شاهندة .. وسيدات من مصر

08/06/2016 - 9:39:57

  إيمان رسلان إيمان رسلان

بقلم: إيمان رسلان

يا شاهندة وخبرينا يا أم الصوت الحزين يا أم العيون جناين يرمح فيها الهجين ايش لون سجن القناطر وايش لون السجانين


هذه الكلمات التى كتبها العبقرى أحمد فؤاد نجم ليشد من أزر المناضلة شاهندة فى معتقلات سجن السادات، المفارقة أن المعتقل ضم معها أيضا صافيناز كاظم زوجته السابقة وأم ابنته نوارة ووداد مترى التى أصبحت كاتبة صحفية والأرستقراطية د.أمينة رشيد حفيدة إسماعيل صدقى رئيس وزراء مصر، ليخرج الأربع بعد ذلك ويسجلن فيلماً رائعاً عنوانه ٤ سيدات من مصر .


شاهندة مقلد التى توفيت نهاية الأسبوع الماضى وشيعها الآلاف وأكرر الآلاف إلى مثواها الأخير فى كمشيش بالمنوفية لترقد أخيراً بجانب حبيبها وابن عمتها وزوجها فيما بعد صلاح حسين الذى قتل غدراً من الإقطاع على يد الفقى، لتكمل شاهندة من بعده السيرة والنضال والدعم للفقراء وخاصة الفلاحين والبسطاء لعلها المرة الثانية فى حياة المصريين على ما أتذكر أن تكون الجنازة لسيدة بهذه الأعداد الغفيرة أعتقد أن المرة الأولى والتى لم تتكرر كانت لسيدة الغناء العربى أم كلثوم والتى عاشت لعمر يقترب من عمر شاهندة عند وفاتها وما بين الصورتين أكثر من ٤٠ عاماً ليتكرر المشهد، مع الفارق فى الأعداد الغفيرة لوداع سيدة عظيمة من مصر الجميع تكلم عن شاهندة وشعارها الثابت فى الحياة هو مصر ولعل هذا الاسم الخالد هو مفتاح شخصيتها وبوصلتها فى الحياة منذ أن تمردت وقررت الزواج بابن عمتها صلاح سالم لأنه فقط الحبيب وإنما المناضل صاحب القضية، حتي وقوفها ضد الإخوان حتى تم عزلهم فى ٢٠١٣ وكان مشهد محاولة كتم صوتها بالهتاف ضد الإخوان من إخواني هو خير تجسيد لروح مصر التى حاول الإخوان حنقها.


اتكلم هنا عن شاهندة التى عرفتها فعمرى من عمر بسمة ابنتها الصغرى وكانت دائما شاهندة تستقبلنا بالابتسامة والضحكة الصافية حتى إنه اقترنت صورة شاهندة عندى بالابتسامة دائماً وآخر مرة تقابلنا جلست بجوارها فى عزاء ليلى الشال منذ أكثر من عام مضى وجلسنا نتحدث كثيراً وهى تسألنى عن أحوالى ولا تخفى الابتسامة أبداً عن وجهها وطلبت منى الزيارة فى منزلها لتجلس وتتحدث وأكدت بسمة على الكلام وقبل أن أغادر العزاء حضرت صافيناز كاظم ثم أمينة الرشيد فقررت أن أقوم من مقعدى بجانبها لأفسح مكاناً لثلاث سيدات من مصر بعد أن كن أربعا بوفاة وداد مترى ليصبحن مثلثاً بعد أن كن مربعاً.


للحقيقة شدنى أن أقف على مقربة من الثلاث لأنصت لحوارهن، خاصة أن الثلاث أعرفهن وتعاملت معهن إنسانياً.


