نفيسة العلم ومصر المحروسة

08/06/2016 - 11:11:06

كتب - عادل عبدالصمد

شرفت مصر وأهلها بسكنى الأنبياء وآل البيت بين ظهرانيهم وقد أثنى الله على مصر فى القرآن الكريم (ادخلوا مصر أن شاء الله آمنين) فيقول العلامة الفقيه جلال الدين السيوطى عن شرف مصر وعظمة مكانتها:


هذه الحضارة المصرية القديمة التى سابقت التقدم والحضارة فى عصرنا هذا ولا نزال أسرارهم تحير العقول فقد حظيت مصر وشرفها الله عز وجل بأنبيائه الذين عاشوا على أرض مصر، فنبى الله إدريس أول من علم المصريين المخيط وبعث بأرض الكنانة وأقبل إليها خليل الرحمن فأقام بين أهلها وتزوج هاجر المصرية وتلد هاجر المصرية إسماعيل الذى باركه الله، فكان صديقا نبيا ومن إسماعيل تخرج أعظم الأمم وهى العرب وتزوج نبى الله يوسف من ابنة صاحب عين شمس وعينه عزيز مصر على إدارة البلاد المالية وأوفد إليها يعقوب عليه السلام وأخوه يوسف وعاشوا على أرض الكنانة ونشأ بأرضها أنبياء الله موسى وهارون حيث ربى موسى وليدا ولبث فيها من عمره سنين وبعثه الله إلى فرعون وهامان ليذكرهم بالله وعبادته وألا يشرك به شيئا ونشأ بأرضها نبى الله دانيال ويوشع ومن بطش الرومان وجبروت هيرودس حاكم فلسطين أتت مريم وعيسى عليهم السلام فكانت مصر حصن أمان لهم.


تاريخ مصر زاخر بنساء ورجال عظماء ويكفى المصريين فخرا وشرفا أن آل البيت لجأوا إلى أرض مصر عاشوا فيها وأحبوا أهلها وكرم الله ثراها بان حوت أجسادهم الطاهرة.


وعرف عن أهل مصر حبهم لآل البيت وتبركهم بهم فكثرت الأضرحة التى تحمل أسماءهم بعض هذه الأضرحة اجمع المؤرخون أنها تحوى رفات أصحابها بالفعل وأضرحة أخرى يسميها المؤرخون مشاهد الرؤيا أى أنها لا تحوى رفات أصحابها وإنما أقيمت للتبرك بهم فقط فمن آل البيت الإمام الحسين بن على رضى الله عنهما أما ثانى أهم شخصيات آل البيت التى حضرت إلى مصر فهى عقيلة بنى هاشم السيدة زينب بنت على بن أبى طالب وأخت الحسين بن على والشخصية الثالثة هى السيدة نفيسة ابنة الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب فهى ابنة حفيد الحسن بن على بن أبى طالب صاحبة المقام الرفيع الشهير باسمها فى مصر القديمة والتى نخص تلك الصفحات بسيرتها الذكية فى بداية شهر رمضان المعظم حيث كان مجيئها إلى مصر فى٢٦ رمضان ١٩٣هجرية ففرح المصريون فرحا عظيما واستقبلوها استقبالا حافلا من العريش حتى وصلت الفسطاط بالقاهرة.


السيدة نفيسة إحدى رياحين القرن الثانى الهجرى جمعت جوامع الكلم مع طهارة القاب والنفس وشرف النسب ونبل الصفات ونسجل منها ما ذكره الدكتور توفيق أبو علم رئيس مجلس إدارة مسجد السيدة نفيسة:


نفيسة الدارين ـ نفيسة العلم ـ نفيسة الطاهرة ـ نفيسة العابدة ـ نفيسة المصريين وسيدة أهل الفتوة والتصريف والسيدة الشريفة العلوية وصاحبة الكرامات الطاهرة الوفيرة والمناقب الفاخرة وأم العواجز والسيدة المرضية ومشبعة المحروم وهى السيدة النقية العفيفة الزاهدة الساجدة الراكعة المحدثة المتبحرة المتضلعة الكثيرة النفحات الغزيرة البركات والبضعة المنيفة الناضرة والزهرة الزاهرة سليلة النبوة وفرع النبوة وفرع الرسالة وجناح الرحمة كريمة العنصر والمنبت من آل بيت من اصطفاه الله رسول الله محمد ابن عبدالله صلى الله عليه وسلم أولئك الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا


