بعد سنتين من انتخابه.. هل تحقق مبادرة الرئيس أمن واستقرار الشرق الأوسط؟

01/06/2016 - 12:42:09

لواء أح دكتور: مصطفى كامل

بعـد حوالى سنتين من انتخابـه رئيسا لمصر، وبهدوئه المعتاد، وثقته المعهودة، وأدبـه الجم الذى لا يختـلف عـليه أحد، طرح الرئيس مبادرته التى اتسمت برؤية واقعـية، وتميـزت بالدقة والتحديد والوضوح، وتهدف إلى تحقيق أمن وسلامة واستقرار النسق الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط، باعـتباره النسق الذى يشهـد متغيـرات وتحولات مُؤثرة على المعادلتيـن الدوليـة والإقليمية على حـد سواء، حيث يُعـتبـر أكثـر الأنساق الإقليمية أهـميـة، بحكم موقعه الجيوستراتيجى الفريد، وبحكم احتوائـه على أهـم مسطحات ومضايق وممرات مائية، واحـتـوائـه على مصالح متشابكة متعارضة للقـوى العـظمى والكبـرى والكيانـات الاقتصادية العـملاقة، حتى غـدا وكأنه بـؤرة تركيــز ومحـط أنظـار هـذه القـوى وتلك الكيانـات على مـر التـاريــخ، ومسرح لنشاطها وتفاعـلاتــها، حتى أصبح ولا يـزال يُمثـل حجـر الزاوية فى بنيان استراتيجيات القوى العالمية والإقليمية التى نشأت على مر التاريخ.


وبالرغم من هذه الأهمية إلا أنه يضم دولا متـنـافـرة تموج بكثير من المشكلات والصراعات، فأصبح يعج بكثير من المتناقضات، فافتقـرت دوله إلى عـوامل التقـدم إلا قليلا، وتتمثل قمة تناقضه عـندما تلتقى فيه مصالح الدول العـظمى والكبرى والكيانات العملاقة، بينما تتفرق فيه مصالح دولـه، حيث تتعـدد فيه الأجناس والأعراق ( سامى – حامى – آرى ...إلخ )، وتختلف فيه القوميات (القومية العـربية، الفارسية، التركية، الحبشية، الكردية، الدرزية...إلخ ) وتتنوع فيه الحضارات واللغات والثقافات والأديان ( يهودية – مسيحية – إسلام ـ أزيدية ـ بهائية ـ وأديان أخرى غـير سماوية)، بل وتعـدد الطوائف والملل والنحل داخل الدين الواحد، وقـد أدت كل هذه المتناقضات إلى نشأة علاقات تنافسية وتصارعـية بين كثيـر من دوله، الأمر الذى أدى إلى تخلفها إلا قليلا من دوله، إلى الحد الذى لم تشهد فيه مجتمعات دوله تقدما حقـيقيـا فى جميع المجالات، كما أصبحت هذه المتناقضات فى الوقت الراهـن سبـبـا فى التمهـيـد لتأجيـج صراعات عرقية ودينية ومذهبية وطائفية ( سنة، شيعة، أقباط، مسلمون، يهود،عرب، فرس، أتراك، أكراد،أحباش، أرمن، وأقليات عـديدة ... إلخ )


