حدود الواقعية بين الرواية والفيلم والمسلسل

08/06/2016 - 10:51:38

بقلم - يوسف القعيد

أحداث الكرم ثمرة مسلسلات التليفزيون وخصوصًا مسلسل: سلسال الدم.


هذا ما قاله بالحرف الواحد المستشار منصف سليمان، المستشار القانونى بالكنيسة الأرثوذكسية، وعضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، واللجنة العليا للإصلاح التشريعى، ومقرر اللجنة القانونية لإعداد قانونى بناء الكنائس والأحوال الشخصية للمسيحيين الأرثوذكس، قاله للزميل الصحفى أحمد بدراوى فى جريدة الشروق.


وهو كلام خطير لأنه يصدر عن أحد رجال القانون، والمفترض أن القاضى يزن كلامه بميزان الذهب قبل أن ينطق به.


قال: - بصراحة لم يعد هناك مجال للمجاملات، التليفزيون المصرى يعلم الشعب أسوأ ما يمكن أن يتعلمه من سلوكيات، تعاطى الشباب للمخدرات وتشجيعهم على التعاطى، فأين المسلسلات الهادفة التى تتحدث عن مكارم الأخلاق، كل مسلسلاتنا تحتوى على عنف غير مبرر، وتصيبنى تلك المسلسلات بحالة من الفزع، فيصورون المجتمع المصرى كمجموعة من السيدات ورجال الأعمال الفاسدين والمجرمين ومتعاطى المخدرات، وقضية الكرم ثمرة طبيعية لمسلسلات التليفزيون.


ويقول:- المجتمع المصرى ليس مجتمعًا من الأخيار، فيه الشريف والفاسد والصالح والطالح، والمنحرف رسالتى الإعلامية لا بد أن تظهر سلوكيات جيدة ونظيفة للمصريين.


من حق مشاهدى الدول العربية أن يتصوروا أن نساءنا لسن من الأطهار بسبب ما تعرضه تلك المسلسلات التى لا تفرق بين سيدة مسنة ومراهقة وطفلة.


ولنا مع هذا الكلام وقفة.. والوقفة سببها أن الرجل ليس مجرد قاضٍ، لكنه يلعب دورًا مهمًا فى عملية التشريع، والتشريع مسألة بالغة الخطورة، فهى تسن قوانين تنفذ فى حياة الناس سنوات طويلة، وبمجرد الانتهاء من سنها وإقرارها تشكل الحدود الفاصلة بين البشر فى الحياة اليومية، أيضًا فإن ما قاله سيادة المستشار يجد الكثير من الآذان المصغية فى المجتمع المصرى الآن، ولا يجد فى نفس الوقت من يناقشه ويفنده ويحاول الوصول إلى الصواب والخطأ فى الأمر.لا أعتقد أبدًا أن مسلسلًا تليفزيونيًا مهما كانت جودته وتوفر كل القيم الفنية فيه، وقيام ممثلين محبوبين من الناس يمكن أن يغير سلوكيات الناس من الأحسن إلى الأسوأ، فتغيير السلوك الإنسانى عملية مركبة، ربما كانت معقدة وتتم عبر سنوات طويلة، وإن تمت فإن ذلك يحدث نتيجة لتطورات تجرى فى المجتمع. أيضًا فإن التعميم يقلق الإنسان كثيرًا، وعندما يأتى التعميم من إنسان علمه محدود وإدراكه ليس قويًا، فإن الإنسان قد يغفر له هذا، أما أن يأتى التعميم من رجل قانون يشرع لنا القوانين التى تحكم حياتنا، بل وحيوات الأجيال القادمة، كل أمر فى الحياة قائم بذاته، لا يتشابه مع الأمر الآخر، والتعميم يظلم أى أمور يجمع بينها هذا التعميم.


على أن النظر إلى الفن باعتباره يمكن أن يؤثر فى الواقع بشكل سيئ مسألة قديمة قدم الفن وقدم الأدب أيضًا، وإن كانت النظرة يمكن أن تكون سلبية أحيانًا، ففى أحيان أخرى من الممكن أن تكون إيجابية.


فعندما قامت الحرب الأهلية الأمريكية، نظر زعيم أمريكا وقتها إلى الروائية الأمريكية هارييت بيتشرستو، وقال قولته الشهيرة وهو يشير إليها:


- هذه هى المرأة الصغيرة التى أشعلت الحرب الكبيرة بروايتها، وكان يقصد رواية كوخ العم توم.


بل إن الانتقال بين الولايات المتحدة الأمريكية قد تعرض لعملية تقنين دقيقة بعد أن كتب الروائى الأمريكى جون شتاينبيك، روايته الشهيرة والمعروفة: عناقيد الغضب، التى كانت تدور حول مصاعب ومتاعب الانتقال من ولاية لأخرى داخل دولة واحدة هى الولايات المتحدة الأمريكية.


والأمثلة على ذلك كثيرة.


