بين ٢٢ ألفا و٤ ملايين: تعداد الأثرياء.. إحصاءات غائبة وأرقام مُتضاربة!

08/06/2016 - 12:35:28

تحقيق: بسمة أبو العزم

لا يوجد رقم محدد للأغنياء في مصر، فالحكومة لا تملك إحصاء رسميًا، والخبراء والمؤسسات المتخصصة تطلق أرقامًا متضاربة، البعض يقول إن نسبتهم٢٠٪ من عدد المصريين، في حين تأخروا تفاوتوا في التقدير بين ٢٢ ألف ثري، و٤ملايين!. خبراء الاقتصاد المصريون يرون أن العدد يصل إلى مليوني ثري وربما ٤ملايين، يملك الواحد منهم مليون جنيه كحد أدنى. وقد ذكر تقرير اقتصادى دولى لمؤسسة «كريدى سويس» عن الثروة فى العالم خلال عام ٢٠١٣ أن مصر فقدت ٣ آلاف مليونير لتحتل المرتبة الخامسة فى قائمة أكثر دول العالم التى تراجع بها عدد المليونيرات ليسجل عددهم يونيه ٢٠١٣ نحو ٢٢ ألف مليونير بدلا من ٢٥ ألفا عام ٢٠١٢ .


وفى دراسة مسحية أجرتها مؤسسة «نيو ورلد ويلث» الجنوب أفريقية المتخصصة فى أبحاث السوق على إجمالى ثروات الأفارقة الذين يمتلكون صافى أصول بقيمة أكثر من مليون دولار بنهاية ٢٠١٤، احتلت مصر المرتبة الثانية إفريقيا من حيث عدد المليونيرات بعد جنوب إفريقيا بواقع ٢٠ ألفا أغلبهم من عائلتى ساويرس ومنصور.


ويوضح د.رشاد عبده، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، ورئيس المنتدى المصرى للدراسات الاقتصادية أن التركيز فى العالم كله على الفقراء وليس الأغنياء، فالبنك الدولى وكافة المؤسسات الدولية تحدد من هو الفقير لمساعدته وتقديم المعونات له، فاستراتيجية الأمم المتحدة ٢٠٣٠ الوصول إلى عالم بلا فقر لذا يتم حصر الفقراء، أما الجهة الوحيدة التى تهتم بالأغنياء فهى مجلة فوربس العالمية وتقدم بيانا سنويا على مستوى العالم، وآخر بيان أكد على وجود ثمانية مصريين بقائمة أغنى مائة شخص عالميا، فهم يملكون المليارات وفى الأساس يشكلون ثلاث عائلات ويمكن تسميتهم بـ «السوبر ريتش « وتلك الفئة أعدادها محدودة .


«الغنى مسألة نسبية، فهناك من يدخر ربع مليون جنيه بالبنك ويعيش من ريعها وفى هذه الحالة لايمكن تسميته بالغنى, لكن الأثرياء الحقيقيين من يمتلكون فوائض مالية كبيرة , وبالتالى تصنيف الأغنياء بأنهم يمتلكون مليون جنيه فيما أكثر أصبح قضية جدلية مع التضخم وانخفاض القيمة الحقيقية للأموال»، هكذا يقول د.رشاد، متابعا: قديما كان مصطلح «الألفى « وهو من يمتلك آلاف الجنيهات بالثرى أما الآن فالحد الأدنى لأجور محدودى الدخل ألفا و٢٠٠ جنيه.


داري على شمعتك!


ويشير الخبير الاقتصادي إلى أنه وبالرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية تكشف عدد أو نسبة الأثرياء، إلا أن أعدادهم فى تزايد بدليل حجم مشترياتهم الضخمة فى العقارات والأراضى وآخرها التكالب على مشروع «ماونتن فيو»، معتبرا أن سبب عدم الحصر يعود إلى الخوف من إثارة الأحقاد عليهم, «كما أن الوسائل الحكومية التى يمكنها المساعدة فى معرفة عددهم يتم التلاعب بها، فالضرائب أهم وسيلة لكن أغلب الأغنياء والعاملين بالبيزنس يستعينون بمحاسبين قانونيين لديهم قدرة على التلاعب فى الحسابات ويقدمون أوراقا تثبت خسائر الشركات أو مكسبها الهامشى، وبالتالى لم تعد الضرائب معيارا وكذلك التأمينات لها سقف أعلى, كما أن بعضهم حصل على ثروته بطرق غير شرعية لذا لايرغب فى الكشف عنها والدليل على ذلك نشاط ظاهرة توظيف الأموال فأغلب الضحايا لايبلغون عن النصابين خوفا من التحقيق معهم والتعرف على مصادر ثرواتهم, وبالتالى معرفة عدد الأغنياء فى مصر شبه مستحيل لأنهم يعملون بمبدأ «دارى على شمعتك تقيد».


