فيضانات.. إضرابات.. مظاهرات.. إرهاب فرنسا على صفيح ساخن قبل انطلاق اليورو

08/06/2016 - 9:32:42

رسالة باريس: ماهيتاب عبد الرؤوف

وسط حالة الطوارئ التي تعيشها فرنسا بسبب الفيضانات التي اجتاحت العديد من المناطق لاسيما باريس، ومع تصاعد الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد اعتراضا على مشروع قانون العمل، فضلا عن حالة الحذر والقلق من وقوع هجمات إرهابية بين لحظة وأخرى، تنطلق يوم الجمعة النسخة الـ١٥ من بطولة أمم أوربا القادمة «يورو ٢٠١٦»، على عشرة ملاعب في ٩ مدن فرنسية.


وتستضيف فرنسا بطولة «اليورو ٢٠١٦» في وقت ضربت فيه الفيضانات وسط البلاد في كارثة لم تشهدها الأراضي الفرنسية منذ نحو ١٠٠ عام بسبب الأمطار الغزيرة التي استمرت لعدة أيام وأدت إلى وقوع ما لا يقل عن أربع ضحايا و٢٠ مصابا، وإجلاء الآلاف من منازلهم في العاصمة وضواحيها وجنوبها، وارتفع منسوب «نهر السين» لأعلى مستوياته لأول مرة منذ أكثر من ثلاثين عاما حيث اقترب من  ستة أمتار ونصف المتر، مما دفع السلطات الى إغلاق متحفي «اللوفر» و «أورساي» الواقعين على ضفة «السين» في وسط باريس، فضلا عن إجلاء ونقل عدد من التحف والوثائق الهامة بهما، وأوقفت حركة القوارب النهرية، مما أثر على حركة السياحة التي تكبدت خسائر كبيرة.


كما أجبرت هذه الكارثة الشركة المشغلة للقطارات على إغلاق عدد من المحطات لاسيما أحد الخطوط الذي يمر بمحاذاة النهر، وأعلن الرئيس فرانسوا أولاند حالة الطوارئ في أكثر المناطق تضرراً، واعتبر أن الأمطار الغزيرة غير الاعتيادية في هذه الفترة من السنة (نهاية مايو/أول يونيه)، تؤكد الأهمية العاجلة لمواجهة ظاهرة التغير المناخي.


حصار..إضراب..مظاهرات


ولا تعد هذه الكارثة هي التحدي الوحيد الذي يواجه الحكومة الفرنسية قبل انطلاق بطولة اليورو، بل هناك حالة غليان بالبلاد بسبب الإضرابات في مختلف القطاعات والمظاهرات الحاشدة المستمرة منذ ٩ مارس الماضي احتجاجا على إصلاح مشروع قانون العمل المعروف إعلاميا «بقانون الخمري» نسبة إلى مريم الخمرى وزيرة العمل، والذي يعتبره المتظاهرون أنه يعطي مزايا أكثر لأرباب العمل ويطالبون بالتراجع عنه حفاظا على مكتسباتهم، إلا أن رئيس الوزراء مانيول فالس -والذي يرى أن هناك من يسعى لإسقاط حكومته- قد أكد على المضي قدما في هذا المشروع.


ومع تأكيد الرئيس الفرنسي ورئيس الحكومة أنه لا تراجع عن إصلاح قانون العمل، فقد دعت عدة منظمات ونقابات وعلى رأسها اتحاد النقابات العمالية إلى مزيد من التصعيد، وتم تنظيم إضرابات في قطاعات حيوية تسببت في حالة شلل بالبلاد هزت صورة فرنسا أمام أوربا قبل انطلاق بطولة اليورو التي ستستمر حتى ١٠ يوليو المقبل.


