ليس بالرجاء والمناشدات يؤدى الأغنياء واجبهم تجاه الوطن!

08/06/2016 - 12:24:00

بقلم - عبدالقادر شهيب

من المؤكد أن مصر ليست كلها فقراء، وأنه يعيش تحت سمائها وفوق أرضها أغنياء أيضًا.. ومن المؤكد أيضًا أن أغنياء مصر لا يسهمون رغم قدراتهم المالية الكبيرة فى تكلفة إعادة بناء الدولة المصرية الحديثة وإصلاح أوضاعها الاقتصادية، بل إن بعضهم يحظى مثله كالفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة بدعم الدولة.. والمؤكد ثالثًا أن تصحيح هذا الوضع غير السليم بدفع الأغنياء لمساهمة أكبر فى عملية بناء الدولة الحديثة بما يتناسب مع قدراتهم المالية وليس فقط طبقًا لمسئوليتهم الاجتماعية لن يتحقق أو يتم من خلال المناشدة والرجاء لهم ولو حدث ذلك عبر إلحاح مستمر لا يتوقف، وإنما يتحقق من خلال قرارات ملزمة وقوانين وإجراءات مالية واقتصادية يحاسب ويعاقب الذى يتهرب منها.


هذه هى خلاصة ما أود قوله ولم أمل من تكرار قوله فى مناسبات عديدة وأوقات شتى.. وإليكم التفاصيل.


ولنبدأ بأغنياء مصر.. وحتى الآن لا توجد دراسات وأبحاث جادة تحصد عدد الأغنياء فى مصر ونسبتهم بين عدد السكان فيها الذى وصل الساعة العاشرة مساء يوم الأحد الماضى (٥مايو ٢٠١٦) نحو ٩١ مليون نسمة.. لقد اهتمت أجهزة ومؤسسات مختلفة كان أبرزها معهد التخطيط والجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء بدراسات الفقر والفقراء.. وكانت آخر هذه الدراسات فى عام ٢٠١٤ التى أعدها جهاز التعبئة والإحصاء، والتى انتهت إلى ارتفاع نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر فى مصر ليتجاوز رُبع عدد السكان وتحديدا ٢٦.٣٪ فى عام ٢٠١٢/٢٠١٣ أغلبهم يعيشون فى ريف الوجه القبلى.. لكن لم نجد ذات الاهتمام من هذه الأجهزة والمؤسسات أو غيرها من أجهزة ومؤسسات للأبحاث والدراسات التى ترصد وتحدد عدد أغنياء مصر ونسبتهم بين عدد السكان وحجم ثرواتهم، رغم أن دراسة أوضاع أى مجتمع تحتاج أن تكون شاملة لكل فئات وطبقات هذا المجتمع أغنياء وفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة فيه.


لذلك اتجه البعض من الأغنياء فى مصر من خلال تصرفاتهم وسلوكهم أو من خلال مظاهر الغنى المتنوعة، كالصقور والفيللات التى يملكونها سواء للسكنى أو لقضاء الإجازات فى المدن الساحلية، وأيضًا السفر للخارج وما ينفق عليه، أو امتلاك بعض الماركات والأنواع من السيارات، بل وامتلاك أيضًا الطائرات الخاصة، وكذلك مثل الحفلات الباهظة التكاليف فى الأفراح وأعياد الميلاد، وقضاء ليلة رأس السنة وما ينفق فى الكازينوهات الليلية، فضلا عن قائمة السلع الكمالية المستوردة من الخارج تجد أن ذلك كله لا يكفى لرصد وتحديد عدد الأغنياء فى مصر وحجم ثرواتهم أن تحديد قدراتهم المالية، خاصة أن كثيرا من الفيللات والقصور سواء فى القاهرة وضواحيها أو فى شتى المدن، خاصة الساحلية منها ليست مسجلة، وبالتالى غير مرصودة، لأن الاقتصاد الرسمى يمثل نسبة ليست قليلة داخل مصر.. فضلا عن كل تلك المظاهر للغنى هى مجرد شواهد تشير إلى وجود ظاهرة الغنى داخل المجتمع المصرى، ولكن لاتحدد حجمها ولا عدد الأغنياء فى المجتمع ونسبتهم إلى السكان وحجم ثرواتهم.


