة المنظمات الإرهابية العابرة للدولة القومية ودعم بعض الدول لهذا الإرهاب إلى توفر قدرات لوجيستية عالية فى تحرك السلاح والأفراد عبر الحدود لهذه الجماعات الخارجة على الشرعية وهنا تظهر أهمية وجود قوات مسلحة قوية ذات قدرات متطورة من السلاح والوسائل التى تمكنها من حماية حدود الدولة البرية والبحرية ضد أى عمليات اختراق والقدرة على توجيه ضربات استباقية إذا استدعى الأمر. ٤ــ يتطلب الواقع الجغرافى البحرى فيما يتعلق بمصالح الدولة المصرية فى إطارها الإقليمى إمكانية متفوقة للتدخل السريع فى مواقع خارج حدود الدولة فى مواقع حساسة ومضايق بحرية مثل مضيق باب المندب الذى يؤثر أى تهديد فى حرية الملاحة به إلى إعاقة المرور فى قناة السويس أحد أهم مصادرالدخل القومى.


٥ -يشهد إقليم الشرق الأوسط سباقا محموما فى التسلح بين دوله وبالتالى يصبح من الضرورى على الدولة المصرية أن تحافظ على مستوى من القوة يواكب التغير فى موازين القوة فى المنطقة مع الأخذ فى الاعتبار أن قوة الجيوش تعضد موقف الدولة سياسيا واقتصاديا على المستوىين الدولى والإقليمى.


٦ ـ فى إقليم مضطرب مثل الشرق الأوسط ملئ بالتهديدات والتحديات فإن تحديث السلاح وعدم التخلف عن التطور المتصاعد عالميا فى تكنولوجيا التسليح يشكل عنصرا أساسيا فى قوة جيش الدولة، ويترتب على استمرار تحديث وتطوير القدرات التسليحية الحفاظ على التوازن الاستراتيجى الذى يؤمن السلام، لأن الجيوش التى تتدهور قوتها العسكرية تشجع الدول ذات الأطماع على العدوان لأن التراجع فى القوة العسكرية ليس من المستبعد أن يكون مدعاة لإغراء أى طرف فى إحياء أطماع قديمة.


٧ ـ يؤدى استمرار عمليات تحديث ترسانة الأسلحة فى الجيوش إلى ارتفاع الروح المعنوية بين أفراد القوات المسلحة وأحد عناصر قوة الجيش المصرى المتميزة هى الروح المعنوية وتحرص القيادة على ثبات ودوام هذه الميزة بكافة السبل ومنها ثقة الفرد فى سلاحه.ss ٨ – على المستوى القومى تمنح الجيوش القوية مصدر إلهام وثقة للشعوب وتؤجج المشاعر الوطنية وتعطى مثالا لمؤسسات الدولة دقة الأداء واليقظة اللازمة والمتواصلة وتطور آليات التسليح نموذج موح ودال يعمق هذا المفهوم.


-٩ استمرار تحديث أجيال السلاح فى ظل التطور المتسارع عالميا للتكنولجيا الخاصة بها بوتيرة تفوق أوجه النشاط العلمى الأخرى يجعل من الأهمية القصوى عدم التخلف عن مواكبة هذا التطور حتى لا تتسع الفجوة بين المتاح للقوات وما يجب أن يتوفر لها من سلاح يضاهى كل جديد فى مجال التسليح فاتساع هذه الفجوة يؤدى إلى اختلالات جسيمة بمرور الوقت يتطلب تداركها والتغلب عليها جهدا ووقتا يجعل القوات فى وضع حرج إذا استجدت أوضاع طارئة.


منذ إزاحة الإخوان المسلمين أثناء فترة الرئاسة المؤقتة للمستشار عدلى منصور التى تولى خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسى حقيبة وزارة الدفاع نجحت مصر فى بدء عقد صفقات مهمة وفاعلة مع عدة دول من الشرق والغرب منها صفقة صواريخ الدفاع الجوى S٣٠٠)) النسخة “أنتاى ٢٥٠٠” التى لم تقم موسكو بتصديرها إلا لعدد قليل جدا من الدول وهى أحدث منظومة يتم تصديرها خارج روسيا التى من المعروف أنها أقوى دولة عالميا فى مجال شبكات الدفاع الجوى ومن روسيا أيضا اشترت مصر منظومة “بريزدنت إس” لحماية الطائرات فى الجو و٤٦ طائرة “ميج-٢٩” و٥٠ طائرة هليكوبتر “كا-٥٢” المنافس الوحيد للأباتشى الأمريكية لتسلح بهم حاملتى الطائرات ذات الصناعة الفرنسية “الميسترال” التى تسلمت البحرية المصرية فى الرابع من يونيه هذا الشهر بالإضافة إلى ٤ فرقاطات “جوميد” فرنسية الصنع أيضا ثلاث منها اتفق على تصنيعها فى الترسانة البحرية فى الإسكندرية لتدخل مصر عالم صناعة القطع البحرية الكبيرة وتستعيد بذلك بعد زمن طويل دورا كان مفتقدا ومن ألمانيا اشترت مصر ٤ غواصات من طراز ٢٠٩ / ١٤٠٠ وهناك تفاهمات مع الصين على أسلحة مختلفة لاسيما بعد أن تأكد أن بكين نجحت بوسيلة أو بأخرى إنتاج طائرة بنفس خصائص وقدرات الطائرة الأمريكية الخفية الأحدث من الجيل الخامس التى لم تخرج من الولايات المتحدة حتى الآن وهذه الصفقات تنقل مصر إلى مرتبة لاتتفوق عليها فى قائمتها إلا الدول العظمى لقد حققت هذه الصفقات نقلة نوعية وكمية جعلت مصر القوة الضاربة بحريا فى الشرق الأوسط وأصبحت سماؤها مؤمنة تماما وهكذا تستعيد القوات المسلحة المصرية ريادة مستحقة بما تمتلكه من قيادات مؤهلة ومستويات متفوقة فى العلم العسكرى مع اقتناء أجيال من السلاح هى الأحدث عالميا.


