مبادرات ودعم رئاسى والمحصلة الاتصالات «خارج الخدمة»

01/06/2016 - 1:35:32

تحليل إخبارى يكتبه : عبد اللطيف حامد

لم يحظ قطاع الاتصالات منذ نشأته بدعم من القيادة السياسية، كما حدث فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، فهو لا يتوقف عن مساندته، والدفع به ليتحول إلى أداة محورية فى التنمية، وقاطرة لكافة المجالات من خلال استغلال وسائل التكنولوجيا الحديثة التى دفعت ببعض الدول النامية إلى مصاف الدول المتقدمة فى سنوات قليلة. فالرئيس يواصل اللقاءات مع رؤساء كبريات الشركات المتخصصة فى هذا القطاع سواء للاستثمار فى مصر أو ضخ استثمارات جديدة، وتدريب وتأهيل الشباب المصرى ليكون قادراً على المنافسة فى هذا المجال، لكن المشكلة تكمن فى أن الروح والطموحات الرئاسية تفوق التحركات التى تقوم بها قيادات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على الأرض لترجمة مبادرات، وخطط الرئيس إلى واقع ملموس.


الرئيس حرص فى ديسمبر من العام الماضى على رعاية مؤسسة الرئاسة لمؤتمر ومعرض القاهرة الدولى للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بل وشارك فى افتتاحه، وتجول فى أجنحة الشركات العالمية العاملة فى مجالات الاتصالات وصناعة الهواتف المحمولة، وقطاع أمن المعلومات، والتعليم الإلكترونى ليعطى رسالة واضحة أن الدولة تركز على هذا القطاع خلال المرحلة المقبلة، وعلى استعداد لتذليل كل الصعوبات والتحديات أمام العاملين فيه، وعدم الاكتفاء بدور المستهلك والمستورد للبرمجيات، والإلكترونيات القادمة من الخارج، وتجسد ذلك الاتجاه فى إطلاق السيسى لمبادرتين للنهوض بصناعة الإلكترونيات والتعليم التكنولوجى، الأولى هى مبادرة «مصر المستقبل» التى تقوم على تصميم وصناعة الإلكترونيات وتشجيع قطاعى شركات النظم الإلكترونية، وخدمات صناعة الإلكترونيات كثيفة العمالة بهدف زيادة العائد الاقتصادى ليصل إلى ثلاثة مليارات دولار خلال ثلاث سنوات، مع توفير فرص العمل وتشغيل الشباب، أما المبادرة الثانية «علماء مصر المستقبل» الخاصة بالتعليم التكنولوجى للشباب المصرى، برفع شعار تدريب وتأهيل الكوادر المصرية الشابة من خريجى الجامعات المصرية، على أن يتم تنفيذها بالشراكة مع كبريات المؤسسات والجامعات العالمية لمنح شهادات معتمدة بالتنسيق مع الجامعات المصرية والشركات العالمية العاملة فى مجال تكنولوجيا المعلومات.


الرئيس تعهد بعزم الدولة على مضاعفة الاستثمار فى هذا القطاع خلال المرحلة المقبلة، لأنه سيحدث طفرة اقتصادية كبيرة، وأن بناء المجتمع الرقمى فى مصر يساهم فى رفع الكفاءة والإنتاجية، ومحاربة الفساد، وتعزيز الشفافية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والاعتماد على الخدمات الرقمية بين المؤسسات والأفراد ومختلف الجهات الحكومية، وتقليل النفقات الحكومية، ودعا كل العاملين فى هذا القطاع الحيوى للنقاش المجتمعى والتعاون مع الحكومة للاتفاق على التشريعات المطلوب إصدارها من أجل عمل طفرة فى هذا القطاع.


لكن الحقيقة المرة أن ما تم على أرض الواقع فى هذا الاتجاه لا يسر عدوا ولا حبيبا، فتعديلات قانون الاتصالات مازالت حبيسة الأدراج رغم انتهاء لجنة التشريعات برئاسة د.عبد الرحمن الصاوى من صيانة القانون منذ سنوات، وحتى جهاز تنظيم الاتصالات المسئول الأول عن مراقبة ومتابعة منظومة الاتصالات يدار من خلال قائم بالأعمال، ويضرب مختلف المهتمين والمنتمين لهذا القطاع أخماسا بأسداس عن اللغز وراء قرار تأجيل تعيين رئيس جديد أو حتى صدور قرار نهائى للمهندس مصطفى عبد الواحد فى إدارة هذا المرفق الحيوى فى وقت يعانى أكثر من ٩٠ مليون مشترك مصرى من سوء خدمات المحمول، وبلطجة الشركات الثلاث فلا خدمة جيدة، ولا تعويضات للمشتركين، ولا التزام بقانون الاتصالات الذى أصبح خارج الخدمة أصلا إلى جانب الأعباء الملقاة على عاتق قيادات الجهاز فى الفترة المقبلة استعدادا لإطلاق مناقصة قريبا لاختيار بيت خبرة عالمى لوضع شروط رخص الاتصالات الجديدة، وتشمل رخص وترددات الجيل الرابع من أجل الدفع بشركة وطنية للمحمول، التى لا يكل وزراء الاتصالات المتعاقبون منذ ثورة ٢٥ يناير عن التبشير بها، لكن كل هذه الوعود والتعهدات تحطمت على صخرة رفض شركات المحمول التى يرى البعض أنها أصبحت أقوى من جهاز الاتصالات بل وحتى الوزارة إلى جانب غموض مصير قوانين وتشريعات مهمة إذا كانت هناك نية لدفع هذا القطاع للأمام منها قانون أمن الفضاء المعلوماتى، والجريمة الإلكترونية، والتوقيع الإلكترونى، والتجارة الإلكترونية، وخدمات الإنترنت تحتاج لثورة كما يطالب الشباب.


