السيسى وإدارة الأزمات

01/06/2016 - 3:01:29

لواء. نصر سالم أستاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا

لم تكن أزمة سقوط طائرة مصر للطيران “إيرباص a٣٢٠ - الرحلة رقم ٨٠٤” فجر الخميس ١٩ مايو ٢٠١٦ هى الأولى.. ولن تكون الأخير وإن كنا لانريد ذلك، ولكن الأزمات تظهر معادن الرجال، فهناك فرق كبير بين الأزمة والمشكلة، فالأزمة تتميز عما عداها بمظاهر ثلاثة.. أولها أنها تهديد لقيمة كبيرة “ماديا أو معنويًا.. سياسيًا.. عسكريًا.. إلخ” وثانيها: أنها تحدث فجأة.. وثالثها: أنها تتفاقم وتزداد بمرور الوقت.. مثلما الحريق، كل ثانية تمر عليه دون أن يخمد فإن الخسائر تزداد والحريق يكبر.


أى أننا إذا استطعنا أن نحذف أو نوقف أى عامل أو مظهر من هذه العوامل صار الأمر أقل خطورة وأصبحنا أمام مشكلة يكون التعامل معها أقل حدة.


بل إن التعامل مع الأزمة أى إدارتها يحتاج ممن يديرها أى من طاقم إدارة الأزمة أن تتوفر فيه صفات شخصية لايمكن إهمالها أو الاستغناء عنها مثل الثقة بالنفس - والذكاء وسرعة البديهة وحسن التصرف- وصفاء الذهن والهدوء.


كل ذلك إضافة إلى صفات مكتسبة لاغنى عنها مثل العلم وخاصة فى مجال الأزمة محل الإدارة بصفة خاصة وإدارة الأزمات بصفة عامة ثم الخبرة أى تراكم المعلومات ومجابهة مواقف مشابهة.


ونظرًا لعنصر المفاجأة فى الأزمة وخطورته التى تؤدى إلى إرباك أى طاقم إدارة لا تتوفر لديه الصفات سالفة الذكر.. فمن الضرورى أن يكون هناك “دليل” موثق ومعد بأيد وعقول تمتلك الخبرة.. يوضح هذا الدليل.. الخطوات اللازم اتباعها وتسلسلها فور حدوث الأزمة.. وكلما اعتمد الدليل على خبرات سابقة ودروس مستفادة من النجاح والإخفاق كان أكثر توفيرًا لعناصر النجاح فى إدارة الأزمة.


وبتتبع ما حدث فى إدارة سقوط الطائرة “إيرباص a٣٢٠ الرحلة رقم ٨٠٤” التابعة لشركة مصر للطيران ودور كل أطراف إدارة الأزمة بدءًا من رئيس الجمهورية.. نجد أنها نموذج يتحذى، ودرس فى إدارة الأزمات، يدرس فى كل الجهات ذات الصلة.


فهذا رئيس الجمهورية يتم إيقاظه فى الساعة الرابعة من فجر الخميس ١٩ مايو ٢٠١٦ لإبلاغه بسقوط الطائرة.. ولو تم التأكد قبل ذلك لتم إبلاغه ولكنه الوقت منذ اختفاء الطائرة من على شاشات الرادار حتى التأكد من سقوطها وهذا هو الأسلوب المتبع فى علم “فن إنتاج المعلومات” أى التأكد من المعلومة قبل استخدامها.


