عبد الحليم حافظ ..جسر التنهدات «10 » .. وسألته الناظرة: هل أنت مدرس موسيقى أم جسر للتنهدات ؟

06/06/2016 - 8:43:57

عبد الحليم حافظ مع محمد الموجى عبد الحليم حافظ مع محمد الموجى

عرض الكتاب : محمد المكاوي

مرت أيام الشقاء بحلوها ومرها سريعة حينا وبطيئة حينا وفي أحد الأيام جاء إسماعيل فجأة الى الزقازيق ليأخذ حليم وعلية ليقيما معه في الغرفة اليتيمة التى استأجرها بزقاق "حمام بابا" المتفرعة من شارع سلامة حجازى بحي السيدة زينب


كانت السعادة ترفرف على الغرفة اليتيمة التي يقيم بها الاشقاء الأربعة ويتخذون منها غرفة نوم وطعام واستقبال ومذاكرة ايضا ، وقرر اسماعيل ان يلتحق بالمعهد العالي للموسيقى المسرحية ، وكان عبدالحليم قد كبر في السن واصبح يستطيع ان يرسم طريقه في الحياة وقرر هو الآخر ان يلتحق بنفس المعهد


وكانت دفعة عبدالحليم هي أهم دفعة تخرجت في هذا المعهد فمنها كمال الطويل واحمد فؤاد حسن وفايدة كامل وعبدالعظيم عبدالحق وعلى اسماعيل وغيرهم من مشاهير الفن.


الفصل العاشر


جسر التنهدات


قلت لك ان عبدالحليم عندما تقدم للمعهد العالي للموسيقى المسرحية التحق بقسم الآلات اما كمال الطويل فتقدم للالتحاق بقسم الأصوات أي المطربين وغنى كمال الطويل للجنة امتحان القبول اغنية "الحبيب المجهول" لعبدالوهاب :


حبيبي ياللى خيالي فيك


ياللي حياتي ح تكمل بيك


مين انت ما اعرفشي


فين انت ما اعرفشي


ولم تحتمل أعصاب الاستاذ الممتحن _ وكان اجنبيا _ أن يستمع الى كمال الطويل وهو يغني اكثر من هذا .. ثم طرده من الامتحان وهو يقول له :


سأسمح لك بدخول المعهد لتتخرج كمطرب فليس من مهمتى ان أحمي منك الجمهور ولكن لن يستطيع صوتك في المستقبل ان يحميك من البيض والطماطم !


ومن العجيب أن كل المطربين الذين التحقوا في هذه الدفعة تخرجوا ونجحوا في السوق كملحنين ولكن احدا منهم لم ينجح أبدا كمطرب !!، ومن هؤلاء كمال الطويل وعبدالعظيم عبدالحق، ومن العجيب ايضا ان الوحيد الذي لم يدرس الغناء في المعهد ونجح كمطرب هو عبدالحليم حافظ.


ولقد تصعلك عبدالحليم وكمال الطويل حينا في الشوارع كما تصعلك عبدالحليم والموجي ، وكان كمال الطويل لا يجد المؤلف الذي يعترف به كملحن فكان يتسلى بتلحين اسمه فيمشي على شاطئ النيل وهو يتغنى بكمال الطويل يا طويل يا كمال وكان في أحيان اخرى يلتقط بضع كلمات من اغنية أو قصيدة منشورة في احدى الصحف أو المجلات ويلحنها ثم يرددها لصديقه عبدالحليم على انها من تلحين عبدالوهاب فكان عبدالحليم يبدى إعجابا شديدا بألحانه ، وبعد اربع سنوات تخرج الاثنان في المعهد وعين كمال الطويل في وظيفة شبه محترمة بالاذاعة ورشح عبدالحليم للسفر في بعثة دراسية الى ايطاليا .