ولدت السيدة الطاهرة بمكة المكرمة فى يوم الأربعاء الحادى عشر من شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين ومائة من الهجرة النبوية وفرحت الأم بمولدها وفرح بها أبوها أبو محمد الحسن الأنور بن زيد الابلج بن الحسن السبط بن على أبى طالب رضى الله عنهم أجمعين وزفت اليه البشرى جارية له وهو يلقى درسا من دروس العلم بالمسجد الحرام فسجد الحسن الأنور لله سجدة الشكر وأجزل العطاء للجارية وقال لها:


مرى أهل البيت فليسموها نفيسة فستكون إن شاء الله تعالى نفيسة ورفع يديه ودعا: اللهم انبتها نباتا حسنا وتقبلها قبولا طيبا واجعلها من عبادك الصالحين وأولياءك المقربين الذين تحبهم ويحبونك وتصافيهم ويصافونك وتقبل عليهم ويقبلون عليك اللهم اجعلها من معدن الفضل ومنبع الخير ومصدر البر ومشرق الهداية والنور اللهم اجعلها نفيسة العلم وعظيمة الحلم جليلة القدر قوية الدين كاملة اليقين ..


وقد استجاب الله عز وجل لدعاء الأب الصالح واستحقت الصفات سالفة الذكر واسماها الانور نفيسة لأنها بمثابة الدرة النفيسة وتيمنا بعمتها أخته السيدة نفيسة بنت زيد التى تزوج بها الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموى التى جاءت إلى مصر مع زوجها حين كان واليا عليها قبل توليه الخلافة لتمكث بعد طلاقها عنه ابنة عمها السيدة سكينة بنت الإمام الحسين قبل مجىء السيدة نفيسة الصغرى لمصر بوقت طويل ودفنت بدارها المسماة باسم المعبد شمال مصر القديمة الشرقى وأصبح بمصر نفيستان الكبرى والصغرى.


وفى يوم مولدها قدم رسول الخليفة أبو جعفر المنصورى وترجل عن فرسه ودخل المسجد الحرام حتى وصل إلى الحسن الانور ثم اخرج كتابا وقدمه اليه فى احترام مع هذا الكتاب هدية الخلافة سرة تحتوى على عشرين الف دينار وكان الكتاب يفوح منه رائحة المسك ففتح الحسن الكتاب فإذا فيه الامر بتوليته امارة المدينة فتهلل وجههم بالبشر والسرور وقالوا له : هنيئا لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل مثلك يقيم فيها لواء العدل وينشر فيها راية الحق ويبث فى جنباتها وبين ربوعها الأمن والطمأنينة والسلام هنيئا لأهلها ..


دع عنك التردد فلعلك تجد مظلوما تنصفه أو ملهوفا تغيثه أو أسيرا تفكه.


نشأت السيدة نفيسة نشأة شريفة اصطحبها أبوها وهى فى الخامسة من عمرها إلى المدينة وأخذ يلقنها أمور دينها ودنياها فحفظت القرآن الكريم ولقنها حديث النبى الأمين صلى الله عليه وسلم وتشبعت بسيرة الصالحين وصفات المتقين وبارك الله فى طفولتها فلم تبلغ الثامن من عمرها حتى فرغت من حفظ كتاب الله تعالى وشيئا من السنة النبوية وكانت لا تفارق أباها فى حله وترحاله فكان لها قدوة حسنة فأشرق صدرها بنور الإيمان.


