من رجال الدور المصرى فى إفريقيا: السيد الجليل.. محمد فايق

08/06/2016 - 9:43:32

  السيسى يستقبل محمد فايق رئيس المجلس القومى لحقوق الانسان السيسى يستقبل محمد فايق رئيس المجلس القومى لحقوق الانسان

بقلم - أ.د السيد فليفل استاذ بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية عضو مجلس النواب

التاريخ علم جليل يقدم للإنسانية دروس الماضى للانطلاق بها آمنة إلى المستقبل، وهو أشبه شىء بمرايا السائق التى ينظر فيها ليرى القادمين من الخلف، ليس ليرجع القهقرى ولكن لينطلق كالسهم إلى الأمام. ونحاول اليوم أن نتلمس كيف كنا وأى رجال اعتمدنا عليهم لنصنع الدور التاريخى لمصر فى حركة التحرر الإفريقية كى نأخذ من ذلك التجربة التى تعيننا على الانطلاق إلى المستقبل.


ولأن مصر تمر اليوم بمخاض صعب من بعد ثورتين اضطربت فيه الأمور واختلطت إلى النحو الذى أدى إلى اضطراب الرؤية كأنما غشيها العشى. وفقدان الاتجاه كأنما بوصلة الحركة فسدت، فإن واحدا من البرلمانيين المصريين تساءل من هو محمد فايق هذا رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان؟ وله ولهم ولكل مواطنى مصر أقدم هذه الصفحات.


فى عام ١٩٥٣ استدعى عبد الناصر إلى مكتبه الرائد محمد فايق من الضباط الأحرار الذين شاركوا فى عملية ليلة ٢٢-٢٣ يوليو ١٩٥٢، والذين فجروا ثورة مصر التى طال انتظار المصريين لها لتبدأ تنفيذ أهداف وآمال الغالبية العظمى من المصريين الذين تاقوا إلى رؤية بلادهم وقد جلت عنها قوات المستعمر البريطانى الذى جثم على صدر البلاد منذ احتلالها فى عام ١٨٨٢، فوجئ الرائد الشاب بجمال عبد الناصر يخطره باختياره مديرا لمكتبه للشئون الإفريقية، وهو اختيار تعجب له فايق حيث لم يكن حتى هذا الوقت قد مارس أى دور أو نال أية خبرة معمقة فى الشئون الإفريقية. وبعد مناقشة قصيرة تلقى الرائد الشاب تعليمات لدراسة حالة القارة الإفريقية على نحو تفصيلى ومتابعة تطورات حركة التحرر الوطنى الإفريقى بكافة رموزها فى كل المستعمرات الإفريقية والاتصال بهم والتنسيق معهم لتأدية دور مصر وواجبها تجاه أشقائها الأفارقة فى معاونتهم لنيل الحرية والاستقلال، لأنه وكما قال جمال عبد الناصر، لا يمكن أن تعتبر مصر نفسها دولة مستقلة ما دام المستعمرون على أرضها بجنودهم، فإذا خرجوا منها فإن استكمال الاستقلال الوطنى يتطلب خروج جميع المستعمرين من جميع الأرض الإفريقية.


وإذا تابعنا فإن عبد الناصر فى فلسفة الثورة ربط بجلاء ووضوح شديدين بين مصير الفلسطينيين تحت الاستعمار الصهيونى والاحتلال الإسرائيلى بأجلاب من يهود أوربا، وبين حكم الأقليات البيضاء فى كل من جنوب إفريقيا وزيمبابوى والمستعمرات البرتغالية، وبين الوجود الفرنسى الاستيطانى فى الجزائر، مما كان يعد سبة فى جبين الاستعمار الأوربى الذى اتسمت ممارساته بالعنصرية البغيضة.


كان التكليف جسيما وصعبا إلى درجة الاستحالة، لكن المكلف كان لديه الصبر والإصرار والفخر بالتكليف ما يمكن أن يعد رسالة نبيلة حملها على عاتقه ثمانية عشر عاما من واقع المسئولية، قدم خلالها نموذجا فريدا تتباهى به مصر حتى الآن، إذ شكل التكليف والرسالة دور مصر التحررى فى القارة الإفريقية على نحو يصعب إنكاره، بل صار هذا الدور مقياسا لسياسة مصر تجاه القارة حتى الساعة.


