محاكمة يحيى قلاش: إدانات داخليّة ودولية.. ومطالب بإسقاط التهم

08/06/2016 - 10:48:04

عدسة : محمد فتحى عدسة : محمد فتحى

تحقيق : محمد السويدى

لا تزال أصداء محاكمة نقيب الصحفيين يحيى قلاش تسيطر على المشهد العام لجموع الصحفيين الذين رأوا مشهد مثوله للقضاء السبت الماضى بمثابة تضييق على الحريات العامة وامتهانا لحقوق نقابة الصحفيين، وعلى الرغم من عدم وقوف قلاش ورفيقيه جمال عبد الرحيم سكرتير عام نقابة الصحفيين وخالد البلشى فى قفص الاتهام أثناء نظر القضية بمحكمة عابدين وما أعقب ذلك بتأجيل القضية إلى جلسة ١٨ يونيه المقبلة، إلا أن تداعيات إحالة قلاش للمحاكمة لا تزال مستمرة داخل مصر وخارجها.


فى هذا السياق، أعرب بان كى مون الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه إزاء تلك المحاكمة وأنها بمثابة فرض حصار على مهنة الصحافة فى مصر ونفس الشئ أكدته الممثلة العليا للسياسة الأمنية والخارجية للاتحاد الأوربى، حتى أن منظمة «مراسلون بلا حدود» أدانت إحالة يحيى قلاش نقيب الصحفيين، والزميلين جمال عبدالرحيم وخالد البلشى للقضاء، وطالبت فى بيان لها بإسقاط التهم الموجهة ضدهم واصفة محاكمتهم بأنها تتم بناء على مادة قانونية لا تنطبق على المتهمين، ويجرى استخدامها بشكل غير قانونى على الإطلاق.


فى حين أكدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فى بيان لها أيضا أن المادة ١٤٤ من قانون العقوبات التى يحاكم بسببها الصحفيون الثلاثة تُطبق فقط على الشخص الطبيعى ولا تنطبق على الشخص الاعتبارى- نقابة الصحفيين- وفقًا لمبدأى شخصية الجريمة وشخصية العقوبة، فالجريمة الجنائية يجب أن يقوم بها شخص معلوم ومحدد وليس كيانا أو مؤسسة اعتبارية كنقابة الصحفيين، لأن تطبيق هذه المادة على المسئول عن الشخص الاعتبارى- نقابة الصحفيين- يمكن أن يؤدى إلى محاكمة وزير الداخلية جنائيًا على كل جريمة أو انتهاك تتم نسبته إلى أفراد أو ضباط الداخلية، وكذلك محاكمة كل وزير أو مسئول يرأس كيانا أو شخصا اعتباريا، فى حين تقتصر محاسبة الشخص الاعتبارى على التعويض المدنى، باعتبار مسئولية المتبوع عن تابعه.


وأوضح البيان أن الجريمة التى أسندتها النيابة العامة، وفقا لهذه المادة، لا تنطبق إلا إذا كان مكان ضبط المطلوب القبض عليهم، عمرو بدر، ومحمود السقا، تم فى منزل أحدهم أو فى مكان خاص بهم، وليس فى مبنى النقابة، حيث إن النقابة ليست منزلًا خاصًا بالنقيب أو أعضاء المجلس كى يحاكموا جنائيًا على كل فعلٍ يحدث داخل النقابة، بل هى مؤسسة ينتمى لها آلاف الأعضاء من الصحفيين، كل منهم له نفس حقوق النقيب وأعضاء المجلس.


وشدد البيان على أن القاعدة القانونية التى تقول إن ما بُنى على باطل باطل توضح عدم قانونية اقتحام مبنى نقابة الصحفيين، طبقا لنص المادة ٧٠ من قانون نقابة الصحفيين، والتى لا تجيز تفتيش مبنى النقابة إلا فى حضور ممثل النيابة العامة ونقيب الصحفيين أو مَن يمثله، وهو ما لم يحدث، ومن ثَمَّ يصبح هذا الإجراء- اقتحام النقابة- باطلا ومخالفة قانونية تستدعى إجراء تحقيق من النيابة العامة، وهو ما طلبته نقابة الصحفيين عبر ٣ بلاغات للنائب العام بأحداث الاقتحام، ولم يتم التحقيق فيها حتى الآن، وجدد البيان تضامن الشبكة الكامل مع نقابة الصحفيين ودعمها الكامل لحقها فى إعمال سيادة القانون.


