على خطى محمد على باشا السيسى يبنى اقتصاد مصر بالمشروعات القومية

01/06/2016 - 1:31:20

تقرير: بسمة أبو العزم

شهد الاقتصاد المصرى حالة من الانهيار منذ ثورة يناير، فتحولت مصر التى وصفها سيدنا يوسف عليه السلام بـ«خزائن الأرض» إلى دولة تنتظر المساعدات العربية لتبتعد -ولو قليلاً- عن شبح الإفلاس، لكن على مدار العامين الماضيين ومع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى تغيرت الرؤية الاقتصادية، لأنه رئيس من طراز خاص ينظر إلى المستقبل، فهو يسير على خطى ونهج محمد على باشا الذى بنى الدولة الحديثة، متجها نحو إقامة العشرات من المشروعات القومية فى ظل استمرار تحديات أزمة نقص العملة الصعبة وانفلات سعر صرف الدولار ومعها أسعار كافة السلع فى الأسواق.


بتحليل الوضع الاقتصادى خلال العامين الماضيين نجد مجموعة من القرارت الجريئة التى اتخذها الرئيس لإيقاف النزيف الاقتصادى بالرغم من صعوبتها على الفقراء ومحدودى الدخل، فهو أول رئيس جمهورية اقترب من الدعم وأعاد هيكلته، فعلى مدار عشرات السنوات طالب الخبراء بالاتجاه نحو الدعم النقدى، لكن عزفت الحكومات السابقة عن خفض الدعم خوفاً من الغضب الشعبى والاضطرابات الاجتماعية المحتملة، لكن السيسى قرر أن يتحمل المخاطرة من أجل مصلحة البلد، وبالفعل تم خفض دعم الوقود بمعدل ٤٠ مليار جنيه، كذلك تم زيادة أسعار الكهرباء كجزء من إلغاء دعم الطاقة على مدار خمس سنوات، وفى المقابل تحسنت خدمات الكهرباء، فتم وضع خطة طوارئ ساهمت فى انتهاء الصيف الماضى دون انقطاع للتيار الكهربائى، ووفقا لتصريحات محمد شاكر وزير الكهرباء لم يتم تخفيف أحمال على الإطلاق منذ يوليو ٢٠١٥ وهو أمر غير مسبوق، فقبل ذلك كان متوسط تخفيف الأحمال يصل أحيانا إلى ٦ آلاف ميجا ٢٠١٤ بما كان سببا فى انقطاع التيار الكهربائى المستمر، وتم توقيع عدة اتفاقيات لمعالجة أزمة الطاقة مع كل من سيمنس الألمانية وبريتش بتروليم وجنرال إلكتريك وانسالدو الإيطالية وأوراسكوم المصرية لتنفيذ عدد من محطات إنتاج الكهرباء لإضافة قدرات جديدة للشبكات تبلغ ٣ آلاف و٦٣٢ ميجاوات، وذلك تنفيذا للخطة العاجلة لتوفير الكهرباء للمصريين.


أيضا تم تغيير منظومة السلع التموينية لتقترب من نظام الدعم النقدى فأصبح من حق كل مواطن دعم سلعى بقيمة ١٥ جنيها شهريا يشترى من خلاله السلع بالسعر الحر من خلال بطاقات التموين الذكية، وهو الأمر الذى لاقى ترحيباً من المواطنين وزاد هذا الترحيب عندما قرر الرئيس زيادة حصة المواطن بنسبة ٢٠٪ لمواجهة غلاء الأسعار، أيضا تم تطبيق منظومة الخبز الجديدة بمنح كل مواطن خمسة أرغفة يوميا على بطاقة التموين مع الحصول على فارق نقاط الخبز، وبفضل تلك الخطوة انتهت طوابير الخبز من مصر نهائيا وأصبح من حق المواطن الحصول على سلع بقيمة ست مليارات جنيه فارق شراء الخبز، وتأكيدا على نجاح منظومة الدعم فى شكلها الجديد قام البنك الدولى بتكريم وزير التموين والتجارة الداخلية، مع وضع منظومتى السلع التموينية والخبز فى أدبيات البنك لتستعين بها دول أخرى.


وعلى خلفية إصلاح الدعم وتقليصه خلال العام الأول من حكم الرئيس شهد الاقتصاد المصرى تغيرات إيجابية مهمة منها انخفاض العجز فى الموازنة العامة للدولة، كما ارتفعت معدلات النمو بدلا من ٢،٢ بالمائة ٢٠١٣ لتسجل حاليا ٤ بالمائة، ووفقا لتصريحات وزير التخطيط أشرف العربى فإن مصر تستهدف الوصول إلى ٦ بالمائة بحلول العام المالى «٢٠١٨ -٢٠١٩».


