الأعمدة السبعة للأمن القومى المصرى

01/06/2016 - 12:33:37

بقلم - سفير د. رضا شحاتة

حماية الأمن القومى سواء من منظوره الداخلى أو الإقليمى كان ولم يزل هو الهدف الأسمى الذى حرص عليه قادة مصر منذ ثورة يوليو ١٩٥٢، حتى انتفاضة الشعب فى الثلاثين من يونيه ٢٠١٣، حفاظاً على حدود الدولة ووحدة إقليمها وسيادتها واستقلالها وحرية إرادتها، خاض قادة مصر سواء الحروب أو المواجهات السياسية والعسكرية ردعاً للعدوان والأطماع ، ودفاعاً عن قضايا الأمة العربية التى هى المحيط الطبيعى والجيو سياسى بالمفهومين العسكرى والاقتصادى لحركة الدولة والشعب المصرى منذ فجر التاريخ.


وليس قائد مصر الآن ورئيسها عبد الفتاح السيسى استثناء على هذه القاعدة بل لعل سنوات حكمه من ٢٠١٤ – ٢٠١٦ هى الدليل والشاهد الحى على حقيقة هذه المقولة بكل بساطتها وكل معانيها وآثارها العملية فالأمن القومى المصرى بكل عناصره وأبعاده التى تتحدد من المنظور الاستراتيجى على الأمدين القصير والبعيد يدور دائماً حول الحفاظ والضمان الأكيد لأعمدة الأمن السبعة أولها الاستقرار السياسى والاجتماعى ، وثانيها وحدة الإقليم وسلامة الأراضى، وثالثها القوة الاقتصادية ورابعها التكافل أو التضامن الاجتماعى والاقتصادى، أما العمود الخامس ضمن أعمدة الأمن القومى السبعة فيتمثل فى تحقيق التوازن بين إقليم جغرافى مثل مصر يغلب عليه طوبوغرافيا الصحراء شرقاً وغرباً وفى الشمال الشرقى وندرة فى المصادر الأولية، والمائية، فكان الحفاظ على عنصر التوازن البيئى بين عنصرى السكان والديموغرافيا وبين الجغرافيا (الطبيعية والاقتصادية ) المتميزة لمصر خاصة فى ضوء الانفجار السكانى كأحد مهددات النمو الاقتصادى بل والاستقرار الاجتماعى للشعب والاستقرار السياسى للدولة من خلال استراتيجيات وسياسات التنمية المستدامة المتكاملة والعدالة الاجتماعية.


تظل الدعامة السادسة التى تشارك كل مؤسسات الدولة ـ مع الرئيس السيسى فى تأمينها والحفاظ عليها هى التمسح والتوحد أو التراث الثقافى الحضارى لمصر بروافده التاريخية من حضارات إسلامية ومسيحية بل ومن قبلها حضارات يونانية ولاتينية استوعبت فيها حضارة المتوسط وثقافته وسادها التآخى والتعايش والتآذر فى كافة معارك حماية الدولة فى مواجهات تاريخية مع أوربا فى الصليبية، أو أوربا الاستعمارية، أو توغلات الإمبراطورية العثمانية ، فحافظت مصر دائما على طابعها الحضارى والثقافى ومنظومة القيم المصرية الموروثة من تسامح واعتدال وتوافق دون تمييز أو تفرقة عرقية أو طبقية أو مذهبية .


هذا النموذج التوافقى الحضارى المتفرد بين أقاليم العالم، من الأولويات العليا للقيادة السياسية التى يتولاها الرئيس السيسى تدرأ عنه الخطر ومحاولات التشويه والتمزيق والتحريف خاصة فى ظل تهديدات الأيديولوجيات الموغلة فى التطرف والداعية للعنف منذ سنوات، فشاركت مصر بقوتها المادية والناعمة سواء من خلال الأزهر الشريف أو الائتلافات العسكرية العربية والدولية دفاعاً عن إحدى المقومات والدعائم والأعمدة الأساسية أو ربما بتعبير أدق البنية الأساسية للأمن القومى المصرى.