مشهد محكمة عابدين الذى لا ينساه الصحفيون لسنوات طويلة قادمة جعل رمزا صحفيا بوزن صلاح منتصر يؤكد وقوفه خلف يحيى قلاش فى قضيته رغم وقوفه بالأمس القريب فى جبهة تصحيح المسار التى أدانت سوء إدارة مجلس النقابة لأزمتها مع وزارة الداخلية.


منتصر أكد فى مقال منشور له قبل أيام بالأهرام وتداولته وسائل الإعلام وأعيد نشره فى عدد من الصحف أنه لا يزال مختلفا مع مجلس النقابة فى أزمة إيواء مطلوبين للعدالة، لكنه من غير المقبول أن يهضم ميزان العدالة حقه فى معاملة نقيبى يحيى قلاش نفس معاملة الطرف الآخر قاصدا وزارة الداخلية واختتم منتصر قائلا: ( نعم أعارض النقيب ولكن عندما يتغير الموقف فأنا معه وأدافع عنه).


لجنة الدفاع عن استقلال الصحافة أصدرت هى الأخرى بيانا أعربت فيها عن أسفها لمحاكمة يحيى قلاش نقيب الصحفيين فى تهم لا أساس لها من الصحة، ووصفت يوم المحاكمة بأنه يوم أسود فى تاريخ الصحافة المصرية وأن ما يتعرض له نقيب الصحفيين بمثابة مسرحية هزلية وأشارت إلى أن الذين تسببوا فى هذا الموقف الذى يتعرض له نقيب الصحفيين، ومن ورائه الجماعة الصحفية، إنما يعملون لصالح تأليب الرأى العام ضد الصحفيين، وإحداث حالة من الانقسام فى المجتمع، وهى غاية لن ينالها المتربصون بالصحافة وبأبنائها.


نقيب الصحفيين يحيى قلاش أكد فى تصريحات لـ (المصور) صلابة مجلس نقابة الصحفيين وجمعيتها العمومية فى مواجهة حملات التشويه التى تستهدف الجماعة الصحفية ونقابة الصحفيين وإيهام الجمهور بأن الصحفيين فوق القانون وهذا ليس صحيحا بدليل أننا امتثلنا لتحقيقات النيابة وتم احتجازنا فى قسم الشرطة لفترات طويلة وامتثلنا بعدها للذهاب إلى المحكمة، فكيف إذن يتم استمرار الترويج بالكذب بأن نقيب الصحفيين فوق القانون وأن نقابة الصحفيين هى حزب سياسى، مشيرا إلى احترامه للقضاء ويشاركه فى ذلك جموع الصحفيين ولكنه شدد على ضرورة تغليب قوة القانون فى مواجهة قانون القوة الذى يتم فرضه الآن بغير داع.


وتابع قلاش: نحن مستمرون فى الدفاع عن حقوقنا وحقوق مهنتنا ونقابتنا التى يزيد عمرها على ٧٥ سنة ولن نقبل أبدا بامتهان كرامة الصحفيين، قائلا نفذوا القانون بحذافيره لا نمانع فى ذلك ولكن اعلموا جيدا أن كرامة الصحفيين من كرامة ٩٠ مليون مواطن مصرى « خط أحمر «، وما طالبنا به فى النيابة بندب قاض للتحقيق ليس بدعة، فقد تكرر ذلك مرات عديدة فى قضايا للصحفيين من قبل وقد لجأنا إليه بعد تجاهل النيابة للبلاغات المقدمة من نقابة الصحفيين ضد وزارة الداخلية فى واقعة اقتحامها للنقابة مطلع الشهر الماضى وتساءل قلاش: كيف يستقيم الأمر وأوراق القضية قدمها جهاز الأمن الوطنى ووزارة الداخلية التى نختصمها الآن؟.


ما قاله قلاش اتفق معه جمال عبد الرحيم سكرتير عام نقابة الصحفيين، والذى أكد أن الصحفيين هم أكثر من يحترمون القانون ويعرفون قيمته وكان من الممكن عدم ذهابنا للمحكمة، فهناك فريق مكلف بالدفاع عن نقيب الصحفيين ووكيل النقابة وسكرتيرها العام ولكن آثرنا الذهاب للمحكمة حتى يعلم المصريون أن نقابة الصحفيين ليست فوق القانون بل هى أول من تنفذه.


