هل يؤثر الإنفاق العسكرى على خطط التنمية

08/06/2016 - 12:55:29

لواء. نصر سالم استاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا

فاجأنى أحد جنودى بسؤاله»: إذا كان ثمن الصاروخ المضاد للطائرات يساوى نصف ثمن الطائرة وأن الطائرة كى تسقط ربما يتم ضربها بأكثر من صاروخ، أليس من الأفضل أن نوفر ثمن هذه الصواريخ»؟


تذكرت هذا السؤال وإجابتى عليه وقتها وأنا أجلس أمام كاميرات التليفزيون، يحاورنى المذيع النابغ خالد عاشور، عندما سألنى»:هل تتحمل ميزانية مصر هذا الحجم من الإنفاق العسكرى فى ظل خطط التنمية الطموحة»؟


فكان ردى عليه: سأجيبك بنفس الإجابة التى أجبتها لأحد جنودى منذ ست وأربعين سنة وأنا ضابط صغير برتبة الملازم، بعد شهور قليلة من تخرجى فى الكلية الحربية، وانضمامى على وحدتى التى أصبحت أحد مقاتليها وقائداً لإحدى مجموعاتها التى تعمل خلف خطوط العدو، وقتها كانت حرب الاستنزاف على أشدها فى تحد بلا حدود بين إرادتنا التى لا تلين، وإصرار العدو على منعنا من بناء حائط الصواريخ المضاد للطائرات للدفاع عن سمائنا وأرضنا.. فى أحد هذه الأيام كنت أقوم بتدريب جنودى على تمييز طائرات العدو، وكيفية التعرف عليها، وتطرق الشرح إلى كيفية التصدى لها بدءاً من الصواريخ بعيدة المدى، وحتى الأسلحة الصغيرة.


أذكر أنى رددت على هذا الجندى».. نعم نستطيع توفير ثمن الصاروخ، ولكن كم تساوى خسائرنا لو تمكنت طائرة العدو من تدمير أحد المصانع أو البيوت بمن فيها كم تساوى حياتك لو أنهتها هذه الطائرة؟.


كما لم أنتظر الإجابة من سائلى فى الماضى، لم أنتظرها من ذلك المذيع الذى راح يعدد معى حجم الدمار والخسائر الذى يمكن أن يلحق وينسف كل خطط التنمية التى نحلم بها.. لو لم يكن لدينا القوة القادرة على حمايتنا وحماية أهدافنا الحيوية ضد أى طامع أو عدو إذا ما أراد الاعتداء علينا فى حال تضارب واختلاف أهدافه ومصالحه مع أهدافنا ومصالحنا.


إن بناء الجيوش يخضع لحسابات غاية فى الدقة وقيود أكثر صرامة.. أولها حساب حجم العدائيات الموجهة للوطن ونوعها وقدراتها وتوقيت واتجاه حدوثها والتحالفات المشتركة مع العدو وكيفية وتوقيت وحجم تداخلها.. إلخ


وبناء على ذلك يتم حساب حجم القوات اللازمة لمواجهة هذه العدائيات ونوعها)برية، جوية، بحرية، دفاع جوى).


ثم يأتى حساب قدرات الدولة على توفير هذه الأسلحة بالتصنيع أو الشراء وفى حالة عدم كفاية موارد وقدرات الدولة على تلبية مطالبها الدفاعية، يتم البحث عن تحالف مشترك سواء مع دولة أخرى أو مجموعة من الدول.. ثم أسلوب وكيفية التعاون المشترك مع هذه الدول أو التحالفات.


ويتكون الجيش من عناصر ثلاثة هى الفرد والقيادة والمعدة أو التسليح وسوف أفرد هذا المقال للحديث عن التسليح الذى يشغل بال الجميع من حيث النوعية والتوقيت والتكلفة ثم مدى وقدرة الفرد المصرى على استيعاب هذه التقنية المتقدمة والتعامل معها.