أما المحتوى الفكرى للمبادرة فيتضمن حل القضية الفلسطينية التى كانت سببا رئيسيا فى تأجيج الصراع العـربى الإسرائيلى على أساس حل الدولتين، التى نادى بها الرئيس الأمريكى أوباما الذى وعـد العالم بولايات متحدة جديـدة، ووعـد العالم الإسلامى بفجر وشيك، ووعـد العالم العـربى بعلاقات يسودها الاحترام المتبادل، ووعد الفلسطينيين بحل الدولتين، وعـد الجميع بكل شىء، لكنه لم يعـط أحدا أى شىء، وأخـذ يدعـم دولة الشتات، ويقف حائلا دون تحـقـيـق دولة الـفـتـات حلم الفلسطينيين الدائم، فأصبح القائـد السياسى الأكثـر فشلا فى قيادة أقوى دولة فى العالم، كما أن فرنسا قـد طرحت مبادرة أخرى ودعت الأطراف إلى الاجتماع فى باريس فى ٣ يونيه القادم، رفضها رئيس الوزراء الإسرائيـلى تحت زعم أن المبادرة الفرنسية تتهم إسرائيل بعـدم الحيادية، وأنه يُـفـضل لقاء الرئيس الفلسطينى بباريس، هكذا لاقت مبادرة الرئيس المصرى ترحيبا كبيرا من جميع الأطراف، فهى تدعو الفلسطينيين والإسرائيلييـن على حد سواء إلى بذل الجهود المخلصة والجادة لإيجاد حل للقضية التى تسببت فى إحداث التوتـر واتسمت بالحساسية والتعـقيـد، ليسود الاستقرار والأمن المتكافئ المنطقة بأسرها، لتهيئة أنسب الظروف لإحداث التنمية الشاملة للجميع، وأن حل الدولتين هو الحل العادل والشامل والأكثـر رشدا وحكمة لتحقيـق الاستقرار والأمن المفقودين فى المنطقة، حتى ولو كان هذا الحل بضمانات محددة، ومصر يمكنها أن تلعب دورا محوريا لمساعـدة أطراف القضية لتحقيق هذا الحل، وفى هذا السياق فـقـد صرح بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل أنه يسعى إلى تشكيل حكومة موسعة، تكون قادرة على مواصلة السعى لإجراء مسيرة سياسية مع الفلسطينيين بمساعدة أطراف إقـليميـة.


وبالدراسة المتأنية والتحليل الدقـيـق لمبادرة القائد السياسى المصـرى يمكن أن نخلص إلى كثير من الحقائق أبرزها الحقائق التالية :


الحقيقة الأولى تشير إلى أن هذه المبادرة تُعـتبـر هى الأولى من نوعها التى يطرحها رئيس مصرى بهـذا الوضوح والدقة والتحديـد، وأنها تهدف إلى تحريـك القضية الفلسطينية، وانتشالها من حالة الجمود والنسيان، ووضع نهاية للصراع العـربى الإسرائيلى المزمن، وتحقيـق سلام عادل وشامل ودائم، يضمن الأمن المتكافئ والاستقرار الكامل فى المنطقة، وأن مصر مؤهلة لمساعـدة الطرفين الفلسطينى والإسرائيلى بحكم مكانتها ومسئوليتها التاريخية والقيمية والقومية.


أما الحقيقة الثانية فتشيـر إلى أن بنيان هذه المبادرة ومحتواها الفكرى يتسقان اتساقا كاملا مع مفهوم مبادرات الفعـل فى أدبيات العلوم السياسية، فهى تُعـبـر عن رؤية مـصــــر للحل المتوازن والمتكافئ الذى يراعى مصالح جميع الأطراف فى تكافـؤ تام، من خلال إحداث التفاهم الكامل بين جميع الأطراف على اتفاقات إجرائية تؤسس وتضمن تحقيق الهدف النهائى منها، والاتفاق على تشكيل مجموعـة عـمل على أعلى مستوى تضم داخلها ممثلى جميع الأطراف، للتخطيط الدقيق لأفضل أسلوب لتحقيق الأهداف المنشودة من هذه المبادرة، وتحديـد آليات وأدوات تنفيذها، على أن تكون هذه التفاهمات والاتفاقات المؤسسية والإجرائية ملـزمة لجميع الأطراف للتوصل للحل المتوازن الذى يراعى مصالح الجميع فى تكافـؤ تـام، مع ربطها بجداول زمنية محددة.


وتشير الحقيقة الثالثة إلى أن القضية الفلسطينية كانت وما زالت تحتل أسبقية متقدمة فى قائمة أولويات مصر، باعتبارها القضية المركزية والمحورية التى تتمحور حولها علاقات الفعل ورد الفعـل بين إسرائيل ومحيطها المباشر من دول العالم العربى الذى يُعـتبر المكون الرئيسى للنسق الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط، وهى القضية التى إذا تم تسويتها على أساس عادل وشامل ودائم لأمكن تحقيق الأمن والسلام الأقليميين، وتغيـرت العلاقات الدولية من صيغتها التصارعية إلى علاقات ذات صيغة تعاونية، وأمكن تحقيق الاستقرار المفقود منذ ما يقرب من سبعين سنة مرت على دول المنطقة فى توتر كامل.


