من نفحات الصيام

08/06/2016 - 11:02:50

بقلم: أ.د. عباس شومان

إن نفحات شهر رمضان المعظّم كثيرة منها ما يتعلق بالدنيا، ومنها ما يتعلق بالآخرة فمن نفحاته المتعلقة بالدنيا: أنه يحقق في نفس الصائم تقوى الله عز وجل حيث يقول الحق سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (سورة البقرة آية: ١٨٣) فإذا توصلت النفس بصومها إلى تقوى الله تعالى فقد تسامت وارتقت فوق المكارم كلها.


ومن نفحاته أن الشياطين تقيد عند أول ليلة منه ،وتغلق أبواب النار وتفتح أبواب الجنة ويعتق الله تعالى كثيرا من خلقه من النار لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا كانت أول ليلة من رمضان، صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب.وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب. ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل.ويا باغي الشر أقصر. ولله عتقاء من النار. وذلك في كل ليلة» (رواه الحاكم). ومن نفحاته أنه يحقق ترابط المجتمع المسلم وإحساس الإنسان بأخيه الإنسان حيث يرتبط المسلمون فيه من أقصى الأرض إلى أقصاها بعبادة موحدة وهي الامتناع عن سائر المفطرات من الفجر إلى غروب الشمس لا فرق بين غني قادر وفقير معدم،وهذا ينمي روح الانتماء إلى الجماعة،ويشعر الغني بالفقير والقوي بالضعيف فيتناصرون ويتعاضدون فيما بينهم. ومن نفحاته أيضا أنه يؤصل في نفس الصائم الصفح والعفو عن المسيئ، فإذا كان للإنسان أن يرد الإساءة بمثلها،فإن الصائم مطلوب منه الصفح ،وترك استخدام هذا الحق حيث يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:  (قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ..»ومن نفحاته أنه يؤصل في النفس الكرم ويخلصها من البخل الممقوت شرعا يقول الحق تبارك وتعالي :»هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} ( سورة محمد آية٣٨ ). فالصيام يخلص النفس من داء البخل، ويعودها على السخاء والإنفاق في سبيل الله ،ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة فعن ابن عباس –رضي الله عنهما-قال: « كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ ..» ويقول  صلى الله عليه وسلم: « مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا». ومن نفحاته أنه يعود النفس على الاجتهاد في العبادة والتماس مواسم الخير التي تتضاعف فيها حسنات الطاعة فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ :»كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ». ومن نفحاته المباركة ليلة القدر التي تزيد في فضلها على عبادة ثلاث وثمانين سنة لقوله تعالى: {ليلةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، ومن نفحاته أنه يكبح جماح النفس فيكسر شهوتها يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم: “يا معشر الشباب مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ”.


ومن نفحاته المباركة المتعلقة بالآخرة: أنه والقرآن يشفعان لصاحبهما عند الله حيث إن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيّشفعان”. ومنها أيضا أن أجر الصائم في الآخرة عظيم لا يعلمه أحد إلا الله حيث يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم  : «قَالَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ: كُلّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاّ الصّيَامَ فَإِنّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» ومنها أن الصائم يلقى الله وقد غفر له بصومه ما تقدم من ذنبه يقول صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» ويقول  أيضا: « من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». وكفى بالصائمين تكريمًا في الآخرة اختصاصهم بباب خاص يدخلون منه الجنة دل عليه قوله  صلى الله عليه وسلم «إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل من الصائمون يوم القيامة، يقال: أين الصائمون فيقومون فيدخلون فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد».


ومن هنا تجب الاستفادة القصوى من الشهر الفضيل واغتنام فرصة كف الشياطين عن إفساد عبادتهم في شهر رمضان خاصة بتقييد الله لهم عند أول ليلة منه، فليتزود الصائمون من فعل الخيرات وليستقيموا على الطاعة وفعل الخيرات بعد رمضان، فإن رب الشهور كلها هو الله جل جلاله.