كان ذلك في سنة 1948 وبينما كان عبدالحليم ينتظر خطاب الموافقة على ايفاده الى ايطاليا فوجئ بخطاب تعيينه في وظيفة مدرس للموسيقى في احدى مدارس البنات بطنطا !!، وفي اول يوم استقل عبدالحليم القطار الى طنطا واتجه الى مسجد السيد البدوي ليقرأ الفاتحة ثم ذهب الى المدرسة كانت ناظرة المدرسة تنتظر مدرس الموسيقى الجديد فدخل عليها عبدالحليم وحياها في أدب فلم ترد عليه فقد تملكتها الدهشة واخذت تنظر إليه من فوق الى تحت ومن تحت الى فوق وهي تتساءل من يكون هذا الفتى الصعلوك ؟


كان آخر شيء يمكن ان تصدقه هو ان يكون هذا الفتى مدرس «للموسيقى او مدرس» لأي شيء، وقدم لها الاوراق التي تثبت انه المدرس الجديد


ولاقى عبدالحليم الأمرين من الطالبات فقد كان كل فصل يستقبله بسلسلة من التعليقات المحرجة..


هو ده مدرس الموسيقى؟


ماله ياشاطرة؟.. كخه .. ماهو ملو هدومه اهه


اسم الله عليه


ماله صغير كده؟


وكانت هذه التعليقات تخترق أذن المدرس الجديد ولكنه لا يستطيع ان يفعل شيئا واصبح المدرس الناشئ يستقبل حصة الموسيقى كما يستقبل هما ثقيلا يجثم فوق صدره، ولم تمض فترة قصيرة حتى استطاع ان يسيطر على الطالبات واخذ يعاملهن كشقيق أكبر وشيئا فشيئا أحبته الطالبات حتى جاء اليوم الذي كن يتسابقن فيه الى حصة الموسيقى ويلتففن حول البيانو ليستمعن الى المدرس الصغير وهو يغني أحدث اغنيات ام كلثوم وعبدالوهاب.


وعاش عبدالحليم بضعة أعوام مدرسا متجولا فكان يركب قطار الخامسة صباحا إلى طنطا ومنها الى المحلة الكبرى ثم إلى سمنود ويعود في آخر الليل وهو مرهق من السفر والتعب والحزن على المرتب الذي يضيع هباء في المواصلات


قالت لي إحدى ناظرات مدارس البنات إنها دخلت ذات يوم على عبدالحليم فوجدته يعزف على البيانو هذه الأغنية :


عمري ما ح انسى يوم الاتنين


يوم ما اتقابلنا احنا الاتنين


عمرى ما ح انسى يوم الاثنين


كان مدرس الموسيقى يغني وقد التفت حوله الطالبات ومنهن من كانت تجهش بالبكاء ومنهن من كانت تمسح دموعها بمنديل وتحول الفصل الى شبه معزى فغضبت الناظرة وقالت لمدرس الموسيقى:


ما هذا يا استاذ هل أنت مدرس موسيقى ام جسر للتنهدات ؟


وخرجت الناظرة وهى ثائرة ودون أن تعطيه فرصة للرد وعاد عبدالحليم الى القاهرة وهو مصمم على الاستقالة .


والتحق عبدالحليم بفرقة الاذاعة كعازف "أبوا" بمرتب 15 جنيها في الشهر، وفي هذه الايام تعرف بالمذيعين فهمي عمر وجلال معوض كما تعرف بمجدي العمرسي المحامي وكان يغنى في حفلات اعياد ميلادهم اغنيات عبدالوهاب الحديثة مثل اغنية "من قد ايه كنا هنا " ، ووقف عبدالحليم كعازف خلف جميع المطربين والمطربات يرقب حركاتهم وسكناتهم ويتساءل فيما بينه وبين نفسه كيف يمكن أن يقف في يوم ما بجوار هؤلاء العمالقة إذا لم يقدم شيئا جديدا في الغناء؟


