أفيقوا يرحمكم الله : جمعيـــات أهليـــة فـي خــدمـــة الإخــــوان!

16/09/2014 - 10:04:29

عبدالقادر شهيب عبدالقادر شهيب

بقلم: عبدالقادر شهيب

قبل أن يسعي الأمريكان لاختراق المجتمع المدني المصري بأموالهم وتوظيفه لخدمة السياسات الأمريكية في بلدنا ، فإن الإخوان سبقوهم إلي ذلك مبكراً جدا.. ولعلنا نتذكر كيف تأسست جماعة الإخوان عام 1928 كجمعية أهلية دينية دعوية، بينما كان مؤسسها حسن البنا يضمر تحويلها سريعاً إلي جماعة سياسية، وأعلن ذلك بعد مرور عشر سنوات علي تأسيسها، وكشف أن هدفها هو الوصول إلي السلطة واستعادة الخلافة الإسلامية!


وآخر إحصاء لوزارة الشئون الاجتماعية قبل 25 يناير 2011 يكشف عن مفاجأة صارخة وهو وجود نحو 2.12 ألف جمعية أهلية لدينا ذات طابع ديني من بين نحو إجمالي 29 ألف جمعية أهلية لدينا وقتها.. ولعل هذه النسبة الكبيرة (40%) ارتفعت ولم تتناقص بعد 25 يناير 2011، خاصة أنه تم تأسيس أكثر من 17 ألف جمعية أهلية جديدة ثمة تقارير تشير إلي ارتباط نحو 11 ألف جمعية منها بالإخوان والتيار الإسلامي السياسي في المحافظات المختلفة.


لذلك يأتي في وقته تماماً تحذير وزير الأوقاف د. محمد مختار جمعة من تلك الجمعيات الأهلية ذات الطابع الديني التي يوظفها الإخوان وغيرهم من قوي تيار الإسلام السياسي لصالحهم سياسياً، خاصة أن هذا التحذير اقترن بتوجيه إنذار لإحدي الجمعيات الدينية التي تتساهل مع دعاة ينتمون للإخوان أو السلفيين للترويج لأفكارهم ورؤاهم السياسية من علي منابر المساجد التابعة لها.


فنحن نتأهب لإتمام الاستحقاق الثالث والأخير لخارطة المستقبل وهي الانتخابات البرلمانية.. وإذا كان الإخوان قد قرروا مقاطعة الاستحقاقين الأول والثاني (الدستور وانتخابات الرئاسة) فإنهم يخططون الآن للمشاركة في الانتخابات البرلمانية متخفين بأردية عدد من الأحزاب الدينية ونحن لدينا العديد منها، بل حتي تحت لافتات عدد من الأحزاب المدنية التي سيخترقونها بأموالهم التي تحتاجها هذه الأحزاب لتمويل معركتهم الانتخابية.


لقد تخلصنا فقط من حزب ديني واحد هو الحزب الذي أسسه الإخوان علي عجل في بداية عام 2011 استجابة لنصيحة أمريكية، لكي يخوضوا به الانتخابات البرلمانية ثم الانتخابات الرئاسية.. ولكن مازال لدينا مجموعة أخري من الأحزاب الدينية القائمة مثل أحزاب النور والوسط والوطن ومصر القوية والبناء والتنمية والأصالة.. وإذا كان قادة حزب النور ينكرون أن حزبهم ديني فإن رئيس حزب مصر القوية لا ينكر انتماءه الفكري للإخوان، وكل من حزب الوطن والبناء والتنمية يجاهران بالتحالف مع الإخوان وإصرارهما علي إسقاط الحكم الجديد في البلاد الذي جاء بأغلبية ضخمة في انتخابات نظيفة، أما حزب الوسط فإن خروجه من التحالف الإخواني لا يلغي إخوانية قادته ومؤسسيه أيضا.. وهذا أمر يرفضه دستورنا الجديد الذي حظر وجود أحزاب دينية.


وتجربة تأسيس حزب الإخوان الذي اختاروا له اسم الحرية والعدالة تفضح الطبيعة الدينية لكل هذه الأحزاب، وتوضح أن هذه الأحزاب هي ستار لجماعات ومجموعات ترمي لتحقيق أهداف خاصة أخري تتناقض وتتعارض مع دستورنا .