أما الدعامة السابعة ضمن دعامات الأمن القومى المصرى تبقى دائماً ودون شك هى صياغة علاقات تقوم على تحقيق الأمن والسلام والاستقرار فى الإقليم من خلال التوصل لحسم النزاعات أو ما يسمى باللغة الاستراتيجية «العدائيات»التى تتعرض لها الدولة ويظل هذا الحسم دائما هو ما لجأت إليه قيادات مصر التاريخية، وليس الرئيس السيسى مرة ثانية باستثناء فى هذا السياق، من خلال خيارات الحرب ـ إذا فرضته الضرورات التاريخية (حرب ١٩٧٣م) وخيارات السلام (مبادرة السلام المصرية التاريخية التى فرضتها موازين العلاقات الدولية عام ١٩٧٧م) وما أعقبها من إطار السلام فى الشرق الأوسط(١٩٧٨).


وتتويج هذه الخيارات بالحرب والسلام لحسم الصراع التاريخى العربى الإسرائيلى، باتفاقية السلام مع إسرائيل ١٩٧٩ .


فى الوقت نفسه، لابد من القول إن استراتيجية الأمن القومى المصرى اليوم بل ومن قبل للحقيقة التاريخية ظلت ويمثلها أقوى تمثيل اليوم الرئيس السيسى هى الرفض القاطع لكل محاولات الإملاء والسيطرة وفرض الإرادة الخارجية أو التدخل من خلال أى ذريعة تحت مسميات وذرائع أضحت مكشوفة عارية لاستغلالها كأدوات للضغوط والعقاب أحياناً (وقف وتخفيض وأحياناً قطع المساعدات) مثل ادعاءات الحفاظ على حقوق الإنسان وتطبيقات الديمقراطية بالمفاهيم والأساليب الغربية بهدف فتح ثغرة فى جدار «التماسك الوطنى» لجماعات دينية تنتمى للفكر الفاشى تتاجر بالدين لأهداف سياسية للتقفز على الحكم لخدمة أهداف لا علاقة لها بالوطن ولا بالدولة ولا بمصالح الشعب خاصة والمصالح الحيوية للدولة القومية بشكل عام تحت ما يسمى « بالاحتواء والادماج» لجماعات جوهرها الفكرى والمادى لا يخرج عن دائرة العنف والإرهاب.


حماية الأمن القومى المصرى من خلال الاستراتيجيات والسياسات ثم الخطط والبرامج التى يطبقها الرئيس السيسى بأسلوب منهجى وعلمى لافت للنظر تمثل تطبيقاً دقيقاً لسياسة المواجهة الردع لمصادر وأخطار كثيرة تطرح تهديداً للأمن القومى المصرى، أولها دون شك مصادر التهديد الداخلية ولا نفاجأ مثلاً عندما نلمس أن مصدر التهديد الأخطر الذى يكثف الرئيس سياسته لحصاره وتصفيته هو ظاهرة الإرهاب وفكر العنف والتطرف باسم الدين التى تنتشر انتشار الخلية السرطانية وسط بيئة اقتصادية واجتماعية متدهورة ، وفساد استشرى فى جسد الوطن، وخلل شديد التأثير ما بين الانفجار السكانى وتراجع النمو الاقتصادى، وتدهور بيئى عشوائى، فرض على الدولة كلها بمؤسساته الأمنية والعسكرية خوض حرب مستمرة، عبر خريطة مصر، فى شبه جزيرة سيناء حيث مخابئ وكمائن وملاذات المتسللين من تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية من وراء الحدود ، إلى الدلتا والصعيد، بما فرض ما يشبه حربا أشبه بحرب المدن أو حرب الضواحى والهوامش» هذا البعد هو الأكثر وضوحاً من حيث آثاره المباشرة على أمن المجتمع كله، تصدى له الرئيس السيسى استراتيجية متعددة الأبعاد من خلال عمليات عسكرية رادعة ثأرية (أطلق عليها حق الشهيد» ومداهمات أمنية شمالاً وجنوباً فى عمليات استباقية بطولية، .


ـ ومع أن مسارح هذه العمليات العسكرية سواء فى محافظة شمال سيناء أم فى الجيزة وجنوب القاهرة أم داخل أهم مدن مصر، مع أنها مسارح التضحية والاستشهاد، فإن مسارح أخرى هى خوض حرب أفكار وقائية لتحقيق الأمن الفكرى والثقافى لمقاومة الفكر المتطرف وأيديولوجيته المستمدة من تفسيرات مشوهة وتحريفات مقصودة للقرآن الكريم والسنة النبوية واستخدامات جاهلة لاجتهادات بعض كبار الأئمة والمفسرين، بقصد توسيع مساحة الرعب والترويع.