وفي أحد الايام لحن كمال الطويل اغنية بعنوان "شكوى" لاحدى المطربات وحضر عبدالحليم مع افراد الفرقة الموسيقية التي ستتولى تسجيل هذه الاغنية وحدث اثناء التسجيل ان ارتبكت المطربة ولم تستطع ان تؤدي اللحن كما وضعه كمال الطويل وثار كمال الطويل وانسحبت المطربة وتكهرب الجو وتسلل عبدالحليم الى الميكروفون وسجل الاغنية بصوته ! كانت هذه أول مرة يقف فيها عبدالحليم امام الميكروفون ليسجل اغنية بمصاحبة فرقة الاذاعة ، وانتشرت الغمزات بين زملائه من أفراد الفرقة الموسيقية حول هذا العازف الذى لم يقنع بما هو فيه وانما يريد ان يحضر نفسه في زمرة المطربين أيضا !، ولكن عبدالحليم لم يلتفت إليهم أو لعله تظاهر بأنه لم يلتفت اليهم ولم يعبأ بشئ سوى تسجيل اللحن بصورة ادهشت الملحن نفسه !


وسجل عبدالحليم بعد ذلك أول اغنية لحنها له كمال الطويل وكانت بعنوان "لقاء" وبدأ عبدالحليم يشق طريقه الى الميكروفون من خلال الاركان الشعبية وكان عبدالحليم يبحث عن ملحن آخر يستطيع ان يتفاهم معه كما يتفاهم مع كمال الطويل، وكان الموجي يلحن لمطربي ومطربات الاركان وفي أروقة الاذاعة التقى الموجى وعبدالحليم كان كل منهما يبحث عن الآخر بملقاط وقال لي الموجي بالحرف الواحد:


في بداية حياتنا الفنية عرضت الاذاعة على ان ألحن المختارات وكانت المختارات مقتصرة على كبار الملحنين من أمثال السنباطي والشريف والقصبجي وصدقي وتملكتني الرهبة والخوف والفزع من مجرد الوقوف مع هؤلاء في صف واحد ، وطلبت من المشرفين على الموسيقى ان يسندوا لي ركنا من الاركان الشعبية لأتولى الاشراف عليه .. فقد كنت ملحنا ناشئا وفضلت ان اتقاضى مبلغ خمسة جنيهات في نظير تلحين اربع اغنيات تقدمها الاذاعة في البرنامج الذي يستغرق ربع ساعة وتوليت الاشراف على الركن وكنت اشعر بأن ألحاني ناقصة فلم يكن يؤديها مطرب واحد أو مطربة كما ينبغي ان تؤدي !


وظللت هكذا حائرا بألحاني حتى جاء اليوم الذى التقيت فيه بعبدالحليم حافظ ولأول مرة احسست بأن ألحاني ستؤدي كما أتمنى لها أن تؤدي .


جرى في العام الماضي امتحان رهيب لشجاعة عبدالحليم حافظ عندما كتب الناقد "راجي عنايت" حديثا في جريدة الجمهورية على لسان عبدالحليم تناول فيه شخصية سيد درويش بالنقد !، وعلق كتاب كثيرون على هذا الموضوع وهاجموه جميعا بلا رحمة ومنهم من قذفه بالطوب والحجارة وتعرض عبدالحليم لاكبر حملة صحفية تعرض لها فنان بسبب حديثه عن سيد درويش


فقد هاجمه سامي داود واتهمه بالخوض في حياة سيد درويش الخاصة ، واحمد حمروش قال لي ذات يوم انه يحب عبدالحليم ولكن غيرته على سيد درويش كانت اقوى من حبه لعبدالحليم ولهذا هاجمه هو الآخر واتهمه بالحقد على سيد درويش !