يعد المؤتمر الاقتصادى بشرم الشيخ أكبر حدث حضره مشاركون من ١١٢ دولة و٣٠ من كبار المسئولين بالدول العربية والأوربية حصلت مصر فيه على منح بنحو ١٢ مليار دولار وهى المكسب الأساسى من المؤتمر أما عن الاستثمارات فجاءت أغلبها على هيئة وعود وبروتوكولات تعاون نفذ بعضها مثل عقود الكهرباء، بينما تعهدات أخرى مازالت تحت التنفيذ أو مؤجلة بسبب نقص الحوافز للمستثمرين، وهو ما يفرض على الرئيس تكليف الحكومة مع بداية العام الثالث بمتابعة تلك الاتفاقيات والسعى نحو دخولها حيز التطبيق العملى لأنها ستحقق فارقاً اقتصادياً مهماً لمصر.


ولا ينكر أحد أنه كان للمساعدات الخليجية دور كبير على مدار العامين الماضيين فقد قامت كل من السعودية والإمارات والكويت بمنح مصر ما يقرب من ٣٥ مليار دولار فى صورة شحنات نفطية ومنح نقدية وودائع بالبنك المركزى منذ عزل محمد مرسى، وبالطبع لعبت تلك الأموال دورا قويا فى الحفاظ على استقرار الوضع الاقتصادى وتجنب أزمة حادة فى النقد الأجنبى تمنعنا من سداد أقساط الديون الخارجية وبالتالى إشهار إفلاسنا، ونظرا لغضب الإخوان من الدعم الخليجى لمصر تم بث تسريبات ملفقة على قنوات مناهضة للنظام السياسى المصرى كان هدفها الوقيعة بين مصر ودول الخليج، لكن تلك الألاعيب لم تنطل على الأشقاء العرب ومازال التدعيم قائما وتمثل أبرزه وأحدثه فى القرار السعودى بمد مصر بالبترول لمدة خمس سنوات، وكذلك الدعم الإماراتى الذى تمثل فى ٤ مليارات دولار نصفهم استثمارات والنصف الآخر وديعة تضاف إلى الاحتياطى النقدى.


رؤية الرئيس السيسى الاقتصادية تعتمد على المشروعات القومية العملاقة وأبرزها مشروع قناة السويس الجديدة، حيث وقع الرئيس وثيقة الحفر ٥ أغسطس ٢٠١٤ وألزم منفذى المشروع بالانتهاء منه بعد عام واحد فقط بدلا من ثلاث سنوات، وبالفعل طرحت الحكومة شهادات استثمار قناة السويس بعائد ١٢ بالمئة لمدة خمس سنوات، وبفضل إردة المصريين وثقتهم فى القيادة جمعوا ٦٤ مليار جنيه فى ثمانية أيام فقط، وتم الانتهاء من المشروع فى الموعد المحدد والذى كان من شأنه تخفيض زمن انتظار السفن عند عبورها القناه إلى ثلاث ساعات بدلا من ١١ ساعة، مما يعمل على زيادة عدد السفن العابرة لتزيد إيرادات القناة بنحو ٤،٧ مليار دولار إضافية.


النهوض الاقتصادى مرهون بتحقيق الاكتفاء من الإنتاج الزراعى والغذاء وهذا ما فطن إليه الرئيس، لذا جاءت أهمية مشروع المليون ونصف المليون فدان الذى أطلقه الرئيس عبدالفتاح السيسى من الفرافرة ديسمبر ٢٠١٥، وتم تحديد ثلاث فئات للسكن والتملك بها أولا شباب الخريجين بنسبة ٢٥ بالمائة من المشروع ليحصل كل شاب على خمسة أفدنة، وهناك صغار المستثمرين وحصة الفرد من ألف إلى عشرة آلاف فدان، والفئة الثالثة كبار المستثمرين، وبالفعل تم حصد القمح من ١٠ آلاف فدان ضمن المشروع بمنطقة الفرافرة.


ولايمكن نسيان مشروع جبل الجلالة، والمشروع تشرف عليه القوات المسلحة، فالمدينة مقامة على مساحة ١٧ ألف فدان أعلى هضبة الجلالة وتضم العديد من المشروعات السياحية والخدمية، كذلك إقامة جامعة الملك عبد الله، فضلا عن إقامة أول قرية أولمبية لٌإقامة الفعاليات الرياضية للدولة، كما تطل المدينة على منتجع الجلالة السياحى الذى يقع على مساحة ألف فدان، وما بين المدينة والمنتجع ينطلق الطريق الممتد عبر ١٧ كيلو مترا وخط تليفريك مميز بطول ست كيلو مترات.


هناك أيضا المشروع النووى والذى شهد شهر نوفمبر ٢٠١٥ توقيع عدة اتفاقيات مع الجانب االروسى من أجل تحقيقه وإنشاء محطة الطاقة النووية بالضبعة ويتضمن المشروع إنشاء أربعة مفاعلات نووية للأغراض السلمية تنتج ٤آلاف و٨٠٠ ميجاوات يتم الانتهاء من أول اثنتين بعد ٩ سنوات بينما يفتتح المفاعلان الثالث والرابع فى السنة العاشرة والحادية عشرة.