اعتبارات خطة التسليح


روعى عند بناء خطة التسليح مقومات أساسية حيث لعبت الخبرة العسكرية المدعمة علميا فى مختلف أفرع القيادة العامة والمستويات التالية لها دورا رئيسيا فى اختيار الأسلحة التى تتناسب مع الاحتياجات الفعلية اللازمة لتحقيق أعلى درجات القوة والقدرة على تحقيق المهام وتم ذلك من خلال عدة اعتبارات :


الاعتبار الأول: يرتبط بطبيعة جغرافية الدولة التى تتطلب تكويناتها البرية والبحرية نوعيات من السلاح تتناسب مع ماتفرضه هذه الجغرافيا فعلى سبيل المثال فإن الدول الحبيسة أى التى لاتطل على بحار مفتوحة وتحاط باليابسة من جميع الاتجاهات ليست فى حاجة على الإطلاق للقوات البحرية بينما على العكس كلما كبرت أطوال سواحل الدولة زادت احتياجاتها من القطع البحرية لحماية ظهيرها المائى وهنا تظهر أهمية اقتناء مصر لحاملتى الطائرات الهليكوبتر “ميسترال”وأربعة فرقاطات وكلها فرنسية وأربع غواصات ألمانية حيث تمتد سواحل مصر لقرابة ٢٠٠٠كم.


الاعتبار الثانى: يتعلق بالتهديدات التى تتعرض لها الدولة وبالطبع ليس للدول اختيار فيما تتعرض له من تهديدات تفرضها طبيعة الأخطار المحيطة بها والتوقعات المستقبلية بخصوصها مع الأخذ فى الاعتبار أن هناك تهديدات غير متوقعة يمكن أن تطرأ على المشهد السياسى تستدعى أدوارا عسكرية احترازية قد تصل أحيانا عمليات قتالية محدودة أو على نطاق واسع وعلى سبيل المثال كانت مصر تواجه تاريخيا منذ عام ١٩٤٨ تهديدا مباشرا من إسرائيل خلال الصراع العربى الإسرائيلى إلى أن تم توقيع معاهدة السلام معها والآن تواجه مصر تهديدات تنظيمات الإسلام السياسى المسلح ووصول داعش إلى ليبيا فى العمق الاستراتيجى القريب لحدود مصر الغربية لذلك تعمل مصرعلى تعزيز قواتها الجوية بطائرات حديثة مثل “رافال” من فرنسا و”ميج ٢٩” من روسيا.


الاعتبار الثالث: تلعب مصر دورا محوريا بطبيعة موقعها وتركيبتها السكانية وتأثيرها الدولى مما يستدعى بضرورات الجغرافيا والتاريخ أن تكون قادرة على أداء مهام تتناسب مع مكانتها وتحديدا فى نطاقها العربى فى إطار من الشرعية والمواثيق التى تنص عليها جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة وأواصر التعاون العربى والدولى وبالفعل فقد كان لجاهزية وقوة تسليح القوات المسلحة المصرية تأثير هائل فى حماية النظام العربى بعد غزو صدام حسين للكويت حيث كانت القوات المصرية فى المرتبة الثانية عددا وعدة بعد الولايات المتحدة بين قوات التحالف الدولى التى حررت الكويت لذلك اهتمت القيادة السياسية والعسكرية فى مصر بتحديث مجالات التسليح.


الاعتبار الرابع: يتعلق بالبعد الاستراتيجى فى تأمين دوائر الأمن القومى خارج حدود الدولة والتى تحمى مصالحها وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن مصر تصبح معنية بالضرورة بتأمين خليج باب المندب لضمان تدفق الملاحة فى مرفق قناة السويس أحد مصادر الدخل الرئيسية للدولة وهنا تظهر أهمية حاملتى الطائرات الهليكوبتر “ميسترال” المسلحة بطائرات الهليكوبتر الأقوى عالميا “كا-٥٢” وبالمثل الغواصات الجديدة من ألمانيا والطائرات متعددة المهام بعيدة المدى التى تحصل عليها مصر من أكثر من دولة.


أخيرا يبقى من المهم الإشارة إلى أن الأدوار الوطنية التى تقوم بها القوات المسلحة فى تنفيذ المشروعات القومية للدولة والمساعدة فى رفع الأعباء الحياتية عن المواطنين لم تؤثر أدنى تأثير على واجباتها تجاه المهمة الرئيسية فى الاستعداد القتالى للقوات تسليحا وتدريبا.