الأمر المؤكد أن قيادات قطاع الاتصالات لم يلتزموا بمبادرتى الرئيس السيسى رغم مرور قرابة ٦ أشهر من إعلانها على الملأ وفقا للشواهد الحالية، وإلا فأين خطوات تصميم وتصنيع الالكترونيات محليا؟ وماذا فعلت الوزارة لتأهيل وتخريج المبدعين والمبتكرين؟ وكيف ستزيد العائد الاقتصادى من هذه الصناعة ليصل إلى ٣ مليارات دولار خلال ثلاث سنوات؟ وما عدد فرص العمل الجديدة التى وفرتها فى هذا القطاع؟ وكم عدد الجهات المصنعة للأجهزة والمعدات الإلكترونية التى تم جذبها لإنشاء مناطق صناعية ضخمة؟ وما أوجه مساندة قطاع تصميم الإلكترونيات وتشجيعه على تأسيس شركات تعمل فى مجال الابتكار والإبداع لجذب العقول والكفاءات المصرية العاملة فى هذا المجال والمهاجرة إلى الخارج؟ وهل قامت بتدريب وتأهيل الكوادر المصرية الشابة من خريجى الجامعات المصرية ليصل عدد المستفيدين إلى ٥٠٠٠ متدرب سنويًا باستخدام طريقة التعلم المباشر و١١٠٠٠ متدرب سنويًا باستخدام طريقة التعلم المختلط على أدق التخصصات التكنولوجية الحديثة؟ أين منافذ التدريب على أحدث التقنيات فى مجالات أمن المعلومات، والذكاء الاصطناعى، والأنظمة المدمجة، وتطوير البرمجيات، وتحليل البيانات، كما طالب الرئيس عندما تحدث عن المبادرتين الرئاسيتين؟


لكن المؤكد أن المبادرات، واللقاءات الرئاسية فى الداخل والخارج لصالح قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لن تؤتى ثمارها طالما أننا نفتقد للكفاءات الوطنية فيه، ومن يديرونه تسيطر عليهم الشللية، ولا ينظرون لهذا القطاع كأداة متقدمة استخدمتها العديد من الدول للتنمية والتقدم، ويحكم رؤيتهم منذ ٢٠ عاما مبدأ المصلحة الخاصة والبيزنس من أجل الحصول على مزيد من المكاسب قبل مغادرة المناصب، إنهم فشلوا فى تحويل الشركة المصرية للاتصالات ككيان وطنى إلى شركة تقود السوق المحلى للاتصالات حتى بعد خصخصتها بدعوى فتح الباب لتطويرها، وتركوا المجال لشركات المحمول الثلاث لتسيطر على معدل ٧٥٪ من استثمارات القطاع محليا، وبالتالى أصبحوا يملكون ويحكمون فى الوقت نفسه، ولا تستطيع الوزارة أو جهاز الاتصالات إجبارهم على شىء من ناحية جودة الخدمة أو أسعارها، ويهددون الجانبين عند أى كلام عن طرح شركة رابعة للمحمول، هكذا يقول المهندس محمد أبو قريش رئيس جمعية مهندسى الاتصالات.


ويطالب المهندس أبو قريش بضرورة تدخل رئيس الحكومة المهندس شريف إسماعيل للإسراع فى طرح رخص جديدة للاتصالات تتيح لجميع الشركات العاملة فى السوق تقديم خدمات الثابت والمحمول، لأنها ستكون قبلة الحياة للشركة الوطنية بشرط أن تكون بترددات وليس افتراضيا بحيث تتمكن من تقديم خدمات دمج الثابت مع المحمول بدرجة أسرع من شركات المحمول، فيزيد عدد مشتركيها، وبمرور الوقت تسحب من حصة شركات المحمول المهيمنة على السوق لتعود للوضع الطبيعى، وتسعى إلى تجديد الخدمات شبه المجمدة محليا منذ عام ٢٠٠٠ تقريبا، وإذا تطلب الأمر تشريعات جديدة على أعضاء مجلس النواب وخصوصا لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تبنى هذا الأمر بلا أى تأجيل، ولو فشلت هذه المحاولات لا بديل عن اللجوء إلى الرئيس السيسى ليضع الأمور فى نصابها الصحيح بعيدا عن لوبى أصحاب المصالح داخل القطاع، وما أكثرهم.