لقد سقطت الطائرة خارج المياه الإقليمية والقرار يلزمه تحرك خارج حدود الدولة.. ورئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة.. وصاحب القرار فى هذا الشأن وخاصة فى ظل الإشتراك مع دول أخرى فى التصرف المطلوب.. وإن كانت القوات المسلحة تمتلك الآلية الجاهزة والحاضرة للتدخل الضرورى فى مثل هذه الأمور والمواقف.. وفى هذه الحالة يعرض عليه الموقف ومقترح القرار للتصديق.. وهذا ما تم بالفعل.. فبمجرد اختفاء الطائرة كان مركز البحث والإنقاذ للقوات المسلحة يجهز عناصره “الجوية والبحرية” للتحرك فورًا وكان القرار يجرى إعداده وإتخاذ الإجراءات الابتدائية للتنفيذ ومنها التحرك داخل الحدود المسموح بها كسبا للوقت وبمجرد التصديق انطلقت جميع العناصر المنفذة إلى مناطق عملها بمنتهى السرعة والحرفية تحوط المنطقة التى جرى حسابها بكل دقة وتنتشر العناصر الفنية من الجو والبحر بحثًا عن الطائرة واحتمال وجود أحياء ثم متابعة البحث عن الطائرة ذاتها وأجزائها ومحتوياتها ثم الصندوقين الأسودين للتعرف على كل الأسباب التى أدت إلى سقوط الطائرة.


وبعد أن اطمأن الرئيس إلى دوران العجلة فى الاتجاه الصحىح بالسرعة والدقة المطلوبة استكمل باقى مهامه التى حددها الدستور.. فدعا مجلس الأمن القومى للانعقاد حيث هو المنوط به التصرف فى مثل هذه الأحوال - طبقًا لنص المادة ٢٠٥ من الدستور التى تنص على الآتى:


“ ينشأ مجلس الأمن القومى برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية والعدل والصحة والاتصالات والتعليم، ورئيس المخابرات العامة، ورئيس لجنة الدفاع والأمن القومى بمجلس النواب”.


ويختص بإقرار استراتيجيات تحقيق أمن البلاد ومواجهة الكوارث والأزمات بشتى أنواعها، واتخاذ ما يلزم لاحتوائها، وتحديد مصادر الأخطار على الأمن القومى المصرى فى الداخل والخارج، والإجراءات اللازمة للتصدى لها على المستويين الرسمى والشعبى. وللمجلس أن يدعو من يرى من ذوى الخبرة والاختصاص لحضور اجتماعه، دون أن يكون له صوت معدود.


ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى ونظام عمله.


بعد انتهاء انعقاد مجلس الأمن القومى، صدرت القرارات المنظمة لعمل جميع الجهات طبقًا لاختصاصاتها مع التنسيق الكامل بينها بما لايسمح بأى إعاقة أو تأخير فتم رفع درجة إستعداد جميع المستشفيات القريبة من منطقة الحادث وتم تجهيز عربات الإسعاف بالأعداد المناسبة لنقل أى حالات أو جثامين إلى المستشفيات فور وصولها وتم تخصيص مركز إعلامى فى مطار القاهرة الدولى، لإعلان كل المعلومات والحقائق أولًا بأول والرد على استفسارات أجهزة ووسائل الإعلام، وعدم تركها نهبًا للشائعات والبيانات المغلوطة مع تنظيم توقيتات إصدار البيانات الدورية والخاصة عند الضرورة.


أما بخصوص ذوى الضحايا فقد تم تجهيز الأمان اللائقة لهم مع توفير سبل الراحة والرعاية الصحية والنفسية لهم فى أماكن لائقة فى فنادق قريبة من المطار سواء فى القاهرة أو باريس مع تجهيز تذاكر السفر المجانية لهم للانتقال من باريس إلى القاهرة والعكس.


أما باقى الوزارات والأجهزة فقد مارست مهامها بكل سهولة ويسر لتحقيق الهدف المحدد وهو العثور على الطائرة وما يحتويه والوقوف على حقيقة ما حدث مع توفير كل سبل الراحة والاطمئنان والمعاونة الصادقة لذوى الضحايا.


جدير بالذكر أن وزير الطيران المدنى كان فى مأمورية خارج البلاد فى المملكة العربية السعودية، قطعها على الفور وعاد إلى القاهرة لمباشرة دوره ومهامه فى إدارة الأزمة.