نعود إلى قضيتنا، وسيادة المستشار يطالب صناع الدراما التليفزيونية بالاهتمام يتساءل: أين المسلسلات الهادفة التى تتحدث عن مكارم الأخلاق؟، وأقول له أن مثل هذه الأعمال الوعظية لا يقبل عليها الناس، لأن الدراما تقوم على الخطأ الإنسانى، والإنسان الذى يخطئ فى حياته حتى لو لم يصل إلى التوبة تُقبل الناس على قصته وحكايته، أما الإنسان الذى يتمسك بمكارم الأخلاق، فهو لا ينجب لنا دراما، وإن حاولنا نجعله بطلًا للدراما قد لا يقبل عليها أحد.


قد يسألنى سائل: هل معنى هذا أن الدراما لا تقدم سوى المنحرفين؟ وإن فعلت هذا ما هى قيمة تقديمها؟ وأقول له أن الخطأ الإنسانى قد نتعلم منه مثلما نتعلم من الصواب الإنسانى، ثم إن رحلة المتلقى أو المشاهد مع الخطأ قد توفر له حالة من التطهر ومن رؤية الخطأ والخطيئة ليستطيع أن يتجنبها، أما عمليات الوعظ قد تصرف الناس عن متابعة هذا العمل عن ذاك.


ثم إن المجتمع الذى يمكن أن يتغير إلى الأسواء بتأثير مشاهد مسلسل تليفزيونى قد يكون مجتمع حديث التكون، لا يقف وراءه تاريخ قديم، ولا تسنده تقاليد عريقة، وهذا الكلام لا يمكن أن ينطبق على مصر التى يوجد فيها أقدم مجتمع فى التاريخ، لا أدعى أن المجتمع المصرى محصن ضد التأثر والتأثير، فأى مجتمع عبارة عن أفراد يخضعون لمؤثرات شبه يومية، لكن أى تأثير لا يمكن أن تظهر نتائجه فى التو واللحظة كما يتصور البعض،


ثم هل ننسى قضية الواقعية؟ التى شهدت عصور ازدهار كثيرة فى التاريخ الإنسانى، ويكفى أن نلقى نظرة على روايات القرن التاسع عشر، وهو القرن الذى شهد صدور الروايات الأكثر خلودًا فى تاريخ الرواية كانت تعتمد على الواقعية، لدرجة أن بعض الروايات أخذت من حوادث عاصرها المؤلفون بأنفسهم، وكان للحوادث درجة من الشهرة مثل شهرة الروايات نفسها.


مدام بوفارى للروائى الفرنسى جوستاف فلوبير، كتبها الرجل بعد حادثة جرت فى أرض الواقع وعاصرها بنفسه، لدرجة أنه تعرض لمحاكمة بعد نشر الرواية سببها الوحيد أخذه قصة من الواقع وتحويلها لرواية، وفى الترجمة العربية لرواية مدام بوفارى، التى أعيد نشرها مؤخرًا فى المركز القومى للترجمة، وفى أعقاب الرواية نص المحاكمة التى تعرض لها الروائى بعد نشر روايته.


وهو نفس ما فعله نجيب محفوظ فى روايته: اللص والكلاب، حيث قدم حكاية السفاح محمود أمين سليمان، وكان سفاحًا شهيرًا فى ستينيات القرن الماضى واستخرج منه شخصية سعيد مهران، بطل رواية اللص والكلاب، لم ينقل نجيب محفوظ الحكاية التى جرت فى أرض الواقع كما هى، لكنه حذف منها وأضاف إليها وأعطاها بعدًا لم يكن موجودًا فى الحكاية التى جرت على أرض الواقع، فإن كان محمود أمين سليمان الذى جسده سعيد مهران ولعب دوره شكرى سرحان لصًا، فإن من قاوموه من قوى المجتمع وصفهم الرجل بالكلاب.


الآن توشك الواقعية أن تغرب لأن الدنيا تغيرت والعالم تبدلت أحواله، ولم يعد النقل عن الواقع كما كان من قبل، ومهما ظهرت فى الروايات أو الدراما التليفزونية أو الأفلام السينمائية صور مأخوذة من الواقع، فإنها لا تؤخذ بالطريقة الواقعية التى كانت تحدث من قبل.


الأجيال الجديدة من كتاب الرواية والقصة القصيرة ونظرائهم من كتاب سيناريوهات الأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية يختلفون كثيرًا عن الكُتاب القدامى، وأنا أقصد بالقدامى الكتاب كبار السن، الذين لا تعرض لهم أشياء، بعد التحولات والتغييرات التى جرت فى مصر، أقول إن الشباب لا يبدو الكثير منه معنيًا فى أرض الواقع.


ثم هل أقول لسيادة المستشار إن معظم الأفلام السينمائية الجديدة، والمسلسلات التليفزونية الطالعة تكتبها ورش عمل مكونة من عدد كبير من الشباب والشابات، يقومون بكتابة العمل، كل يكتب الجزء الخاص به ويقدمونه لمحرر عام يقوم بعمل الصياغة النهائية للعمل، وهم يقلدون بذلك العمل الصحفى اليومى. علينا ألا نطبق نظرية المؤامرة على ما يجرى فى الواقع من أحداث، لأن هذه النظرية تعفينا من أن نذهب إلى الأسباب الحقيقية لما يجرى ونبحث عن شماعات أخرى نعلق عليها أخطار تهدد حياتنا، وما أكثرها.