عودة الروح للمناطق الأثرية

01/06/2016 - 1:38:13

تقرير تكتبه: أمانى عبد الحميد

عودة الروح للمناطق الأثرية.. هذا هو عنوان يختصر عامين مرا من فترة الرئاسة الأول للسيسى، فمنذ اللحظة الأولى لتولى الرئيس عبد الفتاح السيسى سدة الحكم، والحكومات المصرية المتتالية لا هم لها سوى عودة الروح إلى كل المواقع الأثرية، على أمل استعادة حركة السياحة الأجنبية مرة أخرى


عدد من المشروعات الكبرى أصرت مؤسسة الرئاسة على استكمالها بشكل فورى بالرغم من النقص الحاد فى التمويل، بل قررت الاستعانة بالقوات المسلحة بما تملكه من ميزانيات وقدرات تنفيذية لاستكمالها، ومنها المتحف الكبير الذى كان من البداية على رأس القائمة ولهذا لم يكن غريبا أننا ونحن نجهز لهذا العدد يأتينا خبر لقاء الرئيس مع مساعده للمشروعات القومية المهندس إبراهيم محلب واللواء كامل الوزير رئيس الهيئة الهندسية من أجل الاطمئنان على ما تم إنجازه فى هذا المتحف، فهو واحد من المشروعات الفارقة فى مستقبل الآثار ومعه مشروع بانوراما الجيش المصرى، علاوة على مشروعات حيوية مثل تطوير هضبة الأهرامات والقاهرة التاريخية الفاطمية والمناطق الأثرية فى الأقصر وأسوان.


وزيران للآثار توليا تلك الحقيبة الحيوية والتى تخص تاريخ الأمة خلال حكومتى مهندس إبراهيم محلب ود. شريف إسماعيل، بعد ثورة ٣٠ يونيه بشهرين تقريبا وقع الاختيار على د. ممدوح الدماطى ليتولى وزارة الآثار ليقوم بمهام محددة والتى وصفها بأنها « المهمة الصعبة ..» لأنها تحتاج إلى ميزانيات كبيرة فى ظل النقص الحاد فى الموارد المالية للوزارة بعد ثورة يناير ٢٠١١ والانخفاض الحاد لحركة السياحة الأجنبية، لذا كان لابد من خلق أفكار جديدة تحقق إيرادات دون انتظار ثمن تذكرة دخول السائح إلى المتحف أو إلى الموقع الأثري.


وبما أن الرئيس السيسى أبدى اهتماما بالغا بملف الآثار بحيث إنه يطلع على المعلومات الكاملة دون الاعتماد على ما تنشره الصحافة فقط بل تأتيه من جميع الأجهزة الرقابية والتقارير العلمية، لذا جاء على قمة أولويات الرئيس سرعة الانتهاء من كافة المشروعات الأثرية المتوقفة، ومنها مشروع البانوراما العسكرية فى شرق قناة السويس ومشروع تطوير منطقة عيون موسى، ومشروع تطوير منطقة مارينا العلمين وإتاحتها للزيارة، ومشروع تنمية مدينة القصير ووادى الحمامات وغيرها من المشروعات المتوقفة، وإن كان من أهم مطالبات الرئيس هى عودة الروح للمناطق الأثرية لكى تصبح فى أبهى صورها وتأهيلها للزيارات السياحية والثقافية على أمل تنشيط حركة السياحة الأجنبية إلى مصر.


وفى العام الثانى استمر الوضع المالى الصعب؛ لذا اتجهت الوزارة إلى تناول مشكلاتها بشكل مختلف وإيجابى على أمل تحريك المياه الراكدة؛ حيث طرحت عدة مشروعات لجذب الانتباه مثل اعتبار عام ٢٠١٦ عام إعادة اكتشاف الأهرامات بالتعاون مع جهات علمية مختلفة منها جامعة القاهرة ومعاهد علمية فى فرنسا وكندا واليابان، علاوة على محاولات اكتشاف ما يكمن خلف جدران مقبرة الملك توت عنخ آمون، وهو الحدث الذى استمر على مدار أكثر من تسعة أشهر، وعودة إقامة المعارض الخارجية للآثار مثل معرض «بناة الأهرامات» الذى يطوف تسع مدن يابانية وآخر يحكى أسطورة إيزيس وأوزوريس يطوف أوربا .