وأكد عبد الر حيم أنه لا يخاف الحبس هو وقلاش والبلشى طالما أنه فى سبيل الحفاظ على كرامة الصحفيين، لافتا إلى وحدة الصف الصحفى رغم محاولات الشق التى يبذلها أفراد هنا أو هناك من بينهم بكل أسف بعض المنتمين للمهنة ولكنها محاولات يائسة غير مؤثرة أمام الرغبة والإرادة الكاسحة من القطاع الأكبر من الصحفيين بعدم التفريط فى كرامة نقابتهم التى تم الاعتداء عليها فى الأول من مايو وبالتزامن مع احتفالات النقابة بعيدها الماسى ولن تنجح محاولات ترهيب الصحفيين لإثنائهم عن قضيتهم الأساسية المتمثلة فى اقتحام نقابتهم وشدد سكرتير نقابة الصحفيين على أهمية توصيات ٤ مايو واصفا إياها بالنافذة وسوف يبحث مجلس نقابة الصحفيين عقد جمعية عمومية طارئة لنظر هذا الأمر، لاسيما وأن مئات من الصحفيين طالبوا بذلك فى مذكرة رسمية قبل ساعات من بدء إجراءات المحاكمة.


فيما قال الكاتب الصحفى عبد الله السناوى إن محاكمة نقيب الصحفيين يحيى قلاش ووكيلها خالد البلشى وسكرتيرها العام جمال عبدالرحيم غير مسبوقة فى تاريخ مصر المعاصر وهى تهدف إلى كسر شوكة الصحافة وحريتها، واحتجاز قلاش لساعات طويلة فى قسم قصر النيل باتهامات لا أساس لها من الصحة عار تاريخى غير مقبول بأى حال من الأحوال ولا يمكن تحمله مهما كانت الأسباب ومهما كان حد الخلاف، ليس هذا فحسب، أسباب المحاكمة فى حد ذاتها غير مقنعة، وتعجب السناوى من تجاهل سلطات التحقيق للبلاغات الثلاثة التى قدمتها نقابة الصحفيين ضد وزارة الداخلية فى واقعة اقتحامها لمقرها واعتبرت البلاغات أخبارا كاذبة تستحق المؤاخذة القانونية دون أن تنظر فيها.


وقال الكاتب الصحفى نبيل زكى عضو المكتب السياسى لحزب التجمع إن إجراءات التصعيد ضد نقيب الصحفيين وزميليه بمجلس النقابة غير مبررة وغير قانونية، فالنقابة لم ترتكب جريمة ولم تفعل شيئا سوى الدفاع عن أعضائها ولم يكن لديها النية لإيواء زملاء مطلوبين للعدالة مثلما تم الإدعاء والترويج لذلك بغرض تشويه النقابة ويحيى قلاش الذى يعد رمزا للصحفيين سواء اتفقنا معه أو اختلفنا وحذر زكى من وجود عناصر خفية داخل النظام تسعى لتفتيت حلف ٣٠ يونيه والوقيعة بين الرئيس وبعض فئات المجتمع المؤثرين كالصحفيين والأطباء من قبلهم وهى أزمات مصطنعة يتم تقديمها فى الخارج أن النظام المصرى ضد الحريات وهو ما يعد تشويها لسمعة مصر ونظامها الحاكم ورأس الدولة نفسه عبد الفتاح السيسي.


نبيل زكى استبعد حبس قلاش والبلشى وجمال عبد الرحيم لعدم وجود قانون يدين النقيب، فالاتهامات ضده باطلة ومزاعم الخروج على القانون لا أساس لها من الصحة، لكنه فى الوقت نفسه أكد أنه فى حال صدور حكم بمعاقبة قلاش حينئذ سيقف جموع الصحفيين كبارا وشبابا ضد هذا الإجراء.


أما الكاتب الصحفى سيد عبد العاطى رئيس تحرير جريدة الوفد فقد اعتبر إحالة نقيب الصحفيين ووكيل النقابة وسكرتيرها العام للمحاكمة وبدء إجراءات التقاضى فيها بهذه السرعة بمثابة تصعيد من جانب النيابة ضد الصحفيين، وهو ما يتطلب سريعا إيجاد حلول سلمية سريعة لوأد الخلاف بين الصحفيين والداخلية، حتى لا يشعر الصحفيون بغصة تجاه السلطة، لأن الخاسر لن يكون الصحفيون بمفردهم وإنما جموع المصريين، وتبنى عبد العاطى مبادرة للصلح بين الطرفين فى أقرب وقت وقبل جلسة القضاء القادمة فى ١٨ يوينه بحيث ترتكز على اعتراف الداخلية ونقابة الصحفيين فى بيان مشترك باحترام كل منهما للآخر بعد جلوسهما على مائدة واحدة.