وسألت عبدالحليم ما رأيك في هذا ؟ فقال :


نعم انا قلت إن سيد درويش كان يتعاطى المخدرات والكوكايين .. انا لست جبانا حتى أنكر رأيا قلته بلساني ! ولكن قبل ان تسألنى لماذا قلت هذا الكلام ؟ اسمع القصة من أولها :


وقال لي عبدالحليم حافظ :


لقد تعرضت في الايام الاخيرة لحملات شديدة من بعض النقاد والكتاب ولم يحاول احد منهم ان يرفع سماعة التليفون ليتحرى الحقيقة منى


إذن فما هي الحقيقة ؟


قال : عد على أصابعك أرجوك


1 _ نشر صلاح عبدالصبور حديثا لعبدالوهاب جاء فيه ان سيد درويش لو عاش الى يومنا هذا لما استطاع أن يقدم جديدا في موسيقانا لأنه كان يتعاطى المخدرات والكوكايين وكان ينام ثلاثة ايام ويفيق ثلاثة ايام


2 _ رفع محمد البحر نجل سيد درويش قضية ضد كاتب المقال وضد عبد الوهاب


3 _ في جلسة جمعت بين عدد من الفنانين والادباء والصحفيين دار الحديث عن مركز عبد الوهاب في هذه القضية فقلت لهم إن عبدالوهاب لا عقاب عليه


- على أي اساس قلت هذا الكلام ؟


أنا لا أعبر عن رأيى الشخصى في سيد درويش فأنا لم أره ولم أعاصره ولم اعرفه الا من خلال قراءاتي عنه .. اسحب أي كتاب عن حياة سيد درويش من المكتبة وانا اقدم لك الدليل وقمنا معا الى مكتبة اخبار اليوم وسحبت احدث كتاب عن سيد درويش لمؤلفه محمد ابراهيم الاستاذ بكلية الفنون الجميلة بالاسكندرية وطلب عبدالحليم حافظ ان أقرا _أولا- مقدمة الكتاب التي كتبها الاستاذ فتحي رضوان عندما كان وزيرا للإرشاد وهي التي يقول فيها: هذه رسالة عنى المؤلف بوضعها وحقق فيها جوانب من حياة سيد درويش لم تكن معلومة للكثيرين وعزز بحثه بوثائق طريفة لا يخلو منها كتاب ذو قيمة وضع لتاريخ العظماء وتسجيل حياتهم


وتناول عبدالحليم الكتاب وأخذ يقلب في الربع الأخير من الصفحات ثم قدم لي صفحة 66 التى جاء فيها :


ان سيد درويش كان شديد الاعتزاز بطاقته الجسمانية فكان يرهق جسمه بالسهر والمأكل والمشرب والكيوف جميعا غير مبال بما قد يترتب على ذلك كله من نتائج


وتناول عبدالحليم بيده كتابا آخر هو "ذكريات" للسيدة فاطمة اليوسف واخذ يقلب في صفحاته حتى عثر على الفقرة التي تتناول سيد درويش والتي جاء فيها :


فقد كان سيد درويش لاتطاوعه الالحان إلا اذا وصل الى قمة الانبساط بتعاطى كميات ضخمة من المخدرات وكان عزيزعيد في حاجة الى ان يجري خلف سيد درويش حتى ينجز له الالحان بسرعة واضطر عزيز الى مصاحبة سيد درويش مصاحبة دائمة حوالي عشرين يوما تم فيها وضع الالحان هو وممثل في الفرقة اسمه محمود رضا كان الثلاثة يجلسون في المقاهي الرخيصة أو الحانات الخفية ويشترى عزيز _ من ميزانية الرواية - كميات الحشيش والافيون اللازمة واذ هم على هذا النحو يطلق سيد درويش الالحان


وقال لي عبدالحليم ايضا : ان حياة المرحوم سيد درويش ليست ملكا لأولاده وانما هي ملك للتاريخ ،وانه كان اولى بمحمد البحر ان يرفع القضية ضد كل المؤرخين الذين ملأوا الكتب والمقالات والابحاث عن حياة والده الخاصة