فقد قام العاملون بالمفاعلات النووية بإضراب، مما هدد بعض المناطق بانقطاع التيار الكهربائي، نظرا لأن الطاقة النووية هي المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء في فرنسا. كما قطع عمال شركة كهرباء فرنسا «أو.دي.اف» التيار عن بلدية «سان نازار» (غرب فرنسا) وحرمان نحو ١٢٠ ألف منزل من الكهرباء لنحو ساعتين. 


وحاصر المحتجون عددا من مصافي النفط، مما دفع السلطات إلى السحب من مخزونها الاستراتيجي لسد احتياجات محطات الوقود، وبعد رفع الشرطة لهذا الحصار، دعا اتحاد العمال إلى إضراب في مصافي النفط. وقد قام بالفعل عمال شركة «توتال» النفطية بإضراب إلى أجل غير مسمى حتى يتم سحب قانون العمل المثير للجدل، مما كبد المجموعة النفطية العالمية خسائر فادحة قدرت بنحو ٤٠ مليون يورو أسبوعيا. وأوصت الإدارة العامة للطيران المدني الفرنسية شركات الطيران العاملة في فرنسا إلى التزود بالوقود الكافي في الخارج، حتى تتمكن من القيام برحلتين متتاليتين أي تنفيذ الرحلة اللاحقة، وهذا يعني أعباء مالية إضافية على شركات الطيران، نظرا لارتفاع سعر الوقود في بعض الدول عن السعر بفرنسا.


واتسعت الاحتجاجات مع استمرار قيام العاملين بمترو الأنفاق والقطار بإضرابات متتالية. وازداد الأمر سوءا بانضمام المراقبين الجويين فى فرنسا ‏للإضراب، الأمر الذي دفع بعض شركات الطيران بإلغاء عدد من رحلاتها ومطالبة المسافرين بمراجعة حجوزاتهم.


وقد حذّر الرئيس الفرنسي القائمين على الاحتجاجات ضد قانون العمل من خطورة الإضرار بالاقتصاد الفرنسي «بينما يعاود الانطلاق» ، معتبرا أن هذا ليس الوقت المناسب لتعريض الاقتصاد الفرنسي للخطر أو لوضع صعب.


وهذه الأوضاع المضطربة التي تعرقل حركة البلاد بالإضافة إلى كارثة الفيضانات قد تؤثر بشكل كبير على استضافة فرنسا لبطولة الأمم الأوربية ، فهو أمر - بحسب المراقبين - غير مريح بالنسبة لأي مشجع أوربي ينوي القدوم لمتابعة البطولة على أرض فرنسا. فوفقا لاستطلاع للرأي أجراه معهد «ايلاب» لصالح قناة «بي اف ام» الإخبارية الفرنسية  فإن ٧٨٪‏ من الفرنسيين يرون أن حركة الاحتجاجات الاجتماعية ستؤثر على تنظيم بطولة اليورو، وبحسب استطلاع آخر  أجراه معهد «اودوكسا» لصالح صحيفة «لوباريزيان» و»فرانس اينفو»  على ١٠٢٠ شخصا فوق الـ١٨ عاما أجابوا  على سؤال: من سيكون المسئول في حال حدوث  اضطرابات خلال استضافة اليورو؟ حيث إن ٦١٪‏ من الفرنسيين أجابوا أن الحكومة ستكون مسئولة وحدها بسبب تمريرها مشروع إصلاح قانون العمل بالقوة، بينما اعتبر ٣١٪‏ أن النقابات العمالية المتطرفة التي تنوي تنظيم مظاهرات أثناء البطولة هي المسئولة لعدم تحليها بالمسئولية.


كما يرى ٧١٪‏ من الفرنسيين أنه إذا تأثر تنظيم البطولة فستكون  له تداعيات  سلبية على صورة فرنسا  أمام العالم، في حين أكد  ٧٠٪‏ أنه سيكون له أضرار على السياحة، و٥٨٪‏ يقولون إن التأثير سيكون على النمو الاقتصادي بالبلاد.


