مفهوم الشخصية الدرامية فى الكوميديا

06/06/2016 - 8:51:31

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

أدرك "موليير" منذ زمن بعيد أن الكوميديا الحقيقية لا ينبغي لها أن تثير اهتمام المتفرج بطريقة سردها أو تسلسل مواقفها وحوادثها وتدرجها وصولاً إلى العقدة، وحل هذه العقدة ثم الخاتمة، وإنما ينبغي أن تكون لانفعالات وعواطف وأخلاق الشخصيات في العمل الكوميدي المكانة الرئيسية بحيث يتتبع المتفرج سيرة هذه الشخصيات ويختبر بنفسه مدى مطابقة الشخصية لمنطق عيوبها ونقائصها .


البطل المثالي لا وجود له في العمل الكوميدي البطل الحقيقي هو "الإنسان البسيط" الذي تتجاور في داخله في آن واحد أسباب الرفعة، وخصائص الانحطاط، عناصر القوة، وصفات الضعف، مشاعر الحب، وخيوط الحقد، ومن ثم يصبح هذا البطل تجسيداً حياً للبشرية عامة ..


انطلاقاً من هذا المفهوم - والذي يبدو لنا الآن بديهياً - أصبح لزاماً على الكوميديا أن تتحرك بين محورين.. المحور الأول هو محور الاتساق أو الانسجام ، وهو يتضمن وجود شخصيات سوية ، تتصرف بمعقولية وتتحرك بانضباط وتتكلم باتزان، وتتوافق بشكل أو بآخر مع نظم وتقاليد وقوانين المجتمع الذي تعيش فيه .. والمحور الثاني هو محور انعدام الاتساق .. اللا انسجام، وهو يتضمن وجود شخصيات غير سوية تتصرف بشذوذ وقبح، وتتميز بخروجها عن المعتاد والمألوف عليه، تحتوي حركتها العامة على عناصر المفاجأة والغرابة والمباغتة، واجتماع المحورين معاً في شخصية واحدة هو غاية فن الكوميديا، وهدفها الأسمى إذ يتفجر الضحك وتنبثق العبرات في آن واحد..


وفي الفيلم الكوميدي "ماش" يسخر المخرج "روبرت ألتمان" من المؤسسة العسكرية الأمريكية سخرية مريرة ، من خلال مجموعة متنوعة من الشخصيات، فالأطباء الثلاثة المنغمسون في الدماء وسط أشلاء الجنود ضحايا الحرب ، يقفون موقفاً لا مبالي يتسم بالبرود والسخرية ولكنهم يبقون في النهاية شهوداً على الفساد وانهيار القيم داخل ذلك المجتمع المتوحش .. وهناك أيضاً شخصية الطبيب البولندي الذي يقرر الانتحار نتيجة إصابته بالعجز الجنسي، فيقيم له زملاؤه عشاء أخيراً استعداداً للموت، ولكننا نفاجأ به يأكل بشهية في صباح اليوم التالي فنفهم أنه عولج من عجزه بمساعدة الضابطة الحسناء المتزوجة .


وشخصية "الميجور" المتحذلقة التي ترغي وتزبد بشعارات جوفاء ، وتدعي الجدية والانضباط والصرامة ثم تستسلم لأحد الأطباء بسهولة تثير التقزز..


وفي الفيلم الكوميدي "الصفعة" للمخرج الفرنسي "كلود بينوتو" تلتقي إرادة الفتاة المراهقة التي تبحث عن نفسها وسط اضطرابات العصر مع إرادة الفتى الأرعن الذي يهفو إلى حرية بلا حدود، ويتعثر لأن قدراته العقلية المتواضعة لا تتناسب ومفهوم هذه الحرية ..


تمتزج إرادتا الفتى والفتاة معاً في مقابل إرادة الأستاذ الجامعي "الأب" الحازم المتسق مع أفكار المجتمع وقوانينه، فينشأ صراع تلتقي فيه الخيوط تارة، وتتفرق تارة أخرى ، وتمتلئ المواقف الكوميدية بالمناقشات الحادة التي تحمل وجهات النظر المختلفة، وسط جو مشحون بالتوتر ، والقلق ..


ولعل في ذلك كله إثراء حقيقياً للدراما الكوميدية..


ولعل كتاب "الهلس" والإسفاف والزغزغة التافهة باسم الكوميديا يدركون وظيفة هذا الفن العظيم.