إن اختيار نوعية الأسلحة والمعدات يخضع لعوامل ثلاثة إذا نقص عامل منها نقصت قيمة التسليح وقلت فاعليته وربما أصبح عديم الجدوى وأول هذه العوامل هو عامل المقارنة النوعية، بمعنى قدرة وإمكانات السلاح الذى أمتلكه فى مواجهة ما يقابله من سلاح لدى العدو وبصورة أكثر قرباً إذا كان العدو يمتلك مدفعاً أو صاروخاً مداه يصل إلى خمسين كيلو متراً مثلاً، فيجب ألا يقل مدى مدفعيتى أو صواريخى عن هذا المدى بفرض تساويهما فى القدرة التدميرية، كذلك الطائرات من حيث نوعية تسليحها الجو/ جو أى قدرتها على القتال فى مواجهة الطائرة المعادية وما تمتلكه من قدرة على المناورة وأيضاً الحرب الإلكترونية الخاصة بالطائرات، ثم قدرتهاعلى التغلب على أسلحة الدفاع الجوى المضادة، وهكذا فى القوات البرية من أسلحة مثل الدبابات والعربات المدرعة والصواريخ بمختلف أنواعها بدءاً من الصواريخ المضادة للدبابات إلى الصواريخ المضادة للصواريخ، وكذلك باقى أسلحة القتال والأسلحة المعاونة من إشارة ومهندسين وحرب كيميائية.. وفى مقدمة ذلك كله أسلحة الاستطلاع ومعداته التى تمثل العين والأذن وجميع الحواس التى تكتشف وتدقق وتتابع حجم ونوع ونشاط العدو بل قدراته ونواياه المستقبلية، كل ذلك أيضاً على أسلحة القوات البحرية من مدمرات وفرقاطات ولنشات صواريخ وكاسحات ألغام وغواصات.. إلخ، ثم الدفاع الجوى الذى يمثل حائط الصد المنيع ضد أى هجمات جوية للعدو فى جميع الأحوال قبل وأثناء وبعد المعركة.


إن عامل المقارنة النوعية يجب ألا يقل عن نسبة ١:١ أى تساوى قدراتنا مع قدرات العدو بل تزيد.


والجدير بالذكر هذا العامل لم يكن فى صالحنا فى كل الحروب التى خضناها، بدءاً من حرب ١٩٤٨ مروراً بـ العدوان الثلاثى ١٩٥٦ وحرب ١٩٦٧ ولا حتى حرب أكتوبر ١٩٧٣ التى نصرنا الله فيها نصراً عزيزاً مؤزراً، وكان عامل الفرد فيها هو الحاسم والفاصل.. حيث عوضنا قدرتنا بقدرات الرجال وعزيمتهم وكفاءتهم التدريبية ثم عقيدتهم التى لا تقبل غير النصر أو الشهادة، وهذا ما سوف نفرد له مقالاً آخر.


ثم نأتى إلى العامل الثانى فى تحديد نوع السلاح.. وهو عامل:


الملاءمة: أى ملاءمة هذا السلاح أو المعدة لطقس ومناخ مسرح الحرب أو مسرح العمليات أى - الأرض التى سيدور عليها القتال - هل هو بارد أم حار ممطر أم جاف.. إلخ، ثم ملاءمته لطبيعة الأرض التى سيجرى عليها القتال فالأراضى الصحراوية والأراضى الجبلية والأراضى الزراعية ثم الأراضى الجليدية، يختلف نوع السلاح أو المعدة التى تناسبها من نوع إلى نوع.


ثم هناك ملاءمة هذا التلسيح كقدرات وكفاءة الأفراد الذين يستخدمونه والخبرات المتوفرة لديهم ثم عامل الوقت المتيسر للتدريب على هذه الأسلحة قبل الدخول فى الحرب.


وثالث هذه العوامل وربما أخطرها.. هو عامل:


الاستمرار: أو الاستمرارية.


فنظراً لما تمثله نوعية الأسلحة القتالية من قدرات عالية على الفتك والتدمير فإن معدل الاستهلاك أى التدمير فيها يكون عالياً جداً، هذا الأمر الذى يحتم استمرار الإمداد بالأسلحة أثناء القتال كتعويض الخسائر وزيادة قدرة القوات واستعادة كفاءتها.. وهذا لن يتأتى إلى بأحد مصادر ثلاثة أوعلى الأقل أحدها، لكى يستمر تدبير السلاح والإمداد به.


المصدر الأول هو التصنيع المحلى للسلاح، أى أن تنتج الدولة ما يحتاجه جيشها من أسلحة لها كل القدرات التى تواجه بها العدو وتتفوق عليه.


المصدر الثانى: هو الحصول على السلاح من دولة صديقة لدولتى وعدوة لعدوى أو أن ارتباط مصالحها بدولتى يفوق ارتباطها بالدولة المعادية.


المصدر الثالث: هو تنويع مصادر السلاح ليشمل أكثر من دولة، بحيث تتعدد البدائل فى حالة تعذر بعضها أو إحداها.