ومنذ طفولتها وهى شغوفة بالمعرفة وأصبحت من رواد ومحبى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقت علوم الفقه والحديث من علماء المسجد النبوى الشريف من بينهم الإمام مالك الذى قرأت له كتابه الموطأ ودائما ما كانت تنشد قولها فى حب جدها الأكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم:


يا حبيب القلوب أنت الحبيب


أنت أنسى وأنت منى قريب


يا طبيبا بذكره يتداوى


كل ذى سقم فنعم الطبيب


وكان يجتمع فى بيت أبيها الحسن صفوة العلماء وخلاصة الفقهاء وفحول الشعراء وكبار الأدباء فكانت تستمع إليهم وتروى عنهم تأخذ من أقوالهم وتحفظ من شعرهم حكمتهم ما يثقل موهبتها ويضىء نفسها الذكية فكانت أديبة وشاعرة لها وزنها وتحلت بالصبر ومن أقوالها:


الصبر يلازم المؤمن بقدر ما فى قلبه من إيمان وحسب الصابر أن الله معه وعلى المؤمن أن يتبشر بالمشاق التى تعترضه فإنها سبيل لرفع درجته عند الله الذى جعل الأجر على قدر المشقة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.


وبلغت نفيسة العلم سن الزواج وكانت من نصيب اسحق بن جعفر الصادق وهو الذى كان يلقب بإسحق المؤتمن لكثرة أمانته وقوة إيمانه.


وهو من سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين وزواجهما اجتمع فى بيتها نوران نور الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فالسيدة نفيسة جدها الإمام الحسن واسحق المؤمن جده الإمام الحسين رضى الله عنهما وكان اسحق من أهل الفضل والاجتهاد والورع روى عنه الكثير من الناس الحديث فقد كان محدثا ثقة مأمونا صادقا.


وكان للسيدة نفيسة مكانة فى قلوب المصريين وكان أهل مصر يلتقونها فى موسم الحج ويسألونها زيارتهم فى مصر لكثرة ما سمعوا عن فضلها وعلمها فكانت ترحب بدعوتهم وتقول لهم:


سأزور بلادكم إن شاء الله قد أثنى على مصر وذكرها فى كتابه الكريم وقد أوصى جدى بأهلها خيرا فقال:


(إن فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لكم فيها صهرا ونسبا)


ومع العشر الأواخر من رمضان سنة ١٩٣هجرية نزلت مصر مع زوجها وأبيها وابنها وبنتها لزيارة مصر واستقبلها أهلها عند العريش أعظم استقبال حتى إذا دخلت مصر انزلها السيد جمال الدين عبدالله الجصاص كبير تجار مصر فى داره الفاخر ثم انتقلت إلى دار أم هانئ ثم وهبها عبدالله بن السرى بن الحكم والى مصر داره الكبرى بدرب السباع.


وكان لها دخل كبير فى حضور الإمام الشافعى رضى الله عنه إلى مصر، ولهذا كان يكثر زيارتها وفى صحبته عبدالله بن الحكم رضى الله عنه وكان يصلى بها فى مسجد بيتها وخصوصا تراويح رمضان ولما مات الشافعى رضى الله عنه فى رجب سنة ٢٠٤ هجرية حملوه إلى دارها فصليت عليه مأمومة بالإمام يعقوب البويطى ودعت له وشهدت فيه خير الشهادة.


وبعد وفاة الشافعى بدأت تعد نفسها للقاء مولاها فحفرت قبرها بيديها تباعا فى حجرتها بمنزلها والذى أصبح فيما بعد مشهدها ومسجدها الحالى وكانت تختم القرآن كثيرا فى هذا المكان وفى يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان سنة ٢٠٨ هجرية اشتد مرضها وقالوا كانت تقرأ سورة الأنعام حتى وصلت قوله تعالى (لهم دار السلام عند ربهم) فاضت روحها إلى الرفيق الأعلى راضية مرضية.


عاشت السيدة نفيسة فى مصر ١٥ سنة مليئة بالعبادات والكرامات وكانت تردد حينما شعرت بدنو أجلها:


اصرفوا عنى طبيبى ودعونى وحبيبى لا أبالى بفوات حيث قد صار نصيبى جسدى راض بسقمى وجفونى بنحيبى.