أما الحقيقة الرابعة فتـشيـر إلى أن مصر قـد استردت عافيتها، واستطاعت أن تستعـيـد كثيرا من توازن مكانتها التى فقدتها إبان عام الظلام الذى استولت فيه الجماعة الإرهابية على حكم مصـر، بينما جنت القوى الإقليمية غـيـر العربية خاصة تركيا وإيران مزيـدا من مكاسب تداعيات نظام حكم الجماعة الإرهابية لصالح تحقيق مشروعاتها القومية فى المنطقة، إذ تؤكد تصريحات الرئيس أثناء طرح مبادرته الدور الريادى المصرى فى نسقها الإقليمى والدولى بعـد ردود الأفعال الإيجابية ومن خلال التعاطى الفورى للمحتوى الفكرى للمبادرة والترحيب الكبيـر بها إقليميا ودوليا.


فى يقينى أن تصريحات الرئيس فى لقائه الذى طرح فيه المبادرة، تحمل فى طياتها رسائل غاية فى الأهمية والصراحة والوضوح لجميع القوى العربية وغيـر العربية فى النسق الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط التى تمر بلحظات فارقة عبر تاريخها لإعادة رسم خريطته السياسية، وإن الحاجة الاستراتيجية الملحة تفرض على الجميع التكاتف والتلاحم لتحقيق الأمن الإقليمى المتكافئ بما يكفل تحقـيـق الاستقرار اللازم للبناء والتعمير والتنمية والتقدم، أما الرسالة التى أراد الرئيس أن يُوجهها إلى الفلسطينيين فهى ضرورة نبـذ الخلافات بين الفصائل الفلسطينـيـة خاصـة الفـصيليـن الرئيسييـن ( منظمة التحريـر الفلسطينيـة «فتح»، وحركة المقاومة الإسلامية «حماس»)، إذ يؤدى استمرار فى هذا الخلاف إلى مزيـد من الانقسام، وإلى مزيـد من عـدم اكتراث الآخرين بالقضية الفلسطينية، بل ربما تؤدى إلى مزيـد من التراجع والجمود، وربما أيضا إلى تهيئة أنسب الظروف لضم مزيـد من الأراضى العـربية لإسرائيل، خاصة بعـد قيام الكنيست الإسرائيلى بالموافقة على قانون فرض الطابع اليهودى على الدولة العبرية، وقانون قسم الولاء للدولة اليهودية ولرموزها، ثم قيام نتنياهو بعـقـد اجتماع مجلس وزراء إسرائيل على هضبة الجولان وتصريحه بضمها لإسرائيل إلى الأبـد وعـدم عودتها لسوريا مرة أخرى.


أما الرسالة التى أراد الرئيس توجيهها إلى إسرائيل ضمنا فهى أن التوجه الجيوبوليتيكى الجائـر، وممارسة سياسة التوسع بالاستيلاء على أراضى الغـيـر فى سيناء، والجولان، والضفـــة الغـربية، للوصول إلى أقـصى حدود آمنة، فلن تحقق لها الأمن والسلام والاستقرار، ذلك لأن قدراتها الشاملة لن تمكنها من تحقيق ذلك حتى لو كان ذلك على المدى البعيـد، لأنها ستظل تحمل فى جسدها ضعـفا شديـدا يتمثل فى كتلتها الحيوية ( مساحة الإقليم وعدد السكان )، حيث يشكل طول حدودها بالنسبة لضيق مساحتها وصغـرعمقها وضآلة حجم سكانها خللا فى معادلتها الاستراتيجية، كما يتعـيـن عليها أن تدرك أنه لا جدوى من الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها لضمان أمنها وضمان بقائها فى قلب المنطقة، وأن مسيـرة التسوية تحت المظلة الأمريكية وحدها تعـتبـر ضمانة غير كافية ولا جدوى منها، خاصة عـنـد أفول نجمها وصعود قوى عالمية أخرى، فإن أرادت إسرائيل أمنا وسلاما حقيقيين فعليها إدراك أن للسلام أطرافا، ينبغى الاتفاق معها أولا على أسس متوازنة ومتكافئة تضمن أمن وسلامة الجميع، وتصلح لأن تكون إعلان مبادئ لصيانة السلام حسبما تقتضيه المصلحة الإقليمية دون تـغـليب مصلحة قـطرية على أخرى .


