عن الداعشية التى تسكن نفوسنا

08/06/2016 - 9:35:02

بقلم - أحمد بان

أطلقت حادثة تعرية سيدة مصرية من ملابسها فى إحدى قرى المنيا، على يد مجموعة من الغوغاء البرابرة على خلفيات طائفية أو اجتماعية أو حتى سياسية، وبعيدا عن حقائق وكواليس المشهد الكارثى، فإننا نناقش فقط كيف يتنكر مجموعة من المصريين بصرف النظر عن مستوى تعليمهم أو ثقافتهم لكل القيم والمعايير الأخلاقية، بل وحتى الحد الأدنى من الأخلاق الإنسانية إلى حد الوصول إلى هذا المستوى من الاستباحة لعرض إمرأة فى السبعين من عمرها أو أيا كان عمرها، ما يعنينى حرمتها كامرأة خصوصا فى الصعيد الذى تقول أعرافه حتى القبلية، أنه لايصح أن تأخذ ثأرك من رجل بصحبة سيدة احتراما لها، أو تتشاجر حتى مع سيدة أو تعتدى عليها وأن بادرت هى بالتجاوز، بل وحتى عدم مبادرتها بالسلام لو قابلتها فى طريق احتراما للمرأة التى تسمى حرمة من حرمتها، والتأكيد على حمايتها وهو الأثر الاجتماعى، الذى كان وليد سبائك حضارية متتالية ..


صنعت هذا التقديس للمرأة، أما وأختا وزوجة وملكة متوجة فى القلوب وحتى فى البلاد، التى قبلت فى مراحل متعددة من تاريخها أن تحكم البلاد سيدة، ولايزال تاريخنا يحفظ أسماء ميريت نت أول ملكة امرأة تحكم فى العالم كانت مصرية، ولم تكن الوحيدة فى تاريخ مصر بل تلتها فى العصور الفرعونية ملكات مثل خنت كاوس، نيت إقرت،سبك نفرو، ثم حتشبسوت أقوى ملكات مصر والتى حكمت البلاد لعقدين من الزمان، تاوسرت، نفرتيتى أجمل الملكات، نفرتارى، كليوباترا الثانية، برنيقة، كليوباترا السابعة التى عشقت أنطونيو وانتحرت، ثم شجرة الدر أقوى سيدة حكمت مصر فى العصر المملوكى، كلهن نساء فى تاريخ هذا البلد سمح لهن مناخ سياسى وثقافى واجتماعى بأن يشقوا طريقهم نحو حكم البلاد دون حرج اجتماعى أو دينى، مما رسخ مناخا يحترم المرأة ويضعها فى مكانها اللائق فى القلوب والعقول، بما عكس درجة واضحة من التحضر والإنسانية التى توارت تحت وطأة ما يسميه عالم الاجتماع المصرى أحمد زايد الانحطاط وانعدام النخوة، حيث يرى المجتمع المصرى يعانى من الإرهاب الرابض والداعشية الناتجة عن غياب التعليم والثقافة والتفكير العقلانى، لافتا إلى أن الثقافة الريفية التى بنيت على كبح جماح الشباب فقدت توازنها واختلت، وأن الشباب تشبع من الخطاب الدينى المتشدد الذى بات يكفر كل الأديان، وأن غريزة الانتقام والثأر تسيطر عليهم عقب أى إشاعة تمس معتقداتهم أو أفكارهم المشوهة، كما سيطر الإرهاب على أفكار منتسبى داعش تجاه من يحددهم كأعداء أوخصوم.


هذا الحادث الذى نحن بصدده رغم خطورته ووحشيته إلا أنه ربما ليس الأول وقد لايكون الأخير، بالنظر إلا أن البيئة التى تنتجه لم تمتد لها يد الإصلاح أو التقويم من جهة، كما أن العاصم الرئيس وهو سلطة القانون الذى تصنعه سلطة الدولة أيضا يحتاج إلى إعادة نظر، جرت العادة فى مثل تلك الحوادث أن يتعاون الأزهر مع الهيئات المحلية والقبلية مع الدولة ممثلة فى ذراع السلطة التنفيذية، فى إجهاض معنى القانون والدولة وتعزيز العرفية والقبلية فى النفوس، بتعطيل تطبيق القانون والتعاطى مع تلك الكوارث بالجلسات العرفية وتبويس اللحى.


الفوضى التى تسكن العقول ستبقى تنتج أثارها فى حياتنا مشاهد من الانحراف والشذوذ، التى قد لاتق فى عن تعرية سيدة مسنة من ملابسها فى عرض الطريق، تلك الفوضى تحتاج إلى اشتباك عاجل تشرحه مقترحات عالم كالدكتور نصر عارف، أستاذ السياسة والصعيدى الذى نبت فى تلك الأرض الطيبة، والتى عرضها فى سياق اشتباك عاجل مع تلك الحادثة مقترحات مثل تجريم أى ألفاظ تُقال فى خطب الجمعة أو فى الكنائس، فى التليفزيون أو فى الصحافة، تنال من عقائد شركاء الوطن، ومن مقدساتهم.