وعقد المجتمعون مقارنة بين سيد درويش وعبدالوهاب واخذوا يتساءلون ايها اخلد ؟


وقلت : لماذا نحارب حاضرنا بماضينا دائما ؟


ان حاضرنا أعظم وأعمق من ماضينا إننا نعيش في عصر التطور والبناء فلماذا نصر على ان تقف عقارب الساعة عند سيد درويش ؟


انا لا انكر ان سيد درويش كان فنانا عظيما في عصره وأنه استطاع ان يحرر موسيقانا من البشارف والسماعيات التركية ويحولها الى موسيقى مصرية خالصة ثم جاء عبدالوهاب وتناول منه الشعلة التي تضاء بالزيت وعندما وجد ان ضوء الشعلة سيخبو اخترع عبدالوهاب الكهرباء ؟


وليس معنى هذا أننى أنكر فن سيد درويش وقيمته في عصره، فعندما كانت الدنيا ظلاما كان للإضاءة بالزيت قيمة عظيمة ولكن في عصر الكهرباء تصبح الإضاءة بالزيت في حكم التاريخ ثم قال:


ان موسيقى عصر سيد درويش بالنسبة للأجيال القادمة ستكون كصور أجدادنا التى نحتفظ بها في البيوت، الصور ذات الطرابيش الحمراء الطويلة اننا نحتفظ بها على سبيل التذكار فقط !


ربما نجدد لها البراويز ولكن الاطار الانيق لا يستطيع ان يغير شيئا في الصورة !


فقد يبهرك بعض الوقت ولكنه لا يستطيع أن يبهرك كل الوقت خذ مثلا ..


ان أية اوبريت تذاع في الراديو الآن لسيد درويش بالرغم من اخراجها إخراجا موسيقيا جديدا من توزيع حديث الى آلات موسيقية حديثة كل هذا لم يجعل المستمعين يحرصون على الاستماع اليها _ رغم روعتها _ كما يحرصون على الاستماع لموسيقانا الآن ، ثم قال : ولن تقف الاجيال القادمة من بعدنا عند موسيقانا الحاضرة فسوف تنتقل هي الأخرى من عصر الكهرباء الى عصر الذرة !


وقال عبدالحليم :ان هذه المناقشات جرت كلها في جلسة خاصة وبين لفيف من الاصدقاء وأنا لم أطلب من أي صحفى أن ينشر كلمة واحدة مما قلته !


ثم قال : وأحب أن أرد على الكاتب الذي اتهمنى بالخوض في حياة سيد درويش الخاصة فأقول إننى اذا أردت _ مثلا _ أن اقدم رسالة عن حياة الفنان سيد درويش وقلت فيها إنه كان يتعاطى المخدرات فهل معنى هذا أننى أخوض في حياته الخاصة ؟


الجواب : لا .. فان الرسالات والابحاث التي تكتب عن حياة الفنانين ليست تجريحا ولا خوضا في سيرتهم فالفنان عندما يموت تصبح أعماله وحياته ملكا للتاريخ !


ولقد تورط الكاتب نفسه في معرض الدفاع عن وجهة نظره بتجريحى كما تورط بتجريح سيد درويش نفسه حين قال عنه ان كان سيد درويش قد تورط في الإدمان على بعض السموم ، فقد دفع ثمن تورطه ولم يدفعه معه احد .. ولقد تصور كاتب آخر انني حاقد على المرحوم سيد درويش وأحب أن اقول له: إننى لا احقد على أحد فكيف احقد على رجل مات قبل ان أولد بسنوات ؟


واخيرا أحب ان أرد على السيد الصحفى الذى طلب منى أن اسأل كمال الطويل على أى ارض تقف موسيقى "حكاية شعب" ؟


فأقول له ان موسيقى "حكاية شعب" تقف على أرض كمال الطويل


اما السيد الصحفي الذي اشار اليه عبدالحليم حافظ فهو راجي عنايت الذى ألقى أول طوبة على جسر التنهدات .