وهكذا لم يتبق أمام من يريد رصد عدد الأغنياء فى مصر سوى بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الذى يعده بشكل دورى جهاز التعبئة والإحصاء كل سنتين الآن بدلًا من كل خمس سنوات، كما كان متبعا قبل ثمانى سنوات مضت.. وآخر بحث فى هذا العدد أعلنه الجهاز فى نوفمبر عام ٢٠١٣ عن عام ٢٠١٢/٢٠١٣.. وفى هذا البحث رصد الجهاز نسبة أعلى شريحة فى الإنفاق السنوى سواء للأفراد أو الأسر، وحدد نسبتها بنحو ٦.١٪ للأفراد و٦.٢٪ للأسر.. وإذا ترجمنا هذه النسبة إلى أرقام سوف نجد أنفسنا إزاء رقم (٥.٥ مليون) يمثل عدد الأغنياء فى مصر.. أما حجم ثرواتهم فلا يوجد من البيانات أو المعلومات سواء فى هذا البحث أو غيره ما يرشدنا إليه، اللهم إلا إذا اعتبرنا بيانات توزيع الإنفاق مؤشرًا إلى أن ثروات هؤلاء ليست قليلة.. فإن بحث جهاز التعبئة والإحصاء عن الدخل والإنفاق والاستهلاك يشير بوضوح إلى أن الأقل إنفاقا، وبالتالى الأكثر فقرا والأقل والأقل قدرة فى المجتمع ويمثلون نسبة ١٠٪ من عدد السكان يبلغ نصيبهم من الإنفاق والاستهلاك نسبة ٤.١٪ من حجم الاستهلاك الكلى فى البلاد، بينما تحظى الـ ١٠٪ الأعلى فى الإنفاق بنسبة ٢٥.٧٪ من حجم الإنفاق والاستهلاك الكلى فى المجتمع.. وبالطبع ما كان ممكنا أن يحظى هؤلاء بأكثر من ربع حجم الاستهلاك فى البلاد لولا ما لديهم من قدرات مالية واسعة سمحت لهم بذلك، ولكن رغم هذه القدرة المالية الكبيرة للأغنياء فى المجتمع، والتى يمكننا رصد مظاهر عديدة لها، كان آخرها هو ذلك التزاحم على حجز فيللات وأراض وشقق فاخرة، الذى لم نعتد عليه إلا بالنسبة لمحدودى الدخل على الخبز وأنابيب البوتاجاز قبل سنوات مضت والسلع التموينية الأرخص الآن، رغم ذلك إلا أن الأغنياء فى مصر لا يسهمون بما يتناسب مع قدراتهم المالية فى تكلفة بناء الدول الحديثة فى مصر.. ولعل ما حدث مع صندوق تحيا مصر، الذى فكر فيه الرئيس عبدالفتاح السيسى لجمع أموال يساهم بها القادرون فى عمليات بناء واستثمار.


وأيضًا إصلاح أوضاع وحياة أصحاب الدخول المحدودة وسكان العشوائيات هو دليل صارخ على ذلك.. فإن هذا الصندوق لم يتمكن من جمع سوى نسبة ضئيلة جدًا مما كان مستهدفًا من إنشائه وجمع مائة مليار جنيه تنفق فى أغراض تحقيق العدالة الاجتماعية.. ونحن هنا لا نتحدث فقط عن مجموعة كبار رجال الأعمال، الذين خذل معظمهم الرئيس وصندوق تحيا مصر، وإنما نتحدث عن نحو ٥.٥ مليون غنى على الأقل يعيشون فى هذا البلد، وفى مقدور كل واحد منهم أن يتبرع بأكثر من جنيه صباح كل يوم فى الصندوق، وإن لم يشأ التبرع فى مقدوره أن يسهم فى النهوض بأحوال قرية أو بضع قرى من تلك القرى الأكثر فقرا، والتى تم حصر نحو ألف قرية منها معظمها موجودة فى الصعيد.