ولد محمد فايق بمحافظة الدقهلية سنة ١٩٢٩، وقد حصل على شهادة الثانوية من مدرسة الإبراهيمية الثانوية بالقاهرة، ثم التحق بالكلية الحربية التى تخرج منها سنة ١٩٤٨. عمل محمد فايق بعد تخرجه بإحدى قواعد المدفعية المضادة للطيران فى حلوان حتى سنة ١٩٥٢، وخلالها حصل على فرق التدريب فى مدارس الشئون الإدارية العسكرية التى حاضره فيها ودربه عبر برامجها البكباشى جمال عبد الناصر، الذى قربه منه عندما لفت نظره فى مشروعات التدريب؛ نتيجة لما أظهره من كفاءة وانضباط وحسن خلق وتفانٍ فى العمل.


كان محمد فايق يملك المقومات الشخصية للعمل المنشود حيث صار مكتب الشئون الإفريقية يخضع مباشرة للرئيس، وإن مرت أوراقه عبر مدير المخابرات العامة السيد زكريا محيى الدين. وقد لعب الأمران المؤهلات الشخصية وثقة القائد دورا حاسما فى النجاح الذى تحقق فى دور مصر الإفريقي، فعلى الصعيد الشخصى لدينا نفس هادئة راضية مقتدرة صبورة، ولدينا ملكة عقلية قادرة على الإدارة والتنظيم والتخطيط، والأهم قادرة على الكتمان وإدارة أعقد العمليات الاتصالية باقتدار، وإن هى إلا أشهر قليلة حتى كانت قد توفرت لمحمد فايق المعلومات الأساسية عن الشعوب الإفريقية، وقوى الاستعمار التى تتحكم فيها وعن القيادات الإفريقية المتطلعة للحرية وما تكابده من القوى الاستعمارية، كما توفرت رابطة إنسانية بين قادة التحرر الوطنى الإفريقى وبين فايق، وهى رابطة استمرت مع الرجل بعد أن صار الرؤساء الأفارقة رؤساء، كما استمرت نظرتهم الحانية إلى مصر عبد الناصر باعتبارها موئل التحرر الوطنى فى القارة الإفريقية، والأحضان المفتوحة لاستقبال الثوار وتدريب الكوادر وتهريب السلاح وإدارة حركة التحرر عنفا وتفاوضا، حتى وصلت إلى بر الاستقلال دول متعاقبة خرج منها إلى غير رجعة المستعمرون السابقون.


وبعد حرب السويس فى سنة ١٩٥٦ برزت شخصية الزعيم جمال عبد الناصر باعتباره الرائد الأكبر لحركة التحرر الوطنى فى العالم الثالث، باعتباره يمد يده إلى أشقائه العرب والأفارقة وإلى دعاة التحرر فى آسيا وأمريكا اللاتينية، ذلك أن الأصل فى حركة التحرر أنها مسعى إنسانى لابد أن يتواصل ما تواصل المستعمرون، وأن الهدف فى التحرر لابد أن يجمع المستضعفين، وأن اجتماعهم هو مصدر قوتهم. وقد ترجمت حركة محمد فايق هذه بتطوراتها المتلاحقة وبربطها بين حركتى التحرر فى إفريقيا والعالم العربي، ترجمت عن نفسها حين صار محمد فايق مستشارا للرئيس عبد الناصر للشئون الإفريقية والآسيوية وممثلا شخصيا له، سواء فى مؤتمرات القمة الإفريقية أو الإفريقية الآسيوية أو فى منظمة تضامن الشعوب الأفرو آسيوية أو رموز حركة التحرر فى أى مكان فى العالم.


وقد نجح محمد فايق فى أن يحيط نفسه بذمرة متخصصة من الأساتذة وبكوادر متحمسة من الشبان الذين أحاطوا به وآمنوا برسالته، وسعوا إلى تنفيذ التكليف برعاية حركة التحرر الوطنى الإفريقي؛ حتى صارت القاهرة ملاذا للقيادات الإفريقية المكافحة من أجل الاستقلال، وصارت إذاعاتها الموجهة تخاطب مئات الملايين من الشعوب الإفريقية تحمل إليهم صوت القاهرة صوت الدعم والتأييد الذى عرى الاستعمار من الأسباب المدعاة لوجوده على الأرض الإفريقية.