ولإنجاح هذه المبادرة فعلى جميع الأطراف أن تدرك الأهمية الجيوستراتيجية لمنطقتهم، خاصة بعـد أن تعاظمت أدوار التكلات السياسية والاقتصادية فى العالم (الاتحاد الأوربى ـ النافـتـا ـ الأسيان ـ النمور الآسيوية السبع ـ البركس) فضلا عـن الولايات المتحدة، والصين، واليابان تعـتبر تكتلات قائمة بذاتها، وأن هذه التكتلات تطل جميعـها على المحيطات الهندى والهادى، وأن جميع هذه التكتلات ترتكز على منطقة الشرق الأوسط لتحقيق مصالح استراتيجية (أمنية أوعسكرية أو اقتصادية أو اجتماعـية)، فالتكتلات الآسيوية تعـتبـر المنطقة امتدادا طبـيعـيـا لها، وأن أمنها يـبـدأ من عـنـدها، وتعـتبرها أيضا أسواقا مفتوحة متاخمة لها، وأن هذه الأسواق يُمكنها استيعاب منتجاتها المطلوب تصريفها كانعكاس صريح للفجوة التكنولوجية الواسعة بينهما، كما أن الاتحاد الأوربى يرتكـزعلى المنطقة العـربية المكون الرئيسى للشرق الأوسط، إذ يستند الأمن الجماعى الأوربى عـلى دول شمال إفريقيا التى تُشكل عـمقا استراتيجيا للاتحاد، وعليها ثانيا إدراك أن منطقة الشرق الأوسط تصلح لأن تكون تكتلا سياسيا واقتصاديا قائما بذاته، وتكون نموذجا لإطار إقليمى تفاعلى مميـز، يمكن أن يحـقـق قـدرا كبـيـرا من الاعـتماد المتبادل بين وحداتـه، بما يضمن إحداث نمو حـقـيـقـى وازدهار كبير لجمـيع دوله ما إذا خلصت النوايا وأحسن استغلال موارده وثرواته، بالتعـاون الوثـيق بين جميع دوله، ولذك فإنه يلزم الاتفاق على مفهوم موحد للأمن الإقليمى، وفى تصورى أن هذا المفهوم لا بـد وأن يستنـد إلى قـناعة جميع الأطراف دون استثناء، كى يتم التوصل إلى حلول متكافئة بحيث تضمن حقوق ومصالح الجميع فى تكافؤ تام وتوازن دقيق . وصفوة القول فإن ما يدعـو إليه الرئيس فى مبادرته تُعتبر دعـوة خالصة لإحداث الاستقرار اللازم لتعـزيـز فرص السلام، وإتاحة الفرصة الحقيقية لإحداث التنمية الشاملة لجميع وحدات النسق الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط، فإذا أريـد لهذا النسق أن يعـيش فى سلام حقيقى داخل إطار تفاعـلى مميـز يهـنـأ فيه الجميع بالاستقرار والأمن المتكافئ، فعـليه بجميع وحداتـه التوصل إلى قـناعة كاملة بجدوى هذه المبادرة أنها ترعى المصالح المشتركة والمتبادلة، وأن يسعى الجميع إلى تحقيق التعاون والتكامل على نحو متكافئ بدلا من التنافر واللاتعاون، التعاون الحقيقى القائم على تحقيق المصالح المشتركة بشكل يضمن ويصون الحقوق، ولعـل تغـييرا من هذا القبيل يتطلب استعـدادا فكريا مختلفا ومنظورا جديـدا لتناول الأمور، وإدراكا واعـيا لتحليل الواقع والتنبؤ باحتمالات المستقبل، إذ سيظل النسق الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط عـرضة للاضطراب وعـدم الاستقرار، وربما سيظل كذلك دوما مرهونا بإحداث مثل هذا التغـيير وتحقيق هدف هذه المبادرة.. والله من وراء القصد، وهو يهدى السبيل