عندما امتصت «الأيدي الناعمة» دماء الفقراء!

08/06/2016 - 12:25:57

تقرير: شيرين صبحي

يحلم الحلاق محروس بالغنى والثراء، وفجأة يتحقق حلمه بعد موت قريبه الشحاذ الذي كان يخبئ كنزا من المال، فتتبدل أحوال الحلاق وأسرته، ينتقلون إلى الزمالك ويبعثرون الأموال، ووسط زهوة المال ينسى الجميع وعودهم للفقراء.


يحلم الحلاق محروس بالغنى والثراء، وفجأة يتحقق حلمه بعد موت قريبه الشحاذ الذى كان يخبئ كنزا من المال، فتتبدل أحوال الحلاق وأسرته، ينتقلون إلى الزمالك ويبعثرون الأموال، ووسط زهوة المال ينسى الجميع وعودهم للفقراء.


هكذا صور الكاتب أبو السعود الأبيارى، جشع الأغنياء وكرههم للفقراء وعدم الالتفات إليهم، ولكن هل يبدو الأغنياء دائما جشعين طماعين لا يرون سوى أنفسهم؟ كيف تعامل الأدب مع الأغنياء، هل تعاطف معهم أم نبذهم وألقى اللوم على كاهلهم وحملهم إرث سياسات متعاقبة صنعت تلك الفوارق الرهيبة بين الطبقات؟


الظاهرة الطبقية بفروقها الفادحة بين الفقراء والأغنياء كانت بارزة فى الرواية العربية إبان السنوات الأولى التى أعيد فيها تشكيل المجتمع المصرى بعد ثورة ١٩٥٢، كما يوضح الناقد دكتور صلاح فضل، حيث كان إحساس الأدباء حادا بهذه الفوارق الطبقية ونقدهم لها شديدا نتيجة لخطاب الثورة فى تحديد الملكية من ناحية وتأميم ثروات الاقطاعيين من ناحية أخرى، فنجد كتابات هذا الجيل من الروائيين أمثال نجيب محفوظ ويوسف السباعى وإحسان عبد القدوس وعبد الحميد جودة السحار، تشير إلى ظواهر الغنى باعتبارها مظهرا للاستغلال واستثمار جهود الفقراء.


رواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوى، وبعض مسرحيات توفيق الحكيم سنجد الشعور حادا بهذه الفوارق الطبقية، لكنها لم تلبث أن توارت على صفحة الأدب لدى أدباء جيل الستينيات حيث لم يعد فى المجتمع من الوجهة العلمية من يمكن أن يعتبر من الأغنياء، وفى مطلع حكم السادات فى السبعينيات انطلق غول فترة الانفتاح والخلل الطبقى الذى أعقبها وظهور طبقة جديدة من التجار الغشاشين الانفتاحيين الذين امتصوا دم الشعب، وبدأت الأعمال تشير إليهم باعتبار أن هذا ليس جهدا اقتصاديا يصب فى خدمة المجتمع، وإنما باعتباره من ظواهر الفساد التى بدأت تستشرى وتكاثرت ثروات المشتغلين فى مكاتب التصدير والمتاجرين فى الأراضى وتكونت ثروات ضخمة لم تعد تقدر فى العقود الثلاثة التى استمر فيها حكم مبارك؛ بالملايين بل بالمليارات.


برزت هناك مفارقة واحدة -يضيف دكتور فضل- تقارن بين ثراء الطبقات الارستقراطية قبل ثورة ١٩٥٢ من رجال الصناعة والتجارة أمثال طلعت حرب وعبود باشا وفرغلى باشا الذين بنوا اقتصادا حقيقيا وأسسوا للصناعة المصرية، وبين مجموعة المستثمرين الجدد فى عهد مبارك الذين تواطئوا مع السلطة وكونوا ثروات ضخمة نتيجة استشراء الفساد فى الدولة واستغلال ثرواتها والقضاء على صناعات مصر ليشبعوا نهمهم فى الكسب السريع عن طريق استيراد بعض الأعمال الأدبية والدرامية والسينمائية أدانت ظاهرة الأغنياء الجدد باعتبارهم عوامل فى تدمير الاقتصاد وليسوا من البناة الحقيقيين، الأمر الذى انتهى أن يكون أهم شعار لدى الشباب فى ثورة يناير هو «عيش. حرية. عدالة اجتماعية» وهو الشعار الذى لم يتحقق حتى الآن لأن نسبة الفقر لازالت عالية والهوة الرهيبة التى تفصل بين أصحاب المليارات والفقراء ليس لها نظير.


لم يكن هذا هو شاغل معظم أدباء هذا الجيل لأنهم فى قرارة أنفسهم يدركون أن الأدب لا يكفى لتغيير هذا الواقع وأن السياسة المباشرة هى السبيل الحقيقى لإعادة الميزان للعلاقات الطبقية فى المجتمع المصرى.