وتحت يدي تسجيل لاجتماع مجلس شوري جماعة الإخوان الذي خصص لمناقشة تأسيس حزب الحرية والعدالة وصياغة لائحته، والأهم تحديد علاقته بالجماعة بعد التأسيس.. وهذا التسجيل يوضح بجلاء أن حزب الحرية والعدالة لم يكن في حقيقته حزبا وإنما كان هو في الأساس أداة جديدة للجماعة انتزعت قانونيتها لتخوض بها الانتخابات البرلمانية والرئاسية، أو بالأصح قسم جديد من أقسام الجماعة المختلفة، أضافته قيادتها لها لأنها صارت تحتاج إليه، واستجابة لنصيحة أمريكية قديمة لقادة الجماعة عام 2008،


لقد حدد المجتمعون (أعضاء مجلس شوري الإخوان) علاقة الجماعة بالحزب استهل به أمين الجماعة د. رشاد البيومي الاجتماع حينما قال صراحة إن (حسن البنا حدد جماعة الإخوان باعتبارها هيئة إسلامية شاملة تشمل جميع نواحي الإصلاح، ومن هذه النواحي أننا هيئة سياسية والعمل السياسي جزء منها والحزب إحدي وسائل هذا العمل السياسي، وبذلك يمكن تحديد العلاقة بين الحزب والجماعة).


وتأسيساً علي ذلك فقد تم الاتفاق داخل مجلس شوري الجماعة علي أن يستأثر أعضاء الجماعة بالنسبة الغالبة (80%) من إجمالي عضوية الحزب، واختار المجلس رئيسا لهذا الحزب بالتصويت، والذي انتهي بعد اعتذار كل من خيرت الشاطر وحلمي الجزار عن هذا المنصب لاختيار محمد مرسي بعد إعادة الانتخابات بينه وبين الكتاتني، بينما خرج كل من عصام العريان وسعد الحسيني من الجولة الأولي للتصويت.. وكذلك حدد مجلس شوري الجماعة لائحة الحزب، وأقر أيضا البرنامج الخاص بالحزب، والأهم أكد أن مرجعية قيادة الحزب هي قيادة الجماعة، بما يعني رجوع قيادة الحزب في القرارات التي تتخذها إلي قيادة الجماعة للحصول علي موافقتها عليها.. حتي مرشحي الحزب في الانتخابات البرلمانية الذي اختارهم هو قيادة الجماعة، والإنفاق علي المعركة الانتخابية كان يتم من محفظة الجماعة.. باختصار هيمنت الجماعة تماما علي الحزب لأنها اعتبرت منذ البداية، أن ثمة ارتباطا أيديولوجيا بينهما، كما قال رشاد البيومي.. ولعل ذلك كان سبب اختيار الإخوان للحزب لقب الذراع السياسية للجماعة.


وذات الحال ينطبق علي بقية الأحزاب الدينية الموجودة في بلادنا، والآن مازلنا نسكت وبشكل مريب علي وجودها حتي الآن، رغم أن هذا الوجود يتعارض مع دستورنا الذي يحظر قيام الأحزاب الدينية.. فإن حزبا مثل البناء والتنمية لا يخفي أنه الواجهة السياسية للجماعة الإسلامية التي تورطت في ممارسة العنف داخل البلاد قبل وبعد 30 يونيه، كما أن حزب النور لايخفي أنه حزب يضم السفليين الذين شاركت أعداد ليست قليلة منهم في الاعتصام المسلح في رابعة دعماً للإخوان ومساندة لهم في استعادتهم للحكم الذي أطحنا بهم منه.. أما حزبا الوسط ومصر القوية فإن قادتهما يجاهرون بإخوانيتهم، بل إنهم يعتقدون أنهم إخوانيا هم الأنقي والأحرص علي الدعوة الإخوانية، وهذا أحد أسباب ابتعادهم عن الجماعة في ظل الصراع بينهم وبين قادتها، خاصة خيرت الشاطر ومحمود عزت،للسيطرة علي شئون الجماعة.


وكل هذه الأحزاب الدينية وقبلها الإخوان، يستثمرون ويستغلون عددا من الجمعيات الدينية للترويج لأفكارهم ورؤاهم، ومن ثم الدعاية لمرشحيها في الانتخابات البرلمانية المقبلة.. وإذا كان ذلك حدث بالفعل من قبل وعانينا كثيرا منه فإنه لم يتوقف الآن بعد 30 يونيه وبعد سعي وزارة الأوقاف للسيطرة علي المساجد ومنع استخدام منابرها أو ساحتها - كما حدث كثيرا - في تحقيق أهداف سياسية مباشرة وصريحة وواضحة! .. وهنا يمكننا أن نفهم ونقرأ تحذير وزير الأوقاف من تلك الجمعيات الدينية التي تمارس أعمالا سياسية لتحقيق أهداف حزبية، وهو التحذير الذي اقترن بإنذار الجمعية الشرعية لأن بعض مساجدها تستغل لأهداف سياسية وحزبية .


وإذا كان لدينا كل هذا العدد الكبير والضخم من الجمعيات الأهلية ذات الطابع الديني الذي يتجاوز الاثني عشر ألف جمعية، فهذا يعني أن جماعات الإسلام السياسي وأحزابها لديها قدرات وإمكانيات هائلة ليست متوفرة للأحزاب المدنية.. فهذه الجمعيات الأهلية في الأغلب تخلط متعمدة وبشكل ممنهج ما بين الديني والسياسي.. وهذا ما فعله حسن البنا حينما أسس جماعة الإخوان لتكون (هيئة شاملة جامعة)، دينية وسياسية في ذات الوقت.. وعلي ذات الدرب سار السلفيون بعد 25 يناير ويشجعهم علي الاستمرار في ذلك الطريق أنه مكنهم من الحصول علي قرابة ربع مقاعد البرلمان في الانتخابات البرلمانية السابقة.