وبنظرة على الجيش المصرى قبل الثلاثين من يونيه ٢٠١٣ نجد الآتى:


المصدر الرئيسى للسلاح للجيش المصرى هو الولايات المتحدة الأمريكية التى حاولت إحكام قبضتها على تسليح الجيش المصرى من خلال المعونة العسكرية السنوية المقدرة بمبلغ ١.٣ مليار دولار، لكى نظل مرتبطين بها إلى أبعد الحدود من حيث المعاونة الفنية والصيانة والإمداد بقطع الغيار، بل والتدريب أيضاً على هذه الأسلحة وهنا يبرز التساؤل هل الولايات المتحدة الأمريكية توفر لتسليح جيشنا العوامل الثلاثة سالفة الذكر اللازمة للنجاح وهى:


المقارنة النوعية:


إن أمريكا المصدر الرئيس لتسليح الجيش الإسرائيلى أيضاً فهل ما تسلح به جيشنا يساوى أو يقترب من السلاح الذى تسلح به إسرائيل؟


الإجابه بالطبع لا. بل إن هذا الأمر معلن فى السياسة الأمريكية صراحة بالتزامها بالتفوق الإسرائيلى على العرب.


بل إن هناك اتفاقاً عسكرياً بينهما ينص» بتدخل الجيش الأمريكى مباشرة لمنع أى جيش من تحقيق نصر عسكرى على الجيش الإسرائيلى.»


الملاءمة:


فى كثير من الأحوال لا نملك طلب أسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية إلا ما تريد هى أن تعطيه لنا.. وعلينا نحن أن نتلاءم معه لا أن نختار ما يلائمنا.


استمرارية الإمداد بالأسلحة:


بعدما حدث عقب يوم ٣ يوليو ٢٠١٣ من إيقاف لكل أعمال الإمداد بالأسلحة بل والصيانة الدورية لمعداتنا التى كانت تجرى ذلك فى الولايات المتحدة الأمريكية، والتغيير الحاد فى المواقف ومحاولة فرض الاراد على مصر، هو أبلغ تفسير لهذا البند وفشل الاعتماد على الولايات المتحدة فى ذلك الأمر.


لم تكن هذه العوامل فقط هى التى واجهت وتواجه القيادة السياسية بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ بل كانت هناك العديد من المتغيرات على المسرح السياسى والعسكرى والأمنى والاقتصادى عالمياً وإقليمياً ومحلياً.


إن هناك دولاً قد أزيحت من الخريطة ودولاً تفككت وأخرى تصارع، ومصر هى الجائزة الكبرى لمدبرى هذه الأعمال.


هناك عقد عربى قد انفرط وتساقط العديد من حباته وهناك حبات تتمسك بحقها فى الوجود وتحاول التشبث بمكانها، وعينها على الشقيقة الكبرى، مناط الأمل فى كل الخطوب.


إن مسئوليات مصر العربية والإقليمية لن يغفر لها التاريخ إن تخلت عنها.


إن وجود مصر ذاته كان يهدد، يوم أن اعتلت سدة حكمها فئة باعت بها تخاريف طائفية زائفة.


وكان القرار.. دعم الجيش المصرى وتقويته للحفاظ على دوره التاريخى فى الحفاظ على الأمن القومى العربى وردع كل معتد يفكر فى تهديده أو التعرض له.


إن الجيش.. أى جيش فى أى دولة هو المغناطيس الذى يجذب ويجمع جميع فئات الشعب وقوى الدولة الشاملة حوله.. ويمنع تفرقها فضلاً عن اقتتالها فيما بين بعضها البعض فى حرب أهلية.. وقد رأينا هذا المثل صارخاً فى كل من العراق وليبيا عندما حُرقت من جيشها بتسريحه.


لقد اتسع مجالنا الحيوى شمالاً فى البحر المتوسط حماية لمياهنا الاقتصادية وحتى ٢٠٠ ميل بحرى من الساحل المصرى حيث حقول الغاز المكتشفة والمنتظرة بإذن الله، ثم هناك باب المندب فى الجنوب الذى لا نقبل بمجرد تعرضه للتهديد ثم مسئوليتنا العربية تجاه الأشقاء فى الخليج العربى وما يواجهونه من تهديدات.


فكانت الرافال فى الجو والمسترال (جمال عبدالناصر) والفرقاطة فريم (تحيا مصر) فرنسية الصنع وفى الطريق الغواصات الألمانية (دولفن) فى البحر أما البر فقد غطت سماءه الصواريخ الروسية إس ٣٠٠.


إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتخذ قرارها بإعادة واستمرار تقديم المعونة العسكرية بقيمة ١.٣ مليار دولار لمصر إلا بعد أن أحست أنها هى التى تفقد مصر وليست مصر التى تفقدها.


وقبل الختام أقول لمن لا يرى هذا:


قد تنكر العين ضوء الشمس من ورم


وينكر الفم طعم الماء من سقم


وأقول لمصر:


عيشى يا بلادى فى أمن وسلام جيشك الأبى فى الحق لا ينام