مذابح الأرمن بين تركيا وألمانيا أزمة حقيقية.. أم مناورة سياسية؟

08/06/2016 - 9:59:32

تقرير: عزة صبحى- إيمان رجب

ليس من المعروف حتى الآن إذا ما كان قرار البونستاج الألمانى بإدانة مذابح الأرمن سيكون له تداعيات واضحة على العلاقات بين أنقرة وبرلين وبين أنقرة وبروكسل. المصالح المشتركة بين هؤلاء هى التى ستتحكم فى مسار هذه الأزمة. هل سيكون هذا القرار ورقة فقط يستخدمها الاتحاد الأوربى ضد تركيا عند اللزوم. أم هو مجرد زوبعة فى فنجان مثل كل القرارات المماثلة التي صدرت فى عشرين دولة أخرى وأدانت مذابح الأرمن ولم تترجم إلى قرارات تنفيذية على أرض الواقع.


أعرب الرئيس التركى أردوغان عن حالة الإحباط التى يشعر بها بعد فشل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فى الضغط على حزبها لوقف تمرير قرار بالاعتراف بمذابح الأرمن ومسئولية تركيا عنها، وذلك على الرغم من وعودها السابقة له بذلك. أردوغان استمر فى التلويح بأوراق الضغط التى يملكها للرد على الموقف الألمانى ومنها ملايين الأتراك الذين يعيشون فى ألمانيا والذى يملك تحريكهم فى مظاهرات لو أراد، كذلك لوّح بفكرة فتح الباب على مصراعيه أمام موجات جديدة من الهجرة إلى أوربا. حرص أردوغان ورئيس وزرائه الجديد بن على يلديريم على عدم تجاوز الحدود حرصا على عدم تدهور العلاقات مع ألمانيا التى تتميز بالخصوصية الشديدة عن باقى الدول الأوربية. حيث كانت ألمانيا دائما هى الداعمة لتركيا فى الاتحاد الأوربى كانت الداعمة للصفقة التى تمت منذ أشهر بين أنقرة وبروكسل فى ملف المهاجرين حيث حصلت تركيا بمقتضاها على مكاسب غير مسبوقة، منها دخول مواطنيها دون تأشيرة إلى أوربا ومليارات الدولارات لمساعدة تركيا فى إيواء المهاجرين، أردوغان كان يحرص مع التهديد على التأكيد على أن ما حدث لن يؤثر على العلاقات الاستراتيجية الوثيقة بين ألمانيا وأنقرة وعلى أنه لابد من تجاوز هذه الأزمة بكل الطرق، حيث يعتقد أردوغان أن لألمانيا وللاتحاد الأوربى مصالح مع تركيا لا يمكن الاستغناء عنها، وأن الأمر لا يعدو كونه ورقة ضغط يمكن أن تستخدمها بروكسل عند اللزوم.


جاءت كل حسابات أردوغان خاطئة حيث وافق البرلمان الألمانى بأغلبية ساحقة وأعلن رئيس البوندستاج القرار بعد جلسة لم تزد مدتها عن ساعة واحدة. كما أدان التهديدات التى وصلت إلى حد التلويح باغتيال أعضاء البوندستاج خاصة هؤلاء ذوى الأصول التركية قبل المناقشة، وأكد أن كل الانتقادات مقبولة عدا تلك التى تتخطى الحدود بما يؤثر على حرية الرأى فى البوندستاج.


البرلمان الألمانى لم ينكر مسئولية ألمانيا عن هذه المذبحة حيث أكد أوزديمير رئيس حزب الخضر أنها جزء من التاريخ الألمانى، وأن هناك مسئولية تاريخية تقع عليها كما أن من واجب ألمانيا السعى إلى عقد تصالح بين الأرمن والأتراك وذلك نظراً لتورط الرايخ الألمانى آنذاك بصورة أو بأخرى فى هذه المذبحة.


وتعتبر النائبة بنينا كدلة هى الصوت الوحيد الذى عارض القرار وهى من الحزب المسيحى الديمقراطى الحاكم، وفسرت ذلك على صفحتها الشخصية أنه ليس من واجب البوندستاج تقييم أحداث تاريخية فى دول أخرى، وأن هذا الأمر يرجع إلى هذه الدول وهى تركيا فى هذه الحالة. وأن التبعات السياسية والاقتصادية الناتجة عن هذا القرار غير محسوبة.


غابت عن جلسة التصويت أنجيلا ميركل ونائبها رئيس الحزب الاجتماعى الديمقراطى ووزير الخارجية بدعوى ارتباطهم بمواعيد أخرى. وذلك على الرغم من أن ميركل حضرت الجلسة التحضيرية لحزبها قبل جلسة البرلمان. وأيدت القرار، ويؤكد المراقبون أنه كان من المستحيل أن يرضخ البرلمان الألمانى أمام الضغوط التركية لأن ذلك كان سيعد سابقة فى ألمانيا بصفة خاصة وأوربا بصفة عامة. كما أنه سيكون له تأثير سلبي على شعبية ميركل التى تعانى أصلا من المشاكل.. وتسعى ميركل وحزبها الحاكم من وراء هذا القرار وسلسلة أخرى من الإجراءات التى استمالة قطاع عريض من الناخبين المعادين للمسلمين والأتراك خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات القادمة خاصة فى ظل صعود شعبية الحزب اليمينى الصاعد “البديل من أجل ألمانيا” والذى يشكل تهديداً كبيراً لميركل والتحالف الحاكم.