وكان التنسيق الخارجى مع كل الدول المعنية، والتى عرضت المساعدة، على أعلى مستوى وحتى كتابة هذه السطور مازالت أعمال البحث جارية ومازالت إدارة الأزمة مستمرة ولكن يمكن استخلاص الدروس الآتية “حتى الآن”:


- وجود الآلية المناسبة والمتخصصة مثل “مركز البحث والإنقاذ للقوات المسلحة” وفر الكثير من الوقت والجهد، ومكن الدولة من التصرف المناسب فى الوقت المناسب.


- يقظة واهتمام رئيس الجمهورية انعكس على أداء جميع أجهزة الدولة فى التعامل مع الأزمة.


- انعقاد مجلس الأمن القومى فى الوقت المناسب طبقًا لنص الدستور كان له الدور الأكبر فى تحديد المهام والأدوار مع توفير التنسيق الكامل بين جميع أجهزة الدولة بكل ما لديها من إمكانات فى الداخل والخارج.


- الانضباط الإعلامى فى جميع البيانات والتصريحات الصادرة عن طاقم إدارة الأزمة والجهات ذات الصلة من حيث إصدار جميع المعلومات الحقيقية الصحيحة وعدم ترجيح أو رفض أى احتمال، وكذا عدم الانجراف وراء البيانات المغلوطة والمدسوسة من جهات لها أهداف مضادة.


- المستوى العالى لعناصر البحث والإنقاذ فى القوات المسلحة فى سرعة التلبية ودقة الأداء.


إن الأداء الناجح والموفق فى إدارة هذه الأزمة ليس جديدًا على قيادة هذا البلد فقد رأيناها من قبل فى مواجهة أزمات عدة إدارتها بكل صلابة واقتدار، منها ما هو مشابه مثل سقوط الطائرة الروسية فوق أرض سيناء بعد دقائق من إقلاعها وعلى متنها ٢٢٤ شخصًا.


وما تبعها من توقف للسياحة الروسية وتوقف لحركة الطيران الروسى إلى شرم الشيخ ومصر وهبوط إيرادات السياحة، والموقف مزدوج المعايير من معظم الدول الأوربية تجاه مصر فى مثل هذه الحوادث.


ثم كان اختطاف طائرة مصر للطيران المقرر إقلاعها من مطار برج العرب إلى القاهرة وتحويلها إلى قبرص.. درسًا آخر فى الأداء من حيث السرعة والدقة والحسم من جانب العناصر المخصصة للتعامل مع الإرهاب ثم التنسيق مع دولة قبرص.. وحتى إن كان بعض الأداء الإعلامى لم يرض البعض من الإعلاميين من حيث الخطأ فى بعض التصريحات إلا أن الدروس المستفادة من ذلك تم استيعابها ولم تتكرر وهذا هو الدرس المطلوب.


أما باقى الأزمات التى واجهتها القيادة السياسية وعلى رأسها الرئيس السيسى فهناك أزمة سد النهضة والموقف الحاسم والهادئ الذى أدار به الأزمة مع الشقيقة أثيوبيا “كما وصفها” وزيارته إلى مجلس نوابها مخاطبًا شعب أثيوبيا وقيادتها “إذا كان نهر النيل يمثل لكم الحق فى الاستثمار، فإنه يمثل لمصر الحق فى الحياة” لقد تغير الموقف الأثيوبى تجاه مصر إلى الالتزام بعدم الإضرار بمصالحها، بعد أن كان معاديًا لها على إثر ذلك المؤتمر الهزلى الذى عقده الرئيس الإخوانى الأسبق “محمد مرسى” مع مجموعة من الهواة ومراهقى السياسة على الهواء مباشرة ليجعلنا أضحوكة للعالم الذى شاهد هذا المؤتمر.


تحية إلى ابن مصر البار عبدالفتاح السيسى الذى عهدناه صادقا.. مخلصًا.. وفقه الله وسدد خطاه ليكمل رسالته التى تتعلق بها آمال وقلوب المصريين.


إن إنجازاته خلال عامين من حكمه أبلغ من أى مدح له أو اطراء.