في ذات السياق، يرى الخبير الاقتصادي د.شريف دلاور أن تصنيف وتحديد الشرائح فى مصر ضعيف, «لكن يمكن تصنيفهم بأن هناك فئتين الأولى وتأتى على قمة الهرم « «السوبر ريتش» وهم أغنى الأغنياء وثرواتهم بالمليارات , أما الـ»ريتش» فيمتلكون الملايين , وبمعيار آخر يمكن أن نصف الأغنياء بأنهم يملكون أصولا مالية ثابتة سواء منتجة أو غير منتجة، ويتحدد مستوى الغنى وفقا لحجم الملكية، وهناك أثرياء حتى إذا توقفوا عن العمل ولديهم ثروات تكفى الجيلين الثانى والثالث فيعيش الأحفاد على ناتج هذه الاستثمارات، وعلى المستوى العالمى هناك زيادة فى أعداد الأثرياء على مدار العشريين عاما الماضية , وفى نفس الوقت يزيد الفقراء فقرا، فالفجوة تتزايد نتيجة للسياسات التحررية فى عالم الرأسمالية .


ويتابع الخبير الاقتصادي: «هناك أشكال متعددة للأغنياء فهناك أثرياء البيزنس والأعمال وأغلبهم مشهورون, كذلك التجار, ويوجد أغنياء غير معروفين وأعدادهم بالملايين لكنهم يفضلون الابتعاد عن الأضواء والسلطة وأغلبهم أغنياء السمسرة، فيمتلكون أراضى سواء زراعية أو مبانى ويعملون فى الاستثمار العقارى والمقاولات, كما يوجد أغنياء التهريب ويعملون فى كافة السلع خاصة المدعمة, والمدن الساحلية، وهناك تجار أخشاب لديهم مزارع غابات كاملة فى الخارج, هناك مليونيرات صناعة الدواء، وآخرون دخلوا الحياة السياسية من خلال أحزابهم».


والأغنياء متنوعون فى معيشتهم، فهناك من يفضلون البقاء فى نفس أحيائهم القديمة خاصة أثرياء الأقاليم مع إعادة بناء منازلهم على هيئة فيلات وقصور, وهناك من يفضل الانتقال إلى مدن جديدة مثل التجمع أو القاهرة الجديدة مع الاشتراك فى أكبر الأندية.


لا معايير رسمية لتحديد العدد


ويعتقد د.سامى السيد، رئيس قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بأن حدود الغنى تبدأ من المليون جنيه، «فمن يمتلك مئات الآلاف من الجنيهات طبقة وسطى بمقاييس الأسعار الحالية، فالشقة العادية يصل سعرها إلى نصف مليون جنيه, فحينما يسافر أستاذ جامعة إعارة ويتمكن من توفير مبلغ ٧٥٠ ألف جنيه لم يعد يطلق عليها ثروة، فمع تغير الأسعار وقيمة العملة يتغير تصنيف الطبقات , ومن وجهة نظره أن عدد المليونيرات فى مصر يعادل ٢ بالمائة من عدد السكان بإجمالى ٢ مليون مليونير , أما على مستوى العالم فلا تقل نسبتهم فى أوروبا عن ١٠ بالمائة من عدد السكان».


وأوضح أنه لا يوجود أى معيار رسمى لتحديد الأغنياء، «فالغنى ليس له مفهوم اقتصادى, بعكس الطبقة الفقيرة التى حددتها المواثيق الدولية وفقا للدخل وارتباطه بسلة الغذاء والأسعار, أما الأغنياء فلا يطلق عليهم المصطلح وفقا لأرصدتهم فى البنوك فقط بل ما يملكون من أراض وعقارات وشركات، وتلك الأملاك لايحصرها إلا صاحبها فقط فصعب على الدولة حصرها كما أن الضرائب أرقامها غير دقيقة، وأغلب الأغنياء من رجال الأعمال ويمكن وصف الكبار منهم بأنهم نتاج الخصخصة وبيع القطاع العام بأرخص الأسعار مع قضايا الفساد والإهمال المتعمد لصالح عدد محدود من رجال الأعمال بالقطاع الخاص , فأغلب الأسماء الكبيرة بدأت بالاستيلاء على مصانع الدولة سواء بالقانون أو بغيره».