الانتهاء من وضع قانون العبادة الموحد الذى يسمح بإنشاء دور العبادة طبقًا لعدد السكان فى كل منطقة، وهنا لا بد من أن تحدد الدولة عدد المسلمين والمسيحيين، بحيث تكون دور العبادة كافية من حيث العدد، قريبة من حيث المكان.


وضع جميع المساجد تحت رقابة وزارة الأوقاف، ومنع غير المنتمين إليها من الخطابة فيها.


عودة القساوسة لإدارة الكنائس، وإبعاد الرهبان المسيسين، الذين جاءوا من أديرة بعيدة، لا يعرفون أهل البلاد التى انتقلوا إليها، ولم يعاشروهم، ولم يعاشروا مسلمين طوال فترات رهبنتهم.


منع الكنيسة من أن تكون هى المتحدث باسم الأقباط، لأن الكنيسة ليست دولة داخل الدولة، والأقباط ليسوا شعبًا غير الشعب، الأقباط مواطنون، هم أصل مصر، وأهلها، وأصحابها قبل المسلمين، لذلك يجب يعاملوا كمواطنين، وليس كرعاية للكنيسة، إذا أصاب أحدَهم ظلمٌ، أو عدوانٌ، فالدولة هى التى تحميه وتأخذ حقه، وليس الكنيسة، لأن حضور الكنيسة فى هذه الحالات ينفى مفهوم المواطنة المتساوية، ويجعل المسيحيين يبدون كأنهم شعب الكنيسة أو قبيلة الكنيسة.


أن يبتعد كل من الأزهر والأوقاف والكنيسة عن السياسة، ولا يحق لمن ينتمى لهذه المؤسسات التدخل فى أى شأن هو من اختصاصات الدولة.


القيام بثورة ثقافية فى مصر، تسهم فيها جميع المؤسسات لإنقاذ مصر من حالة الانحطاط الأخلاقى التى وصل إليها شعبها، وربما هذا بالضبط مربط الفرس، ثورة أخلاقية تحتاجها بلادنا ثورة تستعيد دور مؤسسات التنشئة لتنهض بدورها، وهى التى يتكبد دافع الضرائب أمواله من أجل أن تؤدى هذا الدور وزارة الثقافة، التى أطلقت فى الستينيات مشروع الألف كتاب، وأطلقت نهضة معرفية حقيقية أنتجت جيلا مسيسا ومستنيرا لا أعلم ماذا تفعل قصور الثقافة بعيدا عن احتفاليات موسمية لايقربها حتى موظفو الوزارة، تأملوا إنتاجها الفكرى وكيف اشتبكت مثلا مع قضية التطرف والإرهاب وتدنى القيم فى مجتمعنا بل وغيابها بالأحرى.


وزارة الإعلام التى لم تنجز حتى الآن ميثاق شرف يحكم سلوكها وأداء منتسبيها، فضلا عن أجندتها وأهدافها أما عن الأداء فحدث ولا حرج، وأنا فقط أسأل ماذا تفعل ٤٨ قناة حكومية مقارنة بقناة واحدة خاصة تضعها الحيوية والمهنية فى بؤرة الاهتمام والتأثير..


أما التعليم حجر الزاوية فى أى نهضة أو سقوط، والذى قررت نسب الإنفاق عليه فى الدستور والذى يكفى فقط أن أقول لك عزيزى القارئ أنه فى دولة كتونس التى أفلتت من مصيرنا السياسى والثقافى، كان بورقيبة ينفق على التعليم ٢٨ ٪ من الميزانية راجع حجم إنفاقنا على التعليم فضلا عن محتواه ومضمونه وأهدافه وفلسفته، لتدرك إلى أين وصلنا وإلى أين نحن ذاهبون.


أما الخطاب الدينى الذى يختزله البعض فى خطاب دينى واحد هو خطاب الأزهر والأوقاف، فلايزال هو الأضعف تأثيرا مقارنة بخطاب مجموعات الإسلام الحركى إخوانا كانوا أم سلفيين أم دواعش، وهو ما يستلزم البحث والنظر فى أهمية إطلاق مناشط وعى لاتقف عند الأزهر والمؤسسة الرسمية، بل المزاوجة بين أزهر جاد مستنير تقدمى ومجتمع مدنى ومفكرين يدعمون تطوره للأمام.


نحن بحاجة إلى الاشتباك العاجل مع العقل المصرى فى خطة إنقاذ تستنهض همة الثقافة والإعلام والتعليم والشباب والرياضة، ليضعوا خطة لهذا الجيل قبل أن تتحول مصر إلى مجتمع يخلو تماما من أى قيم دينية أو وطنية أو إنسانية، بينما تسكن داعش عقله ووجدانه.