د. عبد الله المغازى مستشار رئيس الجمهورية السابق أبدى استياءه من تفاقم الأزمة بين الصحفيين وبعض مؤسسات الدولة على النحو الذى تجرى معه محاكمة عاجلة لنقيب الصحفيين يحيى قلاش بما يجعل المنظمات الدولية المعنية بحقوق النقابات تصطاد فى الماء العكر، مشيرا إلى افتقاد علاج الأزمة منذ بدايتها للحس السياسى ورغم الخطأ المشترك لطرفى الأزمة والخلاف، الصحفيين والداخلية، إلا أن البدء فى محاكمة عاجلة لنقيب الصحفيين يثير علامات استفهام كثيرة نحن فى غنى عنها، وطالب المغازى بتطبيق ميزان العدل السليم مع جميع الأطراف دون تفرقة وفى جميع القضايا، قائلا: أتصور أنه الأولى بالمحاكمة العاجلة ليس نقيب الصحفيين ورفاقه وإنما مرتكبو واقعة الفساد فى مؤسسة الرئاسة والتى أعلن عنها الرئيس السيسى قبل أسبوعين ومعرفة من هم الأشخاص الذين تسببوا فيها.


من جانبه أكد سيد أبو زيد المستشار القانونى لنقابة الصحفيين إن كل أركان القضية المادية والمعنوية «منتفية «وواقعة الإيواء التى أحيل بسببها نقيب الصحفيين والسكرتير العام ووكيل النقابة للمحاكمة العاجلة غير موجودة بالأساس، فالإيواء فى تعريفه هو مكان مجهول بعيدا عن أعين الشرطة وهذا لا ينطبق على نقابة الصحفيين حتى يجرى اتهامها بأنها مكان لإيواء الخارجين على القانون، فنقابة الصحفيين ليست مغارة فى قلب الجبل أو مكانا سريا لا يعرفه أحد، ووفقا للمادة ٧٩ من الدستور المصري، فإن نقابة الصحفيين منوط بها الدفاع عن حقوق أعضائها وهو ما تنص عليه أيضا المادة ٣ فقرة ( ج) من قانون نقابة الصحفيين ٧٦ لسنة ١٩٧٠، وفى تلك الحالة تحديدا لجأ عمرو بدر للنقابة من أجل الاحتماء بها وعدم الاحتكاك بالشرطة وطلب وساطة النقابة وتدخلها عند تقديمه للنيابة، كما أن المادة ٥٣ من ذات القانون أعطت لنقيب الصحفيين بصفته حق التدخل فى أى قضية تخص كرامة المهنة أو كرامة أحد أعضاء النقابة.


وأكد عصام شيحة المحامي، عضو هيئة الدفاع عن نقيب الصحفيين أن القضية شائكة وغاية فى الحساسية، ولولا غياب الحس السياسى كان من الممكن حلها بسهولة فى حينها وأما إحالتها للقضاء، فأصبح معها الشق القانونى هو المتحكم فى الموقف، مشيرا إلى تقدمه وأفراد هيئة الدفاع بمد أجل القضية لفترة طويلة للإطلاع على أوراق القضية وتحريات الشرطة وتحقيقات النيابة، مع ضم البلاغات المقدمة من نقابة الصحفيين للنيابة ضد الداخلية لأوراق القضية والتى لم تنظرها حتى وصول إحالة القضية للمحكمة، وأضاف شيحة استجابة القاضى لطلباتنا ورفضه مد أجل التقاضى لفترة طويلة ينبىء بأن القضية لن تستغرق وقتا طويلا وربما يصدر حكم بعد جلستين أو ثلاث من الآن، وهو ما يجعلنا نفضل الحل الودى بين الصحفيين والداخلية قبل النطق بالحكم أيا كان نوع الحكم إدانة أو براءة من التهم المنسوبة للنقيب ووكيل النقابة وسكرتيرها العام.


وبسؤال شيحة عن موقف الدائرة التى تنظر القضية فى حال إتمام الصلح بين الداخلية ونقابة الصحفيين، قال من الممكن جدا أن يحكم القاضى بالبراءة وربما يصدر حكم بالإدانة، لا نعرف ما الذى سيحدده القاضى وما الذى سينطق به، لكن المؤكد أنه فى حال نزع فتيل الأزمة بين الداخلية والصحفيين بالحوار والحلول السلمية، يجعل القاضى إذا كان متجها فى حكمه نحو إدانة نقيب الصحفيين وزميليه، أن يستخدم حقه فى المادة ١٧ من قانون العقوبات بتخفيف الحكم إلى الحد الأدنى من العقوبة أو إصدار حكم مع إيقاف التنفيذ أو حكم بالغرامة المالية.