بل حتى الاستثمارات لا نجد إسهاما مناسبا يتلاءم مع القدرات المالية لهؤلاء الأغنياء، بل على العكس لقد وجدنا ضغوطا مورست بقسوة على الحكومة لإلغاء ضريبة سبق أن فرضتها على أرباح البورصة، ولإلغاء قيود محدودة وضوابط على استيراد سلع غير ضرورية من الخارج فى ظل أزمة النقد الأجنبى، التى تعانى منها البلاد نتيجة تراجع عدد السائحين الأجانب، وأيضًا تراجع تحويلات العاملين بالخارج بفعل فاعل أو بسبب تجار العملة، الذين يصطادون هذه التحويلات من المنبع ليس فقط بغرض تحقيق أرباح وفيرة وضخمة، وإنما أيضًا بغرض حجبها عنا وحرمان الدولة منها لتظل تعانى من شح النقد الأجنبى، الذى يؤدى إلى انخفاض قيمة الجنيه، وبالتالى ارتفاع الأسعار والتضخم، أملا فى أن يؤدى ذلك إلى تراكم غضب الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة فيخرجون إلى الشوارع مطالبين بتغيير النظام الحاكم.


وقد تعددت وتنوعت المناشدات للأغنياء والقادرين لكى يسهموا ببعض ما لديهم فى جهود حل المشاكل الاقتصادية لهذا البلد، وتحولت هذه المناشدات إلى رجاءات وإلى إلحاح.. ولكن بلا جدوى وحتى إذا استمرت هذه المناشدات والرجاءات شكل التوسل لن تجد نفعًا ولن يختلف الحال، وسيظل الأغنياء عازفين عن المساهمة ببعض ما لديهم من أموال فى دعم اقتصاد هذا البلد، سوف يغلقون آذانهم وسوف يمضون فى سلوكهم البذخى وإنفاقهم الترفي، ولن يتنبهوا إلى مسئوليتهم الاجتماعية التى تقتضى منهم مساعدة غير القادرين، أو حتى مصلحتهم المباشرة، التى تحتاج أن يكون المجتمع الذى يعيشون فيه آمنا حتى يظفروا هم أيضًا بالأمن.


الأمر يقتضى أمرا آخر مختلفًا غير المناشدات والرجاءات والتوسلات للأغنياء.. الأمر يحتاج لإلزامهم على المساهمة بقدر معلوم من ثرواتهم ودخولهم في النهوض باقتصاد هذا البلد وبناء دولتنا الحديثة العصرية.. ولعل حلول شهر رمضان يذكرنا بأن الله عز وجل لم يكتب إغراء من يتصدق بأمواله بالثواب العظيم، الذى يمهد لدخول الجنة، وإنما فرض الزكاة على كل القادرين.. أو على ما فى حوزتهم من ثروات وجعلها قدرا معلوما.. والزكاة هى فى جوهرها نظام الضرائب التى لجأت إليه الدول فى العصر الحديث.. أى الأخذ من الأغنياء للإنفاق على ما يحتاجه المجتمع ولمساعدة الفقراء وغير القادرين لا يتم إلا من خلال وسيلة ملزمه.. أى يتم بالإلزام.


وهنا الأمر بات يحتاج منا فى مصر مراجعة نظامنا الضريبي، وأن نقوم بذلك بشجاعة وحكمة أيضًا.. بشجاعة لا تخشى ضغوط وصراخ بعض الأغنياء، وحكمة تجعلنا نختار الوقت الملائم لإجراء هذه المراجعة.. ولتكن البداية تطبيقًا حازما للضريبة العقارية باعتبارها أكثر الضرائب عدلا هى وضريبة الدخل والأرباح التجارية والصناعية بالمقارنة لضرائب الاستهلاك والمبيعات أو القيمة المضافة.


لا تراهنوا على المناشدات لدفع الأغنياء يسهمون بقدر من أموالهم فى حل مشاكلنا الاقتصادية.. راهنوا فقط على القانون الملزم الذى يتم تطبيقه بحسم وبدون استثناءات أو محاولات للتحايل عليه.