والأهم هو الحصول على دعم القوات المسلحة لإقامة أهم مشروع أثرى يحكى تاريخ الجيش المصرى أقدم جيوش العالم بشمال سيناء، حيث منح الرئيس مدة عام واحد فقط لاسكتمال مشروع بانوراما مصر العسكرية، حيث إن الفكرة طرحتها وزارة الآثار وتبنتها وزارة الدفاع والمجلس العسكري، وأمر الرئيس السيسى بالانتهاء منها لتتزامن مع مشروعات تنمية ضخمة تشهدها منطقة شرق قناة السويس، ومنها إقامة مدينة مليونية لتوطين الشباب وإقامة خمسة أنفاق تحت مياة القناة لربط شرق القناة بغربها، وكان لابد من مزارات سياحية ثقافية ذات صلة بالمنطقة فلم يكن هناك أفضل وأدل من مواقع أثرية تحكى تاريخ كل من ضحى بحياته وسال دمه على تلك البقعة من أرض مصر والمطلة على شط قناة السويس الجديدة، والتى تشمل مناطق أبو صيفى، تل حبوة، تل المسخوطة، تل دفنة وبلوزيوم وهى خمسة مواقع أثرية تؤكد أن التاريخ العسكرى لا يقتصر على معركة واحدة أو على حرب أكتوبر ١٩٧٣ فقط بل يمتد إلى أبعد من ذلك بكثير منذ فجر التاريخ مرورا بالعصور الفرعونية والإسلامية وحتى العصر الحديث، وهذا هو الغرض الرئيسى من إقامة بانوراما بالقرب من المواقع الخمسة التى ضحى أبناء مصر بأرواحهم ودمائهم، وهو الغرض من إحياء طريق حورس الحربى الذى يحكى تاريخهم وبسالتهم ونضالهم ووقوفهم فى وجه أعداء الوطن وكل من تسول له نفسه الاعتداء على حدود مصر الشرقية، وبالفعل تم التنسيق بين وزارتى الدفاع والآثار لاختيار موقع مبدئى لبناء البانوراما العسكرية عند «المعدية ٦» عند شرق قناة السويس، حيث سيضم مبنى البانوراما قاعات عرض متحفى وقاعة عرض للبانوراما ومسرحا ومنطقة خدمات ومكتبة للأفلام الوثائقية،على أن تقوم الإدارة الهندسية للقوات المسلحة بتنفيذه.