النسبة ٥٪


«فى ظل الارتفاع المبالغ فيه في الأسعار لم يعد حائز المليون جنيه غنيا»، هذا مايراه د.عبد المطلب عبد الحميد، رئيس قسم الاقتصاد بأكاديمية السادات، الذي يوضح: «الغنى الحقيقى الذى يمتلك خمسة ملايين جنيه فأكثر, وبالنظر إلى خريطة الدخل والثروة نجدها مركزة فى يد فئة صغيرة من المجتمع، وبالرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية بعدد الأغنياء فى مصر إلا أن نسبتهم تقريبيا ٥ ٪ من عدد السكان ويطلق عليهم اسم المليونيرات وبالتالى عددهم لن يقل عن أربعة ملايين مليونير فى مصر».


ويواصل: الأغنياء فى مصر فئتان أولاهما العاملة فى الاقتصاد الظاهرى، ويمكن للدولة رصد كافة أنشطتهم وتجميع بياناتهم , أما الفئة الثانية وهى الأخطر «أغنياء الاقتصاد الخفى» وكافة أعمالهم غير مشروعة؛ إذ تضم تجارة المخدرات , السلاح والآثار والدعارة والتهريب والرشاوى للاستيلاء على أراضى الدولة، وتزيد ثرواتها بسرعة وقوة فائقة، وتعمل كذلك في غسيل الأموال ويفضلون السيارات والعقارات الفاخرة، كما أن أغلبهم مسؤول عن زيادة أسعار بعض السلع والخدمات وعلى رأسها العقارات والأراضى والسيارات.. أما الأغنياء فى الاقتصاد الرسمى فئات عديدة , فهناك رجال الأعمال والبيزنس ويشكلون قمة الهرم وأقلهم يمتلك عشرة ملايين جنيه كحد أدنى، هذا بخلاف كبار التجار ويطلق عليهم «الحيتان «, وكبار العاملين بالقطاع الخاص والشركات الأجنبية بجانب الفنانين ولاعبى الكرة، فضلا عن الأغنياء بالوراثة.


وأشار د عبد المطلب إلى أن جميع العاملين بالحكومة ليسوا أغنياء فهم طبقة متوسطة ومحدودو دخل، كذلك العاملون بالقطاع الاقتصادى غير الرسمى الصغير ومنهم أصحاب الورش الحرفية، لافتًا إلى الأغنياء يتكيفون مع أى وضع اقتصادى تمر به مصر بل يزداد بعضهم ثراء بسبب الأزمات الاقتصادية، أو أغلبهم يتجه للاستهلاك بشراسة، في حين نسبة محدودة منهم تتبع سياسة الاقتصاد الرشيد فى الاستهلاك وتلك الفئة من العصاميين الذين شعروا بصعوبة تكوين الثروة.


وعن دور الأغنياء في مساعدة الفقراء، قال د عبد المطلب: من صالح الأغنياء فعل ذلك من منطلق ديني ومجتمعي، لكن الأهم هو دور الدولة في فرض ضرائب تصاعدية لزيادة إيراداتها .


وأبدى د عبد الرحمن عليان، أستاذ اقتصاد وتكاليف بكلية التجارة جامعة عين شمس، تعجبه من عدم وضع تعريف للأغنياء؛ لذا طالب بقيام كبار خبراء الاقتصاد بتحديد المصطلح وفقا لحجم الاحتياجات الأساسية والرفاهية المعقولة وحجم الادخار , معتبرا أن الغنى هو كل حائز فيلا وسيارة لكل فرد بالأسرة مع تعليم أبنائه بالمدارس الخاصة ولديه القدرة على ادخار ٣٠ بالمائة من دخله , «وبالطبع تصنيف الثراء يختلف من مكان لآخر فالبعض يعتبر مالك طائرة خاصة أو يخت بداية سلم الأغنياء , وبالتالى آن الأوان لوضع خطوط واضحة لنعرف من هم الأغنياء ليقوموا بدورهم الاجتماعى فى التنمية» .


مراجعة أشرف الشاذلي