في هذا العام عام 1961 وقع حلمي رفلة عقدا مع عبدالحليم بمبلغ 30 الف جنيه في نظير بطولة فيلمين وهذا أكبر رقم تقاضاه مطرب أو نجم سينمائي حتى اليوم


وفي الليلة التى وقع فيها هذا العقد التقيت به وسألته :


هل انت مطمئن الى مستقبلك اآن ؟


فقال : أنا لم اطمئن الى مستقبلي لأننى ما أزال في بداية الطريق !


وأين نهاية الطريق؟


طريق الفن ليس له نهاية


معنى هذا أنك لست راضيا عن نفسك؟


أنا مازلت تحت التجربة والعمل الفنى لا يكتمل إلا بالتعمق والخبرة وهذا لا يجئ نتيجة سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات ان الفنان يكتسب كل ذلك بعد كفاح طويل مرير


ومتى ترضى عن نفسك إذن؟


اننى اذا رضيت عن نفسى قتلنى الغرور


ما أحسن لحن غنيته في حياتك؟


"اهواك" لعبدالوهاب


واللحن الذي تؤديه بإحساس صادق؟


كل اغنياتي اغنيها بإحساس صادق


هناك لحن تحس به في اعماقك وتؤديه وانت تبكي


في يوم في شهر في سنة


تهدى الجراح وتنام


وعمر جرحي انا


اطول من الأيام


وأوحش ألحانك ؟


لحن أعتز به جدا، بل لعله من أروع الألحان التى غنيتها للموجى لحن "ظالم" ان هذا اللحن على الرغم من روعته وقوته فإنه لم يعجب الناس


لماذا؟


الالحان كالناس فيها المحظوظ وفيها البائس


لماذا لم تلحن لنفسك كغيرك من المطربين ؟


لأننى لست موهوبا في التلحين


ما هي مواهبك إذن ؟


الأداء موهبة واختيار الألحان الجميلة التي تتناسب مع صوتي موهبة ، ثم قال : ان التلحين موهبة الفنان الخالق وأنا لست خالقا


هل قدم لك عبدالوهاب لحنا وأدخلت عليه تعديلات قبل ان تغنيه؟


انا لا أدخل تعديلات على الألحان ولكننى اعترض على بعض اجزاء في الاغنية واطلب من الملحن نفسه ان يعدل تلحينها حتى أحس بها


من أعظم ملحن في هذا العصر؟


محمد عبدالوهاب


ومن الذي يليه؟


الملحنون كالكتاب كل كاتب له أسلوبه الذى يميزه عن غيره


ومن أقربهم الى قلبك؟


كمال الطويل


بماذا تميزت الحانه ؟


بإحساسه المرهف وجمله الموسيقية القصيرة انه ملحن معبر ويعتبر صاحب مدرسة حديثة في الألحان


ما الفرق بينه وبين الموجي؟


ألحان الموجي تغلب فيها الأصول والقواعد الموسيقية على الاحساس المرهف


قلت له : الى أي فصيلة ينتمى الموجي


الموجي ينتمي لفصيلة القصبجي ، ثم قال : إن الموجي امتداد جديد لمدرسة القصبجي ولكن على شيء من التجديد في موسيقاه


قلت له : هل تعتقد أن المستقبل للطويل أم الموجي؟


المستقبل للمدرسة الحديثة لكمال الطويل إلا اذا تطور الموجي وهو قادر على ان يتطور ويصبح صاحب مدرسة هو الآخر


قالت لي شريفة ماهر إنك تغيرت كثيرا وأصبحت تتنكر لاصدقائك وزميلاتك القدامى وانك تصافحهم وتسلم عليهم بفتور


كدابة اعتقد ان نظرها اصبح ضعيفا وانا أنصحها باستعمال نظارة كى ترى اصدقاءها على حقيقتهم


قلت لجسر التنهدات : ما هي الألعاب الرياضية التى تمارسها الآن؟


التنس والبنج بونج


هذه رياضة اولاد الذوات


أنا الآن ابن ذوات


جليل البنداري


فبراير 1961