وقبل انتهاء العالم الثانى بأشهر قليلة وقع الاختيار على د.خالد العنانى ليتولى حقيبة وزارة الآثار حيث جاء ضمن منظومة وزارية للعمل على تنشيط أكبر لحركة السياحة الثقافية إلى مصر بالتعاون مع وزارات السياحة، الطيران،الاستثمار،الذى جاء ليؤكد على اهتمام الدولة باستكمال مشروعات مثل مشروع المتحف المصرى الكبير الذى يحتاج إلى ٤٨٢ مليون دولار لاستكماله،وافتتاحه الجزئى فى عام ٢٠١٨ ونهائى فى ٢٠٢٠، ومشروع المتحف القومى للحضارة وافتتاحه الجزئى فى ٢٠١٦ والنهائى فى نهاية ٢٠١٧ إلى جانب الاهتمام بالأماكن ذات أولوية قصوى نظرا للإقبال الجماهيرى عليها، وهى منطقة الأهرامات والمتحف المصرى بالتحرير والمناطق الأثرية بالأقصر وأسوان، والأهم افتتاح جميع المشروعات التى تم الانتهاء من تطويرها وترميمها، علاوة على البحث عن سبل تمويل غير تقليدية وعدم الاكتفاء بانتظار عائدات حركة السياحة الأجنبية، مثال ذلك تفعيل شركة للاستثمار فى إدارة الخدمات بالمناطق الأثرية والسياحية، وهو أقرب حل ملموس للخروج من الأزمة المالية، كل المواقع الأثرية والمتاحف تضم عدداً من البازارات والكافيتريات التى يمكن استثمارها بشكل جيد لكى تدر ربحا على الوزارة، وبالتالى تمكنها من استكمال مشروعاتها المتوقفة، إلى جانب استثمار أية أصول تملكها الوزارة مثل مراكز استنساخ القطع الأثرية والعلامة التجارية وغيرها، علاوة على توفير عناصر جذب وخدمات قادرة على تشجيع عودة حركة السياحة الأجنبية مرة أخرى، مثال ذلك اقتراحات بعودة خطوط الطيران إلى بعض المناطق مثل الواحات والوادى الجديد، القاهرة – الخارجة – الأقصر أو أسوان، لتدفع حركة السياحة وتسهيل الوصول إلى الأماكن السياحية هناك، كذلك الاهتمام بتوجيه السائح خلال رحلته على الطائرة بداية من الفيلم الذى يتم تقديمه على متن الطائرة وحتى مجلة «حورس» التى يقرؤها خلال رحلاته، وهناك مشروع لإنتاج فيلم وثائقى عن مصر، وفى الوقت نفسه نجد وزارة السياحة تقوم بمساعدة وزارة الآثار فى عدد من المشروعات منها مشروع تطوير هضبة الهرم، علاوة على أن هناك تعاونا مع وزارة الاستثمار لتطوير عروض الصوت والضوء بالهرم، وتطوير كل الخدمات حول المناطق الأثرية مثل المحال والبازارات والكافتريات .


وفى المقابل عانت الآثار خلال العامين الماضيين من عدة أزمات طاحنة تسببت فى حدوث حالة من البلبلة والقلق العام من أهمها مشكلة القناع الذهبى للملك توت عنخ آمون المعروض داخل المتحف المصرى بالتحرير، حيث تعرض ذقن القناع الذهبى أو اللحية الملكية لعملية ترميم خاطئ، ففى يوم الثلاثاء ١٢ من شهر أغسطس ٢٠١٤ تم تشكيل لجنة مكونة من ٨ أعضاء منهم أمناء ومرممون وفنيون علاوة على وجود أفراد من شرطة السياحة والتى أفادت فى تقريرها أنه أثناء تغيير إضاءة فاترينة الملك توت عنخ آمون نتيجة انفجار لمبة الإضاءة داخلها، انفصلت اللحية عن القناع وتم ترميمها بالإبوكسي، المشكلة تجددت فى ٣٠ من نفس الشهر عندما تم ملاحظة مادة الإبوكسى بشكل متزايد، فتدخل المرممون بمحاولة إزالة الزائد منها بمادة «الأسيتون» لكن «محاولتهم باءت بالفشل» لأن مادة الأستون لا تستطيع إزالة مادة الإبوكسى، تفاقم الوضع وطالب رئيس الوزراء وقتها مهندس إبراهيم محلب بفتح باب للتحقيق للوقوف على أسباب المشكلة والتوصل إلى طرق علمية سليمة لحلها، وبالفعل تدخلت الحكومة الألمانية لدعم عملية ترميم القناع الذهبى للملك توت وساهمت الخارجية الألمانية بمبلغ ٥٠ ألف يورو فى إطار برنامجها للحفاظ على التراث وتدعيما للتعاون بين ألمانيا ومصر فى مجال تبادل الخبرات فى مجال الآثار، وتولى الألمانى كريستيان إيكمان ترميم القناع ليعود فى حالة أثرية سليمة، وهى الحادثة التى تعلمت منها الوزارة ضرورة الاعتماد على الأساليب العلمية لمواجهة أزماتها.