وحتي إذا تجاوزنا عن وجود هذه الأحزاب الدينية الصريحة، فضلا عن عدائها الصريح المعلن لحكم 30 يونيه، فإن الانتخابات البرلمانية في أغلبها سوف تتم بالنظام الفردي، وهذا سيمنح الفرصة لمن يريدون خوض هذه الانتخابات مستقلين ودونما حاجة لإشهار أو إعلان هويتهم السياسية وانتمائهم الحزبي.. وهنا تقرر الجمعيات الأهلية الدينية أن تدعم وتساند بعض المرشحين المستقلين سواء من خلال حشد أعضائها والمرتبطين بها للتصويت لهم في الانتخابات أو من خلال الإنفاق المالي علي حملاتهم الانتخابية.


ولعلنا نتذكر كيف أن جمعية أنصار السنة المحمدية حصلت في شهر واحد هو شهر فبراير 2011- كما يقول تقرير تقصي الحقائق لحكومة شرف عن التمويل الأجنبي للمجتمع المدني المصري - علي حوالي 181 مليون جنيه من ثلاث جمعيات أهلية قطرية وتركية، وهو مبلغ يفوق أضعاف أضعاف ما كانت تحصل عليه الجمعية المصرية من المساعدات المالية لهذه الجمعيات العربية في السنوات السابقة.. وقد قالت جمعية أنصار السنة إنها خصصت نحو 30 مليون جنيه للإنفاق علي الفقراء وكفالة اليتامي، فيما قالت إنها خصصت الباقي (150 مليون جنيه) لأغراض تنموية لم تحددها.. وهذا ما أثار شكوكا في إمكانية استخدام التمويل الأجنبي لبعض الجمعيات الدينية في الإنفاق علي تحقيق أهداف سياسية وحزبية، خاصة أن حزب النور الجديد فاجأ الجميع بالحصول علي قرابة ربع مقاعد البرلمان، بينما لم تحصل أحزاب عريقة مثل الوفد علي ربع ما حصل عليه حزب حديث النشأة.


وإذا كان أمر الأحزاب الدينية متروكا الآن للقضاء ليفصل فيه بعد أن صار لدينا دستور يحظر تأسيس وجود الأحزاب الدينية، فان أمر الجمعيات الأهلية الدينية لا يحتاج الاحتكام إلي القضاء .. فإن القانون الحالي للجمعيات الأهلية يمنح وزارة التضامن الاجتماعي حق الرقابة المالية وغير المالية علي كل الجمعيات وأنشطتها ومن بينها بالطبع تلك الجمعيات الأهلية الدينية.


لقد أدي وزير الأوقاف ومازال يؤدي دوره في حماية منابر المساجد من استغلالها سياسياً سواء من قبل الإخوان أو السلفيين، رغم الشائعات التي طالته في الأيام الأخيرة والتي تحدثت عن صفقات تتم بين وزارة الأوقاف والسلفيين تحت المائدة وسرا لمساعدتهم في الانتخابات البرلمانية المقبلة.. والآن بات من الضروري أن تقوم وزيرة التضامن الاجتماعي هي الأخري بدورها في وقف استغلال الجمعيات الأهلية ذات الطابع الديني لخدمة الأحزاب والقوي السياسية الدينية.. وأظن أن تحذير زميلها وزير الأوقاف من هذه الجمعيات الأهلية، ومطالبته بأن تتفرغ لدورها الذي قامت من أجله سواء (خدميا ورعويا أو تنمويا أو حتي حقوقيا)، يحفز وزيرة التضامن علي الإسراع باتخاذ موقف حاسم تجاه هذه الجمعيات الدينية التي وضعت نفسها في خدمة أغراض سياسية وحزبية.


إن المجتمع المدني مهم وضروري في أي بلد يبغي أن يكون ديمقراطيا.. فلا ديمقراطية بدون مجتمع مدني نشط وفعال وقوي.. ولكن العمل السياسي والحزبي ليس من أهداف المجتمع المدني ولا من دوره .. ولذلك لا تعد الأحزاب من مكونات المجتمع المدني. ومن يرد العمل السياسي المباشر فليعمل في إطار الأحزاب، ليؤسس حزبا أو ينضم لحزب قائم بشرط ألا يكون هذا الحزب دينيا لأن ذلك ممنوع دستوريا.. أما أن يتخفي وراء جمعية أهلية كما يحدث حالياً فهذا أمر يجب أن يتوقف فوراً، وإلا مكنا الإخوان وحلفاءهم من رقابنا - لا قدر الله - مجدداً.


أفيقوا يرحمكم الله