الثرى المتعجرف


النصوص الأدبية الحديثة صورت شخصية الغنى فى عدة أنماط وتباينت عملية التصوير تبعا لتغير الحياة السياسية، كما يوضح الناقد الدكتور حسام عقل، ففى العصر الملكى تماهت صورة الغنى أو الباشا مع صورة المتسلط أو القامع، يظهر ذلك بوضوح فى قصة «القطار» للراحل محمد تيمور، حيث يظهر من بين الأنماط شخصية الثرى المتعجرف الذى لا يريد للفلاحين أن يتعلموا ولا للبسطاء أن ينتقلوا إلى حياة أكثر رفاهية، ويتضح فى إطار الصراع الطبقى بين الطبقة الاحتكارية  والمهمشين فى أعمال محفوظ خصوصا رواية «القاهرة الجديدة» والتى تجسد أجواء حقبة الثلاثينيات حيث يستطيع الثرى المتجرد من الأخلاق شراء الجميع بما فى ذلك أعراض الفقيرات، ونجح المخرج صلاح أبو سيف فى تصوير هذا الملمح فى «القاهرة ٣٠» ويتضح الصراع الطبقى نفسه حيث تصوير الغنى فى أكثر الصور دمامة وقبحا فى أعمال يوسف إدريس خصوصا «الحرام» و»العيب».


لم يكن هذا التصور بعيدا عن الشعراء، فصلاح عبد الصبور فى ديوانه «الناس فى بلادى» يصور الطبقة الاحتكارية وهى تتغول على حقوق الفقراء وهو ما نجده بشكل أو آخر عند بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتى.


ومن النادر أن نجد نصا يصور الغنى بشكل جيد بل كان مرادفا للعجرفة ونهب الحقوق وامتصاص دماء الفقراء والتربح منهم.


فى حقبة السبعينيات مع ظهور الانفتاح برز مصطلح «القطط الثمان» الذى يشير إلى الأثرياء الذين أفادوا بشكل طفيلى من سياسات الانفتاح الأهوج غير المدروس، وسجل محفوظ شهادته على تلك الحقبة فى «يوم قتل الزعيم» ولا تزال النصوص تتعامل بذات النزعة من الشجب والإدانة والتشكك فى أهدافها وهو ما ظهر طوال الثمانينيات ما نسميه طبقة الرأسمال السياسى التى دست أنفها فى المشهد المصرى وأربكت الجميع. وفى السنوات الأخيرة ظهرت نصوص كثيرة تصور تلك الطبقة مثل أشرف الخمايسى وعلاء فرغلى وزكريا صبح وعبدالله الشوربجى وغيرهم.


الأيدى الناعمة


لم يغب المسرح أيضا عن هذه الثنائية، كما يشرح دكتور محمود نسيم رئيس لجنة المسرح، حيث رصد طبقة الأغنياء فى إطار التحولات الاجتماعية، فنجد نعمان عاشور فى عمله «الناس اللى فوق» التى يرصد من خلالها أواخر الأربعينيات ويقصد بهم طبقة الأغنياء التى قلت مع ثورة ١٩٥٢، وفى عمليه «برج المدابغ» و»إثر حادث أليم» اللذين رصد فيهما طبقة الأثرياء الجدد التى ظهرت فى فترة التسعينيات.


كذلك رصد ميخائيل رومان فى مسرحية «الدخان» شعور أفراد من الطبقة الوسطى الصغيرة استطاعوا تحقيق ثقافة عالية فى ظروف بالغة الصعوبة، لكنهم مع هذا محرومون ومسحوقون تحت وطأة نظام اجتماعى ظالم.


فى مسرحية «رسول من قرية دميرة للاستفسار عن حالة الحرب والسلام» يرصد محمود دياب تحولات ما بعد حرب أكتوبر وكيف ظهرت طبقة أخذت ثمار الحرب التى دفع ثمنها المصريون. أيضا قارن توفيق الحكيم فى عمله «الأيدى الناعمة» بين قيمة العمل وقيمة الثروة الموروثة، كل هذا فى إطار تحولات الطبقة الغنية وانهيارها بعد ثورة يوليو.


ثنائية الفقر والغنى عكسها الأدب الشعبى فى الحكايات والمواويل، فبطل الحواديت دائما من الغلابة المهمشين الذى يمتلك من الذكاء والمهارة والاعتماد على النفس، حتى يصل فى نهاية الحدوتة إلى تحقيق حلمه بكثير من الصعوبات. فالشاطر حسن مثلا هو أحد عامة الناس الذى يحاول التغلب على الواقع الاجتماعى الذى لا يرضاه، وغالبا ما تنتهى الحدوتة بأن يتزوج من ابنة الملك ويعيش فى قمة الهرم الاجتماعى، كذلك تتزوج «ست الحسن والجمال» من ابن الملك، وبذلك تحمل الحواديت العديد من المغامرات والمنافسات التى ينتصر فيها البطل ويتغلب على كل العوائق الاجتماعية.


الأمثال الشعبية أيضا تناولت هذه الثنائية، منها على سبيل المثال «لو غنى شكته شوكة تتقلب الدنيا فى دوكة»، إضافة إلى الكثير من الأغانى والمواويل التى رفضت العلاقة بين الطرفين وانتصرت دائما للفقير.