محمد على كلاى رحيل الأسطورة

08/06/2016 - 9:30:29

تقرير: نهال الشريف

«أتمنى أن يتذكر الناس أننى لم أبع شعبى أبدا وإذا كان ذلك كثيرا فليتذكروا أننى كنت ملاكما مميزا ولن أغضب كثيرا إذا لم يتذكروا كم كنت وسيما»


اكتست مدينة لويزفيل بولاتر كنتاكى الأمريكية بالحزن ونكست الأعلام لرحيل أحد أشهر وأهم أبنائها بطل الملاكمة العالمى محمد على كلاى عن عمر يناهز ٧٤ عاماً بعد صراع مع المرض


حسب توصية أسطورة الملاكمة تجرى مراسم توديعه وجنازته فى مسقط رأسه فقد أوصى أن تجوب الجنازة شوارع المدينة وأن تمر بالحى الذى ولد فيه وبمركز محمد على كلاى الثقافى. وتتضمن الجنازة التى تجرى مراسمها بعد غد الجمعة إلقاء كلمات تأبين من شخصيات بارزة يتقدمها الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون والصحفى برايانت جامبل والممثل الكوميدى بيللى كريستال ثم يوارى الثرى فى مقبرة المدينة بحضور أفراد أسرته.


أما مراسم الصلاة فستجرى فى المجمع الرياضى KFC والذى يتسع لـ٢٢ ألف شخص ويؤم الصلاة أحد أئمة المسلمين، ولكن يحضر أيضاً رجال دين من غير المسلمين كون محمد على شخصاً متسامحاً مع معتنقى الديانات الأخرى.


رحل الأسطورة ولكنه ترك تراثاً رياضيا وإنسانياً حافلا، فقد بدأ رحلته مع عالم الرياضة فى سن الثانية عشرة وأحب الملاكمة ليحمى نفسه من اعتداءات الآخرين عليه حيث ولد ونشأ فى وقت سيطرت فيه مشاعر وسلوكيات التفرقة العنصرية على المجتمع الأمريكى.


وحصل على الميدالية الذهبية فى أوليمبياد روما عندما كان فى الثامنة عشرة من عمره وشق طريقه فى عالم البطولات حتى حاز لقب بطل العالم ثلاث مرات. وعند فوزه باللقب لأول مرة أخذ يصيح «أنا أعظم ملاكم» وكان ذلك بعد أن تغلب بشكل مفاجئ على الملاكم الشهير سونى ليستون. كما حقق اللقب مرة أخرى فى مباراة القرن التى هزم فيها جو فريزر فى مانيللا وفى المرة الثالث عام ١٩٧٤ فاز باللقب بعد هزيمته جورج فورمان فى مباراة جرت فى كينشاسا.


وخلال رحلة حياته كان تأثيره خارج الحلبة لايقل عن تأثيره داخلها. وكان تحوله إلى اعتناق الإسلام وانضمامه لجماعة «أمة الإسلام» الأمريكية سبباً فى اصابة المجتمع الأمريكى الأبيض بالذهول. وقام بتغيير اسمه من كاسيوس كلاى إلى كاسيوس اكس ثم إلى محمد على وهو الاسم الذى رافقه حتى مماته.


لم يكن هناك من الحق به الهزيمة حتى عام ١٩٦٧ ولكنه جرد من ألقابه بعد أن رفض محمد على أن يلتحق بالجيش الأمريكى كمجند أثناء الحرب الأمريكية فى فيتنام وقال فى مقابلة تليفزيونية أجريت معه حينذاك ليس لدى ما أقاتل الفيتكونج بسببه. ضميرى لن يسمح لى أن أقتل أخى أو أى شخص ذي بشرة سمراء. إنهم فقراء جائعون ولن ألقيهم فى الوحل من أجل أمريكا القوية. لماذا أقتل هؤلاء؟ إنهم لم ينادونى بالزنجى ولم يسخروا منى ولم يعاملونى باستعلاء. وبسبب موقفه هذا اتهم محمد على بالتهرب من التجنيد وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات ثم أفرج عنه بعد استئناف القضية ولكن لم يكن مسموحاً له بالعودة لحلبة الملاكمة أو مغادرة البلاد. كما تم تجريده من ألقابه وبطولاته. خلال تلك الفترة كان على يكسب عيشه من القاء المحاضرات وكان يشارك فى المناقشات العامة الساخنة من شباب الجامعات من البيض والسود وانتقد بشده ما أسماه بالنفاق السياسى وانكار حقوق السود مع تكليفهم بالحرب خارج الحدود. وفى عام ١٩٧١ حصل كلاى على البراءة بحكم من المحكمة العليا التى قضت بإجماع الرأى على أن رفض محمد على المشاركة فى الحرب لايقوم على اعتبارات ديانته وبحلول منتصف السبعينيات استعاد محمد على بريقه كأهم وأكبر رياضى فى عالم الملاكمة على وجه الكرة الأرضية.