ومن المواقف النادرة فى التاريخ ذلك الفرد الأمة، أو الفرد الرمز الذى جسده عبد الناصر سواء للأمة العربية أم لحركة التحرر الوطنى العربى الإفريقي، حتى لقد عد الرجل هدفا يجب أن توقفه قوى الاستعمار، وتعمل على وأد دوره بكل وسيلة، لكن النادر فى أمثال هذه الحالة من حالات تجسد دور الفرد فى أمة أو دور الفرد الرمز أن تجده بطلا بجوار أبطال، فناصر لم يكن وحده، بل كان معه رجال فى قيادة العالم العربى وقيادة القارة الإفريقية، وكانوا يعملون معا ولهدف تحررى واحد، ومن هؤلاء كان نيريرى وكينياتا ولومومبا ونكروما ونجوما ومانديلا وغيرهم، على أن الأكثر ندرة أن تجد دور ناصر مدعوما بشريك بارز قوى مثل محمد فايق، بل إن تجد الأخير يقف على قدم المساواة مع هؤلاء الرجال بدءا من قائده ناصر إلى المصفوفة التحريرية كلها. ولعل فى هذا ما يفند الزعم بأن ناصر كان يجمع كل خيوط الإدارة المصرية فى يد واحدة، وأنه كان يبرز وحده لا يطاوله أحد أو لا يحب هو أن يطاوله أحد. وهذا يوضح الترابط بين القائد ومعاونه الأول والأخير للشئون الإفريقية. هكذا إذا التحم الرجلان فى الرسالة الإفريقية وفى الدور التحرري، فلا تذكر إفريقيا إلا ويذكر الرجلان معا ناصر وفايق.


وقد كان من المنطقى أن يتم تصعيد محمد فايق إلى مواقع جديدة، كان أبرزها توليه مسئولية وزارة الإعلام والإرشاد القومى فى الفترة من عام ١٩٦٦ إلى عام ١٩٧٠، ثم توليه مسئولية وزير الدولة للشئون الخارجية فى عام ١٩٧٠، لكنه مع هذا لم يترك مسئوليته عن الشئون الأفريقية، بل استمر يتابعها ويشرف عليها، على الرغم من جسامة المسئولية فى الموقعين السابقين. وخلال هذه المرحلة رافق عبد الناصر فى كل القمم الإفريقية، أو ناب عنه فيها، كما مثله فى رئاسة وفد مصر فى الجمعية العامة للأمم المتحدة.


ومن الواضح أن العلاقة بين جمال عبد الناصر ومحمد فايق التى بدأت فى مدارس الشئون العسكرية قد توطدت كثيرا، وهذا ما جعل قيادة ثورة يوليو تشرك محمد فايق فى إحدى الوحدات التى حاصرت أهم قصر ملكي، والذى يعتبر المقر الأساسى للملك فاروق والذى تمثل فى قصر عابدين.


اتسم محمد فايق بالعديد من السمات الطيبة التى جعلت قيادة ثورة يوليو تلحقه بجهاز المخابرات العامة الناشئ برئاسة زكريا محى الدين، فيعد فايق من المؤسسين الأوائل للمخابرات العامة المصرية، وكان أول من تولى مكتب الشئون الإفريقية بها.


وثق عبد الناصر كثيرا فى محمد فايق، ونصحه بالقراءة فى الاقتصاد فالتحق فايق بكلية التجارة ودرس الاقتصاد. كان لعبد الناصر تأثير قوى فى تكوين شخصية محمد فايق المهنية، فقد نصحه بكثرة القراءة، وهذا ما جعل محمد فايق يقرأ العديد من الكتب وكان أول كتاب قرأه عن إفريقيا هو كتاب “داخل إفريقيا” لـ”جون جنتر”، كما قرأ العديد من كتب الإخوان المسلمين وكذلك قرأ فى الماركسية.


وعلى الرغم من تعدد الأدوار التى لعبها فايق والمواقع الهامة التى شغلها فقد بقى إنجازه الول والغر هو دوره فى حركة التحرر الإفريقى كمناضل مصرى وثيق العرى والصلات برموز هذه الحركة فى عمق القارة. وعلى الرغم من أن دور فايق فى الشئون الإفريقية قد انتهى رسميا باعتقال الرئيس السادات له فيما سمى بثورة التصحيح فى ١٥ مايو ١٩٧١، حيث اقتيد إلى السجن بتهمة التآمر على رئيس الدولة والتخطيط للانقلاب، فإن إفريقيا لم تنس رجلها وبطلها، إذ فاجأنا الرؤساء الأفارقة فى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب باختيار فائق مقررا خاصا لشئون اللاجئين والمهاجرين والمشردين فى إفريقيا، وذلك لتطبيق مقررات الميثاق الإفريقى لحقوق الإنسان والشعوب، حدث هذا فى عام ٢٠٠٩.


