مصر وإسرائيل وأمريكا النكبة (4-7) .. حرب بدون استراتيجية! القادة العرب اعترفوا بأن جيوشهم دخلت الحرب دون استعداد وتجهيز

16/09/2014 - 10:18:08

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

دراسة يكتبها : د. جمال شقرة

كان ديفيد بن جوريون قد راهن علي أن الصراع السياسي بين الملوك والحكام العرب سيمكن اليهود من اغتصاب فلسطين وإعلان الدولة اليهودية.


واللافت للنظر أن ماجري علي أرض الواقع لم يكن بعيدا عن رؤي وتصورات "الصهيوني العجوز" بل جاء مطابقا تماما لما كان "يحلم" به.


من ناحية الاستراتيجية لم تكن أكبر الدول العربية "مصر" تمتلك استراتيجية واضحة، بل إنه ليس بعيدا عن الصحة القول إن مصر لم تكن قد حسمت موقفها تجاه مسألة هويتها، وظلت مشتتة بين الفرعونية والعروبة والمتوسطية، كان الاختيار الصعب قد فرض نفسه علي قادتها ونخبتها الفكرية، وكان تباين مواقف النخب يمثل عائقا عرقل تبني استراتيجية مصرية تضع الأمن الوطني أو القومي نصب أعينها، لذلك عندما دخلت مصر الحرب سنة 1948، وحارب جيشها دون خطة مستمدة من استراتيجية محددة وثابتة.


والثابت أن مصر حتي صدور قرار التقسيم لم تكن تعرف كثيرا عن المشروع اليهودي الصهيوني وأهدافه الحقيقية في فلسطين، وكان معظم رجال الفكر والسياسة لا يفرقون بين اليهودية والصهيونية.


ومن المثير للدهشة أن "عبدالرحمن عزام" أول أمين لجامعة الدول العربية لم يلتفت هو الآخر إلي حجم الخطر الصهيوني إلا بعد قرار التقسيم، ومن المضحك والمحزن في آن واحد أن الأمير "محمد علي" ولي عهد المملكة المصرية بعد رحيل الملك فؤاد اقترح " بيع حائط المبكي لليهود بمبلغ مائة ألف جنيه مصري حيث كان يري أن هذا الحائط هو سبب المشكلة بين اليهود والفلسطينيين.


كان هذا الوضع هو الوضع في أهم الدول العربية، لذلك عندما دخلت مصر الحرب كان قادتها يتصورون أنهم يدافعون عن الشعب الفلسطيني منطلقين من روابط الأخوة والجوار، ولم يخطر علي بال كثيرين وقتئذ أن مصر يجب أن تحارب من أجل نفسها حتي لايتم عزلها وراء صحراء سيناء.


ولم يكن الوضع مختلفا في بقية الدول العربية، حيث غابت الاستراتيجية ولم تزد خطة العمليات العربية في فلسطين عن مجموعة تصورات اتجاهات عامة، وليس بعيدا عن الصحة القول إن الإشارة التي وردت في يوميات الحرب مساء 41 مايو 1948 من القيادة العليا في عمان لم تكن أمر عمليات بالمعني الصحيح، أي أمر منطلق من خطة لها أهداف محددة تحديدا وثيقا ومجدولة زمنيا وبتنسيق مسبق مع جميع القوات في جميع الجبهات علي افتراض أن القوات العربية كانت قوات متحالفة بكل ماتعنيه كلمة التحالف من معني.


تكليفات ومهام الجيوش العربية


كلف كل جيش عربي بالتقدم عبر حدود بلاده مع فلسطين، فالجيش السوري والجيش اللبناني كان مقررا لهما العمل في منطقة ماوراء حدود سوريا ولبنان شمال فلسطين، وكانت مهمة الجيش الأردني العمل في الضفة الغربية لنهر الأردن، أما الجيش المصري فكان مقررا له العمل علي الطريق الساحلي شمالا بهدف حماية الساحل الفلسطيني بحرا وبرا.


والحقيقة أن افتقاد التنسيق والتكامل والتعاون بين الجيوش العربية كان يعود إلي غيبة الاستراتيجية العربية التي قررت أن تدخل حرب فلسطين قبل أيام من بدء المعارك، لم تكن تعرف بالضبط ماذا تريد ؟! وكيف يمكن تحقيقه ؟ وبأية وسائل ؟ وكان غياب الهدف الاستراتيجي هو الذي أدي إلي غياب الخطة.


وبالطبع لم يكن يكفي إعلان الجيوش العربية أنها دخلت الحرب بهدف تحرير فلسطين. وحتي ماعُرف بخطة دمشق التي أقرها مجلس جامعة الدول العربية، كانت أقرب إلي التصورات النظرية منها إلي الخطط العسكرية، فكيف تقوم ثلاثة أفواج تنتمي إلي ثلاثة جيوش من ثلاث دول عربية لايثق حكامها بعضهم ببعض، بحركة عسكرية مشتركة تحت قيادة ضابط من جيش رابع !؟.


والمثير للدهشة أن الجيوش العربية التي اندفعت لتحرير فلسطين العربية لم تكن تعرف شيئا عن جغرافيتها بل كانت جاهلة تماما بطبيعة الأرض التي ستحارب فوقها.


ومن ناحية أخري فقد زُج بالجيوش العربية لتحارب في فلسطين دون إعدادها إعداداً عسكريا سليما، ولقد كفانا القادة العرب البحث عن الأدلة التي تؤكد ذلك حيث اعترفوا جميعا بأن جيوشهم دخلت الحرب دون استعداد وتجهيز، وبهذا الصدد يمكن مراجعة تصريحات رئيس وزراء مصر وقتئذ " النقراشي باشا " والفريق " عثمان المهدي " رئيس أركان حرب الجيش المصري، واللواء " المواوي " قائد القوات المصرية بفلسطين.