وتميز محمد على بقدرات ومهارات جسدية كانت بمثابة هبة إلهية نادرة كما كانت سرعة قدميه ورشاقة خطواته تضاهى صورة من صور فن الباليه، وهو ما وصفه بنفسه فى جملة يعرفها كل عشاق الملاكمة وهى «أطير كالفراشة وألدغ كالنحلة». وهو الأسلوب الذى مكنه من التربح على عرش البطولات. كما استخدم محمد على أسلوباً مراوغاً أمام منافسيه بالاستلقاء على حبال الحلبة لاستنزاف طاقة منافسه الذى يظل يسدد لكماته فى الهواء. وفيما بعد عندما سئل عن أفضل وقت للاعتزال أقر بأن ليلة هزيمته لجورج فورمان عام ١٩٧٤ كانت هى اللحظة المناسبة، ولكنه لم يغتنمها على أية حال فقد استمر فى اللعب وواجه جو فيريرز فى مانيلا وفاز فى الجولة الخامسة عشرة عندما قام مدرب فيريزر بإخراجه من الحلبة، ووصف محمد على ذلك قبوله أنه أروع مايمكن أن يحدث للإنسان قبل الموت.


اعتزل محمد على اللعب عام ١٩٧٨ ولكنه عاد مرة أخرى عام ١٩٨٠ لمواجهة غريمه لارى هولمز ويعتقد أن ذلك الوقت شهد بدايات اصابة محمد على بمرض باركنسون - الشلل الرعاش - وفى فحوصات أجريت فى مستشفى مايوكلينك لاحظ الأطباء أنه لايستطيع أن يقفز جيدا على قدميه وأنه يعانى من صعوبات فى الكلام. وبمرور ٣ سنوات تأكدت اصابته فعلياً بمرض باركنسون وسكتت تقريبا «شفاه لويزفيل» عن الكلام وهو اللقب الذى اشتهر به محمد على لفصاحة لسانه وبلاغته فى التعبير عن مواقفه.


ولكن رغم المرض الذى رافقه سنوات طويلة من حياته لم يتوقف عطاؤه الإنسانى وأصبح سفيراً للسلام عن الأمم المتحدة وسافر إلى لبنان والعراق من أجل إطلاق سراح رهائن أمريكيين. وبيده المرتعشة أوقد الشعلة الأوليمبية عام ١٩٩١ فى أوليمبياد اطلنطا. وحصل عام ٢٠٠٥ على ميدالية الحرية من الرئيس جوج بوش الأب. وأسس مع آخر زوجاته يولندا ويليامز مركز محمد على الثقافى فى مسقط رأسه لدعم أفكار التسامح والاحترام المتبادل وخلال أسفاره التقى ملوك ورؤساء وزعماء وبابا الفاتيكان وحصل على جائزة من منظمة العفو الدولية.


محمد على الإنسان ولد فى كنتاكى وتزوج ثلاث مرات وله تسعة أبناء أشهرهم ليلى التى احترفت الملاكمة النسائية. وفى عام ٢٠٠٩ لخص فلسفته فى الحياة فى مقال ألقته زوجته بولندا نيابة عنه على شبكة راديو NPR لم أفكر أبدا فى احتمالات السقوط فكرت فقط فى المجد والشهرة التى أحصل عليها عند الفوز. كنت أرى ذلك وأشعر به. عندما قلت أنا الأعظم كنت ومازلت أثق بنفسى تماما.


مساء الجمعة الساعة التاسعة وعشر دقائق توقف قلب الأسطورة ورحل عن عالمنا نتيجة لإصابته بصدمة ناتجة عن تسمم بكتيرى فى الدم بعد أيام قليلة قضاها بالمستشفى الذى دخله بسبب إصابته بعدوى فى الجهاز التنفسى. فاز محمد على داخل الحلبة وخارجها ولكن هزمه المرض والموت.