أما فيما يتعلق بالوسائل التى استخدمها فايق لإدارة الشأن الإفريقي، فمن المفاجآت المذهلة أن هذا العسكرى المقاتل وضابط المخابرات راعى إلى أبعد مدى توظيف قوة مصر الناعمة الممثلة فى الأزهر الشريف ومدينة البعوث الإسلامية التى اهتم بها عبد الناصر وطورها والكنيسة المصرية، والتى يعد عهد عبد الناصر بعثا جديدا لها باعتبارها كنيسة مصرية إفريقية شرقية أصيلة.......، وكذلك وظف فايق معهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، كما وظف الرابطة الإفريقية، ووظف العمل النقابى حيث برزت شخصية أحمد فهيم فى كافة مجالاته، فضلا عن توظيف الدور الاقتصادى الهائل لشركة النصر للاستيراد والتصدير ومديرها الهمام محمد غانم. ولقد أبانت إدارة فايق لحركة التحرر الإفريقى عن نفسها، فلقد خاضت مصر عبر مشاركتها فى مجلس الأمم المتحدة للوصاية على الصومال معركة الاستقلال والوحدة الصومالية، عبر مخاض استمر عشر سنوات، وانتهى فى أول يوليو ١٩٦٠، مرورا بتقديم شهيد مصر فى الصومال حياته فداء لهذا الهدف النبيل، وليعلن عبد الناصر أنه إذا كان الشهيد صلاح قد قضى فى سبيل الصومال فإن بمصر ٢٧ مليون كمال الدين صلاح.


خاض عبد الناصر أيضا معركة حركة الماوماو فى كينيا مع رئيسها جوموكينياتا، حيث رتب فايق لدعم كينيا وكينياتا بالمال والسلاح والتأييد السياسي، وفعل نفس الشيء مع الاستعمار البريطانى فى أوغندا، حيث رفضت مصر نفى الكاباكا ملك بوجندا، مثلما رفضت نفى محمد الخامس ملك المغرب. وكذلك فعلت مصر مع السودان التى اعترفت باستقلالها على الفور، وفعلت مع مالى ومع الجزائر، ثم عندما ساندت الثورة الليبية وغيرها من الثورات التحررية الإفريقية.


وكذلك فعل مع دعم اقتصاديات الدول الإفريقية عن طريق تقديم المشورة الفنية لإدارة الاقتصاد الوطنى بعد الاستقلال، والضغط على الشركات الأجنبية التى تستنزف موارد القارة لمصلحتها الأنانية.


ووقف عبد الناصر مع التكامل الإقليمى للدول الإفريقية وبرز دور فايق واضحا فى رفض انفصال بيافرا عن نيجيريا، وكذلك الحال فى دعم الوحدة بين كل من تنجانيقا وزنجبار وتكوين دولة تنزانيا الاتحادية، كما خاضت مصر مع الشعب الكونغولى المواجهة مع التدخلات الأجنبية للاستعمار القديم (بلجيكا) والجديد (الولايات المتحدة الأمريكية) فى الكونغو فى دعم انفصال كاتنجا، حيث أصرت الدول الإفريقية جميعا على إنهاء حركة التمرد.


كان من أعظم الآليات التى وظفتها مصر فى دورها الإفريقي، الاتصال بالقوى الإسلامية بكل فصائلها وطرقها ورموزها، وتقديم الخدمة المباشرة فى مجالات التعليم والدعوة، مع ربط ذلك ما أمكن ببرامج التنمية فى المناطق الإسلامية؛ حتى تنتهى صورة المجتمع الإسلامى الفقير المعدم والمسلمين الفقراء البسطاء لصالح إبراز صورة جديدة لإفريقيا المسلمة الثائرة ضد المستعمر، والمتعاونة مع كل دول القارة مع غض النظر عن معضلة الدين. وكان فايق هنالك حينما كانت مصر تبنى مع شقيقاتها الإفريقيات منظمة الوحدة الإفريقية.


ولاشك أن الرابطة بين تحرير الإنسان الإفريقى من المستعمرين وبين مهمة مفوضية حقوق الإنسان والشعوب فى إفريقيا وهى رابطة وثيقة، فالحرية الحقيقية هى تخليص الإنسان من ظلم أخيه الإنسان مستعمرا كان أم حاكما جائرا.