علي سبيل المثال فإن اللواء "المواوي" أكد علي أن الجيش المصري لم يكن مدربا تدريبا كافيا بل إنه لم يكن قد قام بمناورة عسكرية واحدة خلال الفترة مابين 1931/1947 وأن كل ماكان يقوم به خلال هذه الفترة هو الاشتراك في كسوة المحمل والمولد النبوي، ومقاومة الفيضانات ومكافحة الجراد والكوليرا وحراسة الوزارات وقمع المظاهرات.


ولم تكن القوات المصرية قد وصلت قبل الحرب في التدريب إلي أكثر من مستوي الفصيلة المشاة، وذلك بسبب ضعف المستوي العلمي والاجتماعي للجنود.


ولم يختلف الوضع كثيرا بالنسبة لبقية الجيوش العربية ولقد وصل العبث لدرجة أن القوات السورية لم تعرف بقرار دخولها الحرب إلا يوم 13 مايو 1948 أي قبل يومين من تاريخ أول معركة شاركت فيها القوات السورية.


الغرب احتكر السلاح وانحازت أمريكا لإسرائيل


وإن كان قادة الجيوش العربية قد نجحوا إلي حد كبير في تجاوز الآثار التي ترتبت علي مباغتتهم بقرار المشاركة في الحرب، وحاولوا أثناء وقوع المعارك علي أرض فلسطين استكمال ماينقصها من مؤن ووقود وأدوات طبية ومستشفيات، إلا أنهم فشلوا في تدبير السلاح الحديث والذخيرة ـ وتحقيق التوازن علي الأقل مع أسلحة العدو، وبالطبع يعود الفشل إلي احتكار الغرب للسلاح وإلي سياسة الكيل بمكيالين.


ويؤكد تقدير وكالة المخابرات الأمريكية الصادر في شهر يوليو 1948 التفاوت الهائل بين حجم القوات الإسرائيلية وحجم القوات العربية، وكذلك الفارق الكبير في كمية السلاح وأنواعه وبالطبع التفاوت كان لصالح إسرائيل.


أسلحة مصر لم تكن تكفي للقتال


لقد كان موقف الأسلحة والذخيرة بالنسبة للجيش المصري حرجا حيث لم تكن تكفي للقتال المستمر لمدة أسبوعين بالنسبة للمدافع، وأربعة أسابيع بالنسبة للبنادق والرشاشات.


وكانت معظم العربات الموجودة تصلح للركوب داخل المدن، وليس للقتال في الصحراء، نفس الشيء بالنسبة للقوات الجوية حيث كانت لاتسمح هي الأخري بأكثر من معاونة اللواء الذي سيدخل المعركة بأعمال الإستطلاع ومهاجمة بعض الأهداف الأرضية بالقنابل والرشاشات.


ولقد قدر البعض عدد الطائرات التي كانت تمتلكها الجيوش العربية مجتمعة بــ 30 طائرة بينما كانت الوكالة اليهودية تمتلك قبل الهدنة 78 طائرة. وكانت القوات البحرية المصرية هي الأخري سلاحا ناشئا ولم يكن وضع الجيوش العربية يختلف عن وضع الجيش المصري من حيث عدم وفرة السلاح ونوعه.


والحاصل أنه عندما حاولت الجيوش العربية شراء السلاح والذخيرة من أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، لم يكن الأمر سهلا ولم يجدوا في النهاية إلا المخلفات التي تبقت من الحرب العالمية الثانية، ولم يكن لها قيمة تغري الجيوش الأوربية بالإبقاء عليها، وكانت هذه الأسلحة إما متروكة في العراء أو مكومة في مخازن مهجورة ، مما أثر علي صلاحيتها ، وكانت الصفقات التي عقدها رجال الملك فاروق لتعويض النقص في السلاح من هذه المخلفات وراء ماعرُف بقضية الأسلحة الفاسدة، حيث حاول بعض الضباط وبعض الصحفيين المعارضين للملك المستهتر تحميل الأسلحة المستعملة مسئولية الهزيمة في حرب 1948.


ومع أن تقارير إدارة المخابرات الواردة من عمان أكدت علي تعدد شكاوي الضباط والجنود من الذخيرة إلا أنه يجب الإشارة إلي وقوع مبالغات كثيرة في موضوع الأسلحة الفاسدة، وأن ثبوت فساد بعض الأسلحة والذخائر لايعني فساد كل الصفقات الكبيرة التي جاءت ضمنها، وإن كان هذا لايمنع من التأكيد علي الملاحظة الخاصة بأن مخلفات الجيوش الأوربية التي تُركت في العراء بعد انتهاء معارك الحرب العالمية الثانية، وأن رخصها أغري رجال الملك فاروق علي تحقيق ربح مضاعف من وراء هذه الصفقات.


علي كل حال نقص السلاح - نوعا وكما - أحد أهم العوامل التي أدت إلي انهيار الروح المعنوية للضباط والجنود المصريين والعرب.


لكن ماذا عن العلاقات بين القادة العرب الذين أداروا الحرب ضد العصابات الصهيونية علي أرض المعركة، وماذا عن العلاقات بين الملوك والحكام العرب؟.


هذا يحتاج إلي حلقة جديدة من حلقات الصراع الذي لايزال مستمرا في الشرق الأوسط