وقد كان لمؤسسة الأزهر الشريف ودار الافتاء دورهما التنويرى داخل مصر وخارجها وآخرها زيارات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف إلى البرلمان الألمانى البوندستاج فى مارس الماضى، ثم محاضرته القيمة فى جامعة مونستير فى ألمانيا لشرح حقيقة الإسلام وأباطيل خصومه من المروجين لفكر الإرهاب وسفك دماء الأبرياء فى قلب أوربا والشرق الأوسط.


شاركت بذلك حصون مصر الحضارية من خلال أزهرها الشريف فى الدفاع عن أمن مصر القومى فى معركة ضارية من خلال الفكر والاستنارة والعلم، ولعل آخر جهود الأزهر الشريف فى طرح صورة الإسلام بسماحته واعتداله وتاريخه الذى احتوى عشرات الشعوب واستوعب حضارات لعل آخر جهودها رحلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب إلى نيجيريا هذا الشهر ومن قبل فى أندونيسيا حيث يوجه الإرهاب ضرباته فى إفريقيا وآسيا يشوه صورة الإسلام والمسلمين، ويدفع بأدواته وأفكاره إلى هذه البلاد الإسلامية، فى حصار موسع للعالمين العربى والإسلامى والدائرتين المباشرتين للحركة السياسية الخارجية لمصر حيث تعقد لمصر الريادة فى كل من القارة الإفريقية، ومع الدول الأسيوية الإسلامية بوصفها مركز التنوير الإسلامى المعاصر مثلما تحظى قيادتها السياسية والحضارية بمصداقية عالية فى ظل قيادة الرئيس السيسى لمكافحة الإرهاب.


فى الوقت نفسه، تخوض أجهزتنا الأمنية المتخصصة، من خلال تلك الاستراتيجية المتكاملة الأبعاد للرئيس السيسى فى الدفاع عن أمن مصر القومى، معركة تكنولوجية لا تقل خطورة فى مكافحة الإرهاب من خلال اقتحام واختراق «الأمن الرقمى» والأمن المعلوماتى الذى استخدمته فى مصر، وفى أوربا ذاتها، خلايا الإرهاب وكتائبه المتقدمة من خلال مرتزقة محترفين من مقاتلين أجانب باستخدام أحدث التكنولوجيات ما يسمى بحرب الانترنت، ومن ذلك كله تواجه أجهزتنا الأمنية وخبراؤنا من المراقبة الإلكترونية معضلات معقدة فى التوصل لتوازن دقيق بين الحفاظ على الحرية الشخصية وبين تأمين البلاد والمواطنين من مخاطر «الاختراق الشبكى» وبعبارة أخرى بين متطلبات الأمن القومى وضروراته وحقوق الإنسان من «خصوصية وحياة شخصية محرمة.


أما الأمن الاقتصادى أحد أهم أعمدة الأمن القومى المصرى فكان الاستراتيجية الرئيس السيسى وسياساته وبرامجه الطموحة التى تكاد تسابق الزمن للحاق بركب حضارة لا أقول غربية بل حضارة أسيوية ربما عانت من نفس مشاكلنا بل وأشد منها تعقيداً، هذه الاستراتيجية، ما لم يكن فيما أقول بعض المبالغة، تثبت يوماً بعد يوم أن المصريين عنصرٌ جبل على التحدى والانتصار فى معاركه الكبرى «بناء السد العالى، حرب أكتوبر، افتتاح قناة السويس الجديدة، ومشروعات الإسكان الضخمة» ورغم اختلافات الرأى والاجتهادات فى تقييم هذه المشروعات العملاقة وعوائدها، وتوقيتاتها فهى رغم كل ما قد يرد عليها من تباين فى الآراء، تمثل نقلة حضارية لمصر تستحق اسم الدولة المتقدمة العصرية الجديدة بتاريخ وحضارة تقدر بسبعة آلاف سنة والانتقال إلى حضارة ما بعد الحداثة فى القرن الحادى والعشرين ـ