ولعل الذى قاد محمد فايق إلى هذه المسئولية الجديدة، ليس فقط تكريم مسيرته من الرؤساء الأفارقة فى عام ٢٠٠٩ أى بعد قرابة أربعين عاما من اعتقاله وسجنه، بل إن ما تعرض له محمد فايق من ابتلاء السجن بتهمة التآمر على الرئيس السادات، علمه معنى الظلم الذى يتعرض له المظلوم، ومعنى المظالم التى قد يقترفها حاكم مع مواطنيه، حتى ولو كانوا ملء السمع والبصر، وموضوع تقدير قارة بكاملها، فما بالنا بسجين مغمور من عامة الناس؟


لم يعكف فايق بمحبسه رهين الحسرة على ما كان، بل لقد أعد لنفسه برنامجا ثابتا لتمضية عقد كامل من الزمن دون أن تنهار معنوياته، أو تفلت أعصابه أو يمر الوقت دون عمل، لقد قسم يومه بين عبادات وتسبيحات وتسجيلات دقيقة أسعفته بها الذاكرة الحديدية لكل ما قام به من جهد فى إدارة الشئون الإفريقية لتنفيذ تكليف الزعيم بتحرير إفريقيا. كان هاجسه الأكبر أن تمضى رسالة التحرر ودور مصر فى إفريقيا إلى النسيان، وهكذا صارت الكتابة بالزنزانة- سرا، وتهريب المذكرات إلى الخارج عملا شاقا آخر يؤديه فى إطار هذه الرسالة وذلك الدور، احتراما للحقيقة التاريخية، وأداء لحق الوطن، وتمجيدا لدور الزعيم، وحفظا لحقه فى تاريخ يمكن أن يشوه أو حتى يذهب للإهمال والنسيان. ولقد كان لفايق من السمت داخل السجن ما جعل سجانه متعاطفا مع قضيته، فقام بدور هام فى نشر تحفة محمد فايق النضالية “عبد الناصر والثورة الإفريقية”.


هكذا إذا صارت الكتابة وصار الكتاب شغل فايق الجديد، لكنه لم يعتبرهما “مهنة” جديدة، بل هما فى تقديرى لم يزيدا لديه عن “أداة” جديدة فى سبيل إنجاز الرسالة والدور القديمين، لهذا كانت دار المستقبل العربى بدوريتها الرائعة وإصداراتها ذائعة الصيت، أداة جديدة لرسالة خالدة ودائمة.


وإذا كنا قد قفزنا من موقع فايق فى الشئون الإفريقية إلى موقعه فى مفوضية حقوق الإنسان والشعوب الإفريقية وانتقلنا سريعا من عام ١٩٧١ إلى عام ١٩٩٩، فإنما كان هدفنا هو تبيان اتصال الاهتمام بقضية الحرية والتحرر عند فايق عندما كان ضابطا فى العشرينيات من عمره إلى أواخر السبعينيات فى هذا العمر المديد بإذن الله، حتى بدا كأنه فى محبسه يؤدى الرسالة بأسلوب آخر. فالحرية إذن هى رسالته وهى جوهر إيمانه بالقائد والزعيم، بل هى جوهر ثورة يوليو التى حركت نيفا ومائتى ضابط فى مخاطرة غير محسوبة لطرد المستعمرين وتحرير الوطن والمواطن. لقد كان فايق وفيا لهذه الرسالة، لم يضره من ارتد عنها ولا من تراجع عن مسيرة الرفاق. ولكن المذهل فى الأمر هو عفة لسان الرجل ورفقه ورقته إذا تناول هذه المرحلة، فهو يحكى عنها كما لو كانت قصة رجل آخر. ولاشك أن مثل هذه القوة النفسية والإرادة الحديدية تفسر لنا كيف نجح فى إدارة الشئون الإفريقية أو كيف علا صيته فى أرجاء قارة بكاملها أحبته واحترمته مهما كان موقعه ولو كان السجن.