ومن المفاجآت الاقتصادية السارة على مدار العامين الماضيين اكتشاف أكبر حقل للغاز الطبيعى قبالة السواحل المصرية شرق البحر المتوسط، حيث تبلغ مساحته ١٠٠ كيلو متر مربع، ويحتوى وفقا للتوقعات على نحو ٣٠ تريليون قدم مكعب، بما يعيد صياغة منظومة الطاقة فى مصر.


وسعيا لتوفير المزيد من فرص العمل تم الإعلان عن مبادرة البنك المركزى لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة بنحو ٢٠٠ مليار جنيه من خلال قروض لا تتجاوز نسبة الفائدة بها أكثر من ٥ بالمائة، أيضا مبادرة «مشروعك» ، و«جمعيتى» لتشغيل الشباب.


ولا يمكن إغفال أهمية تطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور، حيث استفاد نحو ٤،٩ مليون موظف من ارتفاع أجورهم إلى ١٢٠٠ جنيه شهريا، فى حين توقف الحد الأقصى عند حد ٣٥ ضعف الحد الأدنى.


الاسترسال فى سرد المزايا الاقتصادية على مدار العامين الماضيين لايعنى أن مصر لم تعد تعانى، للأسف هناك عوامل خانقة للاقتصاد لم يستطع السيسى محاربتها على مدار عامين بسبب المؤامرات التى تدار ضد مصر خارجياً وداخلياً بهدف إسقاطها وإفشال السيسى نفسه، فبالرغم من إقامة العديد من المشروعات القومية والتفاؤل بتحسن مستقبلى للوضع الاقتصادى، إلا أن أزمة نقص موارد النقد الأجنبى تتفاقم وتهدد كافة إنجازات الرئيس، فعلى مدار العامين الماضيين ازدادت شراسة السوق السوداء لتجارة العملة، فانتهت كافة محاولات محافظ البنك المركزى السابق هشام رامز ومن بعده طارق عامر لكبح جماح الدولار ومحاولة القضاء على السوق السوداء وتوحيد السعر بالفشل؛ نظرا لتناقص موارد النقد الأجنبى، سواء القادمة من السياحة أو نقص الاستثمار الأجنبى أو تحويلات المصريين بالخارج، فى ظل زيادة الطلب على الدولار للاستيراد، فقبل تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الحكم كان سعر الدولار ٦٫٩ جنيه إبريل ٢٠١٤، واستمر السعر الرسمى فى الارتفاع حتى وصل إلى ٨،٨ جنيه، أما السوق السوداء فهى تقترب من ١١ جنيها، وبالطبع هناك حرب يقودها الإخوان بخلق المزيد من الاختناق بتجميع العملة الصعبة فى الخارج ومنع دخولها البلاد، وبالفعل نجحت خطتهم ونتيجة لذلك، خفضت منذ بضعة أسابيع وكالة “ ستاندر أند بورز” التصنيف الائتمانى السيادى طويل ا لأجل لمصر إلى سلبى بعدما كان مستقرا، وجاء فى بيان الوكالة بأن النظرة السلبية تعكس توقعات بهشاشة الوضع المالى فى مصر خلال الـ ١٢ شهرا القادمة.


أيضا التحدى الاقتصادى الأكبر والذى حرم محدودى الدخل من الشعور بعائد التحسن الاقتصادى هو ارتفاع معدلات التضخم والتى ارتفعت من٦٫٩ بالمائة عام ٢٠١٣ قبل تولى السيسى مع توقعات باقترابها من نسبة ١١ بالمائة نهاية العام الجارى. وبالطبع أزمة الدولار أثرت بقوة على الأسعار، خاصة أن أغلب السلع يتم استيرادها من الخارج، كذلك القرارات الأخيرة الخاصة بتحجيم الاستيراد، أيضا ارتفع إجمالى الدين متجاوزا ٩٠ بالمائة من الناتج الإجمالى المحلى بما يشكل عبئا إضافيا على الاقتصاد.


وبناء عليه يبدأ الرئيس عامه الثالث بمجموعة تحديات اقتصادية يجب مواجهتها بالتعاون مع الحكومة، وعلى رأسها أزمة النقد الأجنبى والأسعار ليشعر الفقراء ومحدودو الدخل بآثار التحسن الاقتصادى، لكن كما يؤكد كل خبراء الاقتصاد فالسيسى «قد المسئولية» ويستطيع مواجهة التحديات بشرط أن يلتف حوله الجميع وأن يزيد من مساحة مستشاريه وينوع فى الخبرات التى يستعين بها.