د- أمينة رشيد ذات الأصول الارستقراطية وأستاذة اللغة والآداب الفرنسية بجامعة القاهرة عرفتها قبل التحاقى بالجامعة فى أوائل الثمانينيات كتلة فى الإنسانية ورحابة القلب والعقل معاً تركت الحياة المخملية وفرنسا لتعود إلي مصر لأنها وجدت نفسها هنا وسط البسطاء الذين كانت تدافع عنهم فى خيار واضح لها، عرفتها وعرفت زوجها العصامى د.سيد البحراوى الأستاذ بقسم اللغة العربية بآداب القاهرة أيضاً، كانت قصة حب كسرت الكثير من ثوابت التقاليد المصرية ولكنهما بالحب والنضال التقيا.


أما الأستاذة صافيناز كاظم وكانت تنهرنى دائماً وأنا أقبل عليها للسلام قبل التحاقى بالعمل بالمصور حيث كانت تعمل هى أيضا أو بعدها وتقول لى لا تقولى مدام صافى أنا أحب لقب الأستاذة، كانت تحب الأبراج وعرفت أننى من برج الأسد فكنا نتحدث كثيراً فى ذلك وعلى ما أتذكر أنها أيضا يمكن أن تكون من برج الأسد عرفت أختها الكبرى أيضا الأستاذة أمنية كاظم بحكم تخصصى فى التعليم وكانت أستاذة لها مواقف وآراء والأستاذة صافيناز كاظم متمردة بطبعها ومتفردة أيضا ولهذا كانت دائما تغرد خارج السرب ولكن فى أعماقها مفكرة عميقة تنحاز إلى قيم العدالة والخير حتى وإن رأته من جانب إسلامى وهى مدافعة شرسة عما تعتقده حتى إنى أتصورها يوما زعيمة بالمعنى الجيد للكلمة، هذه الصفات هى ما جمعت صداقتها بشاهندة مقلد ووداد مترى الأفكار الإنسانية الرحبة حتى وإن اختلفن فى التفاصيل ولكنهن الثلاث منذ السبعينيات أصدقاء بمعنى الكلمة إلى أن انضمت لهن د. أمينة رشيد بعد ذلك وهى نموذج مختلف تماماً خاصة فى الطباع الشكلية فأمينة صوتها خفيف تجيد الفرنسية ثم العربية والعكس عند صافيناز وشاهندة ووداد معلمة اللغة الإنجليزية ثم الكاتبة الصحفية، لكن الأربع جمعهن حب الوطن حتى النخاع والدفاع عن قيم الجمال والتراث والنضال أيضا، وإن كانت شاهندة مقلد الوحيدة فيهن التى رغم ضحكتها الصافية من القلب هى التى نستطيع أن نطلق عليها الزعيمة السياسية والتى استمرت تعمل بالعمل العام السياسى المباشر حتى آخر أيامها وقبل أن تسقط مريضة فى العام الأخير.


شاهندة لديها بوصلة تجاه القضايا الوطنية وحب مصر ولا تقف كثيراً عند التفاصيل التى يختلف عليها السياسيون، فهى تدخل فى صلب الموضوع وتجمع الرفاق المختلفين، لذلك أحبها الفلاحون لأنها تدافع عن قضاياهم بفهم ووعى ولا تتعالى عليهم رغم أنها ابنة الطبقة الوسطى ولكنها ثبتت مطالبهم وعاشت معهم للدفاع عن قضاياهم ولم تنس قضايا الحريات والمرأة والديمقراطية، وأذكر أنها كانت من أوائل المشاركين فى حركة كفاية عند تأسيسها وأذكر أيضا أن يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ كان موعد الوقفة الاحتجاجية فى ميدان روكسى بمصر الجديدة ولكنهم ألغوا موعد مصر الجديدة وتقرر أن يكون الاجتماع فقط عند نقابة الصحفيين معقل الحريات والدفاع عن المظلومين والمطالبين بالحقوق حتى إن اختلف حولها البعض.


وداعا شاهندة صاحبة الوطنية المصرية هكذا كان يهتف الآلاف فى تشييع جثمانها لتغيب سيدة أخرى من جيل تعلم الصمود وضبط تحركاته على بوصلة حب الوطن وإلى أن نلتقى.