وهو الأمر الذى ظهر أيضا فى معالجتها لقضية بيع التمثال «سخم كا» والذى تسبب فى اشتعال أزمة حول جرائم بيع الآثار المصرية فى الخارج والذى كشف عن ملفات جرائم يطلقون عليها «غسيل الآثار»، حيث إن خروج تمثال «سخم كا» الذى لا يتعد طوله ٧٥ سم ويعود لعصر الأسرة الخامسة بالدولة القديمة «٢٣٠٠ قبل الميلاد» من فاترينة العرض داخل متحف «نورث هامبتون» وعرضه للبيع فى مزاد علنى حرك كثيرا من المياه الراكدة حول قضية غسيل الآثار المصرية بعد سرقتها وإعادة بيعها داخل صالات المزادات الأوروبية، المتحف الإنجليزى الذى أقبل على خطوة لا يجرمها قانون بلاده التى لا تحرم عمليات بيع الآثار لكنه تعرض لحملات شرسة ومطالبات بالمقاطعة وفرض العقوبات لأنه تخلى عن دوره فى الحفاظ على التراث الإنسانى وفتح بفعلته ملفا شائكا حول أحقية مصر فى آثارها فى الخارج، وبالتالى بدأت مصر فى التحرك للإعلان عن تلك الجرائم والإصرار على استرداد كل قطعة أثرية خرجت بشكل غير قانونى والتى يتم ارتكابها بشكل منظم والتى يطلقون عليها اسم «غسيل آثار»، وهى جريمة ترتكب بشكل منظم من قبل عصابات مافيا دولية تقوم بتهريب الآثار عبر عدة دول بهدف استخراج أوراق ملكية مزورة؛ حتى تتمكن من بيعها داخل صالات المزادات الأوروبية لمن يدفع أكثر بأوراق ملكية سليمة رغم أنها خرجت من مصر خلسة أو سرقة أو تهريبا، أربعة آلاف قطعة أثرية مسجلة على قائمة المفقودات والمسروقات بالإنتربول الدولى عادت إلى أرض الوطن ما يقرب من ألفى قطعة أثرية فقط، وإن كان عدد القطع الأثرية التى خرجت من مصر بالطرق الشرعية يفوق ذلك بكثير، وزارة الآثار قامت بتفعيل دور إدارة الآثار المستردة التى يقضى دورها متابعة المزادات العالمية؛ فإذا قامت بعرض أية قطعة أثرية من المفقودات يتم إبلاغ الإنتربول ووقف عملية البيع فورا والمطالبة باستردادها، وفى حالة وجود أوراق إثبات ملكية يتم مراجعتها بشكل قانونى نظرا لانتشار جريمة غسيل الآثار، مع العلم أن تلك الجرائم انتشرت فى أعقاب ثورة يناير ٢٠١١ حيث تعرضت كثير من المواقع الأثرية للسرقة وللحفر غير الشرعى خلسة، مما أدى إلى خروج عدد كبير من القطع الأثرية غير المسجلة، كثير منها يتم عرضها بسندات ملكية مزورة .


وبالرغم من كل الجهود المبذولة طوال العامين الماضيين إلا أن عملية تفجير مديرية أمن القاهرة تعد من أكبر الجرائم الإرهابية التى طالت الآثار وتسببت فى تدمير متحف الفن الإسلامى بباب الخلق، والمنتظر افتتاحه خلال الأيام القليلة المقبلة، بعد أن خضع لعملية ترميم شاملة بدعم من منظمة اليونسكو وبميزانية قدرها ٥٠ مليون دولار مقدمة من دولة الإمارات و٨٠٠ ألف يورو من إيطاليا.


 



آخر الأخبار