محاكمة صاحبة الجلالة

08/06/2016 - 1:14:48

بقلم : عبد اللطيف حامد

حاولت جاهدا أن أكتم غيظى، ولا أكتب عن أزمة اقتحام الداخلية لنقابة الصحفيين على اعتبار أن شهادتى مجروحة لصالح مهنتى ونقابتى، وسبق لى الكتابة فيها فى مقال سابق لدرجة أن شعورى بأن هناك مخططا لتركيع الجماعة الصحفية دفعنى إلى إعلان ندمى على ضياع السنوات فى البحث عن المتاعب فى بلاط صاحبة الجلالة.


يعلم القاصى والدانى من الزملاء والمقربين أننى لست من المحيطين بالأستاذ يحيى قلاش نقيبنا، ولم أنتخبه، ولم أدخل مكتبه حتى اليوم طالبا لأى خدمة ولا مساندة حتى لو بالتليفون، رغم أن الظروف دفعتنى فى هذا الاتجاه أكثر من مرة، وكنت رافضا لتغليب المجلس الحالى للجانب السياسى على حساب الخدمى، ولى اعتراضات على أدائه سواء فى لجنة الإسكان أو مشروع العلاج وغيرهما بل إننى مثل كثيرين من الزملاء لا أذهب للنقابة إلا ما ندر من أجل خطاب تحاليل أو أشعة ـ أدام الله عليكم الصحة ـ لكن من الصعب على نفسى أن أرى نقيبنا بصحبة عضوى المجلس الأستاذ جمال عبد الرحيم سكرتير عام النقابة، والأستاذ خالد البلشى رئيس لجنة الحريات يخضعون لتحقيقات تستمر نحو ١٢ ساعة على مدى ليلة كاملة حتى الفجر بتهمة نشر أخبار مغلوطة، وإيواء هاربين من العدالة ـ هما صحفيان فى الأساس حتى لو اختلفنا مع كتابات أحدهما كليا وجزئيا ـ ثم زاد الطين بلة بإخلاء سبيلهم بكفالة ١٠ الآف جنيه لكل منهم، والإحالة لمحاكمة عاجلة، يوم السبت الماضى أجلت محكمة جنح قصر النيل القضية لجلسة ١٨ يونيو الحالى لتنفيذ طلبات الدفاع.


وهذا موقف غالبية الجماعة الصحفية فى ظنى من خلال الشواهد والمواقف، وهنا يكفى الإشارة إلى مقال الكاتب الكبير صلاح منتصر فى جريدة الأهرام تحت عنوان "مع نقيب الصحفيين"، وتمت إعادة نشره فى بعض الصحف والعديد من المواقع الإلكترونية، وبالطبع على السوشيال ميديا، الذى عبر فيه عن الاستياء من طريقة التعامل مع النقيب، وتجاهل بلاغات النقابة ضد الداخلية، وإعلانه الوقوف وراء قلاش بغض النظر عن اختلافه معه فى بعض المواقف خصوصا فى أسلوب إدارة الأزمة من البداية خاتما مقاله بعبارة ذهبية "اليوم نحن أمام تطور جديد بتقديم طرف للحساب دون طرف آخر. ومع إيمانى بجهة الحساب العادلة إلا أننى أرى أن ميزان العدالة يهضم حقى فى معاملة نقيبى نفس معاملة الطرف الآخر. نعم أعارض النقيب ولكن عندما يتغير الموقف فأنا معه وأدافع عنه !".


ولا يقتصر هذا الموقف على أستاذنا صلاح منتصر بل هناك عشرات المقالات والأعمدة خلال الأيام الأخيرة تتبنى نفس الاتجاه، ومنهم معارضون بشدة للنقيب والمجلس الحالى، لأن الإصرار على محاكمة النقيب ـ فى مسألة محل جدال حتى بين القانونيين ـ سابقة تاريخية لا تليق بمصر فى عام ٢٠١٦، ولم ترتكبها أى حكومة سابقة، رغم سيطرة الدولة البوليسة على مقتضيات الأمور قبل ثورة ٢٥ يناير المجيدة التى أطاحت بنظام مبارك ووزير داخليته حبيب العادلى، لتجعل حرية الرأى والتعبير حقا مقدسا لجميع المصريين، وليس الصحفيين والإعلاميين فقط.


وسبحان مغير الأحوال، فالحملة الممنهجة التى قادها بعض أصحاب المصلحة فى تشويه النقابة فقدت مفعولها سريعا عندما وجد الناس أن نبرة الصحفيين هدأت بمرور الأيام، وأكدوا التزامهم بالقانون، بينما واصل المسئولون التصعيد، والتنكيل وصولا إلى ساحة القضاء، فعاد الكثيرون إلى رشدهم، والتضامن مع الجماعة الصحفية فى محنتها، وأصبح من المعتاد أن تجد من هاجمونا بالأمس بحجة أننا على رؤوسنا ريشة يعتذرون، ويظهرون غضبهم من الكيل بمكيالين فى قضية اقتحام قلعة الحريات بل إن بعض العاملين فى المطاعم أو السوبرماركت التى يتعامل معهم صحفيون ويعرفونهم يسألون من آن لآخر عما وصلت إليه المشكلة باهتمام شديد، فعلا يمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أو أن تخدع بعض الناس لكل الوقت لكنه من المستحيل أن تخدع كل الناس لكل الوقت.


الإحساس يتزايد لدى فئات عديدة وليس الصحفيين فقط بما فيهم العديد من القائمين على ما يسمى بـ"جبهة تصحيح المسار" أن النية كانت مبيتة لكسر شوكة الصحفيين فى معركة مفتعلة، وأن ما يحدث محاكمة لصاحبة الجلالة وأبنائها بعيدا عن مجرد ضبط وإحضار متهمين من صفوفهم، لا مانع من تطبيق القانون عليهم دون إهانة مهنة كاملة دفعت شهداء ومصابين وسجناء كثرا دفاعا عن كيان الوطن، وكشف الفاسدين والمتآمرين على مستقبله فى كل القطاعات والمستويات.. والله أعلم.