ولا شك أن قرار البرلمان الألمانى بإدانة الإبادة الجماعية للأرمن قد ينعكس على ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربى إلى جانب الملفات الأخرى التى تلقى انتقادات أوربية قوية مثل حقوق الإنسان والاستبداد بالسلطة وقمع المعارضين ومنع حرية التعبير فضلا عما يعتبره الكثير من الأوربيين لسياسة الديكتاتورية والابتزاز التى يمارسها النظام التركى مع أوربا.


لا تعود ما يعرف بمذابح الأرمن كما يعتقد البعض إلى أعوام ١٩١٤ وما بعدها لكنها بدأت قبل ذلك بسنوات بعيدة حيث بدأت عمليات التخلص من الأرمن بين عامى ١٨٩٤ و١٨٩٦ والتى تعرف بـ”المجازر الحميدية” حيث حرض السلطان عبدالحميد الثانى القبائل الكردية لمهاجمة القرى المسيحية فى تلك الأنحاء، كما حرض السلطان عبدالحميد الثانى على قتل عشرات الآلاف من الأقليات الأخرى فى الأراضى الخاضعة للسلطنة العثمانية مثل الآشوريين والكلدان واليونانيين، بالإضافة للأرمن خلال الحرب العالمية الأولى ارتكبت تركيا أول إبادة عرقية فى القرن العشرين والتى عرفت فيما بعد “بمذبحة الأرمن” أو “الجريمة الكبرى”. حيث تعاون الأتراك مع الأكراد لإبادة سكان القرى الأرمنية شرقى تركيا فى محاولة تغيير ديموجرافية هذه الأماكن، لاعتقادهم أن هؤلاء قد يتعاونون مع الروس والثوار الأرمن، كما أجبروا القرويين على العمل كحمالين فى الجيش العثمانى ومن ثم قاموا بإعدامهم بعد إنهاكهم، وفى ١٤ أبريل ١٩١٥ جمع العثمانيون المئات من أعيان وأهم شخصيات الأرمن فى اسطنبول وتم إعدامهم فى ساحات المدينة. وبعدها أمرت جميع العائلات الأرمنية فى الأناضول بترك ممتلكاتهم والانضمام إلى القوافل التى تكونت من مئات الآلاف من النساء والأطفال فى طرق جبلية وعرة وصحراوية قاحلة، وتم حرمان هؤلاء من المأكل والملبس، فمات خلال حملات التهجير هذه ٧٥ ٪ ممن شارك فيها وترك الأحياء فى صحراء الشام. وأكدت شهادات الناجين القلائل من هذا التهجير أن الأتراك ارتكبوا أبشع الفظائع بحق عشرات الآلاف فى هذه القوافل حيث تم إعدام جميع الرجال فى البداية ثم تم اغتصاب النساء والفتيات ودفن البعض أحياء.


استمر القتل الجماعى الممنهج والتهجير القسرى للأرمن فى فترة حكم مصطفى كمال أتاتورك منذ عام ١٩١٥ وحتى عام ١٩٢٢ حيث دخلت القوات التركية مدينة أزمير فى سبتمبر ١٩٢٢ وأشرفت على عملية الاستيلاء على المدينة وعلى ارتكاب مجزرة للتخلص من السكان الأرمن واليونانيين، فحرقت الأحياء الأوربية تماما واستمرت هذه المجزرة سبعة أيام كاملة قتل فيها مائة ألف شخص يتفق معظم المؤرخين على أن أعداد القتلى من الأرمن تجاوز المليون شخص. غير أن الحكومة التركية تشير إلى أن حوالى ثلثمائة ألف فقط بينما تشير مصادر أرمنية إلى سقوط أكثر من مليون ونصف المليون أرمنى بالإضافة إلى مئات الآلاف من الآشوريين والسريان والكلدان واليونانيين.


وبسبب هذه المذابح هاجر مئات الآلاف من الأرمن إلى العديد من دول العالم، لاسيما مصر ولبنان والعراق. وأصبح يوم ٢٤ أبريل من كل عام مناسبة للتذكير بما حدث لهم والتنكيل بهم. وقام العديد من الناشطين فى مجتمعات الشتات بحملات من أجل الاعتراف الرسمى بتلك المذابح والإبادة الجماعية للأرمن. وقد اعترفت عشرون دولة واثنتان وأربعون ولاية أمريكية حتى الآن بوقوع تلك المجازر. كما تعترف بعض المنظمات الدولية رسميا بمجازر الأرمن مثل الأمم المتحدة والبرلمان الأوربي وحقوق الإنسان، كما أن هناك أكثر من ١٣٥ نصبا تذكارىا موزعة على خمسة وعشرين بلداً تخليداً لذكرى إبادة الأرمن.