الإرهاب وتأمين بطولة أوربا


وبخلاف المظاهرات والإضرابات والحصار، فمن  أصعب التحديات التي تواجه الحكومة الفرنسية خلال تنظيم بطولة أوربا هو عملية التأمين، فالتهديد الإرهابي الذي يستهدف بالأساس فرنسا في مقدمة أوربا لا يزال في أعلى مستوياته بالبلاد.     


 فعلى السلطات الفرنسية تأمين المظاهرات والمتظاهرين ومواجهة مثيري الشغب خلال الاحتجاجات التي ستنظم خلال البطولة، وكذلك تأمين ١٠ ملاعب في تسع مدن تجرى عليها مباريات البطولة، فضلا عن تأمين ساحات التشجيع التي يتجمع فيها مئات الآلاف من عشاق كرة القدم مثل ساحة «شون دو مارس» أمام «برج إيفل» بباريس  والتي يمكنها  استيعاب نحو ٩٢ ألف مشجع لمتابعة المباريات على الشاشات العملاقة. 


وقامت وزارة الداخلية الفرنسية بإخضاع مناطق تجمعات واحتفالات المشجعين للرقابة ووضعت كاميرات فيديو لمراقبة هذه الأماكن، وقد أعلن وزير الداخلية برنار كازنوف أن نحو ٧٧  ألف شرطي سيتولون حماية بطولة كأس الأمم الأوربية في حشد غير مسبوق (ويصل العدد الإجمالى إلى ٩٠ ألفا لمشاركة قوات من الجيش وآخرين في عمليات التأمين)، وأكد وزير الداخلية أن بلاده ستفعل «أقصى ما تستطيع لتفادي أية أعمال إرهابية» خلال البطولة، وقد سبق وحذر كازانوف -منذ نحو منذ شهرين أمام لجنة القوانين بمجلس الشيوخ عشية عرض مشروع قانون على مجلس الوزراء للمرة الثالثة لتمديد حالة الطوارئ لمدة شهرين- من خطر أى هجمات إرهابية قد تحدث خلال «اليورو» ، مؤكدا أن مجموعات متطرفة لا يزال يمكنها استهداف فرنسا، وقال كازنوف «إن هذه التظاهرة الاحتفالية الدولية ستمثل خطرا، وعلينا قول ذلك بسبب القدرة التى لا تزال لدى المجموعات على استهداف بلداننا(..) لا يجب أن نعتقد لأننا فى مأمن لأو لأن الخطر الوشيك الذى برر فى نوفمبر الماضى إعلان حالة الطوارئ قد زال».


وعلى الرغم من عدم وجود دليل ملموس لاستهداف «داعش» أو غيره من التنظيمات الأوربية لبطولة اليورو، إلا أن التصريحات التي صدرت عن بعض الدول مثل الولايات المتحدة وألمانيا وكذلك عن الاستخبارات الفرنسية نفسها قد تهدد نسب حضور المباريات أو إقبال المشجعين على فرنسا لمتابعة البطولة.


فرئيس جهاز المخابرات الداخلية الفرنسية باتريك كالفار حذّر من أن مقاتلي داعش يستعدون لحملة من الهجمات على الحشود الكبيرة المتوقعة في بطولة أوربا لكرة القدم، وهذا ما أكده  الرئيس الفرنسي الذي صرح بأن الإرهاب من أكبر التحديات الرئيسية لبطولة اليورو، وليس الحركات الاحتجاجية بالبلاد، ومن جانبه قال رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني، هانز جيورج  إن «داعش» يضع بطولة «اليورو» نصب عينيه، أما الولايات المتحدة  فقد حذّرت في بيان صادر عن الخارجية الأمريكية، رعاياها من خطورة استهدافهم بهجمات إرهابية خلال بطولة اليورو، مشيرة إلى أن عددا كبيرا من السياح المتوجهين لأوربا الصيف الجاري محل استهداف من قبل الإرهابيين، خصوصاً بمناطق التجمعات والأحداث الرياضية.


 



آخر الأخبار