هذا الإيمان بثبات الموقف وتلك الثقة فى سلامة القصد تعرضت لامتحان شديد. فقد جرت مياه كثيرة بعد ١٩٧١، فقد عبرت القوات المصرية القناة فى ٦ أكتوبر ١٩٧٣، وتذكر الناس بوفاء وإخلاص دور القيادات المسجونة فى “ثورة التصحيح”، وكان منهم وزير الحربية الفريق أول محمد فوزى الذى أعاد بناء الجيش المصرى بعد كارثة ١٩٦٧، وكان منهم أيضا محمد فايق وعلى صبرى وغيرهم. واستجاب السادات وطلب أن يتقدم الرجال بالتماس الإفراج عنهم بعدما قضوا نصف المدة وفعلوا. لكن فايق لم يفعل، وأبى أن “يلتمس” الإفراج لسبب بسيط هو أنه لا يشعر بأنه أخطأ فى شيء. فاستكبر الرئيس السادات، فلبث فى السجن خمس سنوات أخرى.


وما كاد فايق يخرج من محبسه ويبدأ فى مراجعة موقفه ويسائل نفسه عن المسار فى المستقبل، حتى كان السادات قد غضب غضبة الحنق على منتقديه فى كامب ديفيد، ومن قبلها على منتقدى سياسة الانفتاح الاقتصادي، التى عدها ثورة جديدة مثل الثورة الإدارية والثورة الخضراء، فقام بثورة سبتمبر التى ألقى فيها القبض على مئات من قيادات المعارضة وغير المعارضة. ودون أن يكون محمد فايق قد فعل شيئا أو تفوه بكلمة انضم إلى قائمة ١٥٣٦ معتقلا منهم البابا شنودة، ومحمد حسنين هيكل ورموز الحقبة الناصرية والمعارضة الوليدة بكل رموزها من اليمين واليسار، حتى آل المر إلى الرئيس مبارك فأفرج عن الجميع ومنهم محمد فايق.


كانت العودة إلى السجن مجددا ودون جريرة مرة أخرى ملهما لفايق بالانطلاق فى المستقبل إلى حمل رسالة الحرية، حرية الفرد فى مجابهة السلطة التى قد تعتدى على حقوقه ليس فقط الحقوق السياسية، بل حتى مجرد حقوقه كإنسان فرد، فى إطار الحرية المطلقة، أم فرد فى إطار الحرية الجماعية للشعوب، هنا بدأ دور جديد موصول بالدور القديم فى مجال حقوق الإنسان، دور بدأه محمد فايق الرمز والدور ورسالة الحرية عبر تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، دور بدأ لا يسعى للانتقام من شخص حاكم، بل راح يحمل هم تحرير الإنسان من القمع، دون أن يمتلئ صدره بالحقد على ظالميه، ولا ينشغل قلبه ببقاء حاكم أو ذهابه، حتى لقد خلته يسعى إلى تحرير ظالمه نفسه من ممارسة القمع، كما لو كان يصفى دملا متقيحا ويطهر جسده ونفسه من الظلم.


وتلك رسالة فى التحرر تجعل محمد فايق زاهدا وفيلسوفا وإنسانا رائدا فى مجال التحرر وحقوق الإنسان. لقد ترفع الرجل عن المنصب وعن الدنيا، لا نراه يفكر فى لوم خصومه ولو كانوا ظالمين له، بل تنقيه نفس بشرية مصابة بوباء الظلم ومرض القهر، باعتبار أن الظالم قهرته نفسه قبل أن يقهر هو المظلومين.


لم يكد دور فايق فى مجال حقوق الإنسان يبدأ فى مصر حتى انطلق عربياً وإفريقياً. فالمنظمة التى أسسها فى عام ١٩٨٣ صارت تمتد إلى العالم العربي، حتى إذا ما أسست الدولة المصرية “المجلس القومى لحقوق الإنسان” نال عضويته، واختار أن يكون رئيس “ديوان المظالم” به، على أن الاعتراف بقامته الإنسانية السامقة، وبدوره التحررى لم يقف على مصر وعالمها العربى وقارتها الإفريقية، بل لقد اختاره الأمين العام للأمم المتحدة فى عام ٢٠٠٤ نائبا له فى لجنة تقصى الحقائق فى إقليم دارفور، وإن هى إلا خمس سنوات من العمل الشاق فى هذه القضية، حتى جاء اختيار الرؤساء الأفارقة له “مفوضا لحقوق الإنسان والشعوب الإفريقية”.


لقد جسد الرجل دور مصر محررة للدول الإفريقية ثم محررة للشعوب الإفريقية، ولا يزال محمد فايق رمزا يفتقد حين يهز دور مصر الإفريقى كيف لا؟ وفى الليلة الظلماء يفتقد البدر.


هذا هو السيد محمد فايق أيها السادة الكرام، وهذه روح مصر الحقة لمن شاء أن يعرف.