أن يتصدى للدفاع عن أمن مصر القومى باستراتيجية تكاملية قائد سياسى يترك اليوم مقاليد الحكم فى مصر وذو خلفية عسكرية دفعت به إلى أن يتولى أرفع مناصب القوات المسلحة من مسئول عن مخابراتها العسكرية تمثل قلب المعلومات والتقديرات والاستطلاعات عن عدائيات مصر إقليمياً ودولياً، ثم توليه منصب وزير الدفاع لجيش مصر بتاريخه الوطنى، ثم تقدمه استجابة لاختيار الملايين لإنقاذ مصر الحضارة، والدولة القومية من احتكار حكم فاشى دينى لا يعترف بوطن أو بحدود أو بهوية مصرية وطنية ، أقول أن يتصدى للدفاع عن هذا الأمن القومى المصرى شخصية وطنية مثل الرئيس السيسى تمرست بفنون الحرب وعاشت فى ظل السلام كان منطقياً ومتوقعاً


الرئيس السيسى ينهج الآن الخيار الأصوب وهو عقد التحالفات الإقليمية الوثيقة أى استراتيجية الأمن الجماعى ـ من خلال تحالف مصرى سعودى أماراتى كويتى بحرينى، مع دول مجلس التعاون التى رأت فى أمن مصر القومى أمنها القومى الذى يتهدده الأخطار الإقليمية الطامعة فى أراضيها وثرواتها، ومثلما تواجه مصر وأمنها القومى نفس مصادر التهديد من فكر وممارسات إرهابية تمول من الخارج وربما من الداخل أيضاً، فكان توطيده علاقات القاهرة بالرياض وأبو ظبى والكويت والمنامة بمثابة حائط سد أقامه الرئيس السيسى ردعاً لمخططات الهيمنة الإيرانية التى تسعى بعد اتفاق واشنطن- طهران لممارسة سياسات زعزعة استقرار الداخل الخليجى العربى ولنصطدم بالاستراتيجية الاستباقية للرئيس السيسى التى تطارد وتحاصر هذه السياسة التوسعية حتى فى جبال اليمن وحضرموت والمعارك الدائرة فى مدنه ودروبه.


هذا التحالف الأمنى الإقليمى العربى هو بمثابة السياج الواقى للأمن القومى المصرى من خلال الدعم السياسى والاقتصادى والمعنوى تأكيداً بتطبيق استراتيجية منسقة وموحدة لمواجهة أخطار واحدة مشتركة تستهدف الجميع ولا تستثنى أحداً.


هذا التحالف الأمنى الإقليمى لم يكن سوى مسار واحد من مسارين لدعم الأمن القومى لمصر فيما يسمى بالقدرات الشاملة للدولة ـ عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، ولعلى لا أبالغ من خلال متابعتى المتخصصة فى السياسة الخارجية الأمريكية منذ تولى الرئيس السيسى ثورة ٣٠/٦/٢٠١٣ أنه استطاع كسر احتكار السلاح رغم أن البعض قد يتحفظ على هذا الاصطلاح المستعار منذ فترة الخمسينات كانت زيارته لموسكو وكانت زيارة بوتين للقاهرة لقاءات زعيمين وطنيين، ما فتح أمام مصر طاقات هائلة من آفاق التعاون العسكرى والاقتصادى وفى مجال الطاقة النووية التى حرمت منها عقوداً طويلة حتى حرمت مصر من علماء وخبرات كانت يمكن أن توفرها لو أنها استقلت بارادتها الحرة يوم وقعت وصدقت منذ عشرات السنين ١٩٨٠ على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية التى تتيح لها الاستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية .


وحتى هذه لم تجرؤ عليها مصر، لكن الرئيس السيسي استتقل بإرادة مصر واختار الخيار التاريخى الجسور بدخول مصر عصر الطاقة النووية لخدمة أغراض التنمية الاقتصادية فى مصر، وخدمة استراتيجية الأمن القومى الذى تمثل الطاقة بكل مواردها شريان الحياة لدولته مدنياً وعسكرياً.


الأمن القومى المصرى كان وسيظل يؤثر ويتأثر بالأمن الإقليمي والأمن العالمى بالضرورة، ومن هذا المنطلق الاستراتيجى كانت سياسة إعادة بناء الجسور الممتدة بين مصر والقارة الأوربية من خلال ركائز الاتحاد الأوربى، ألمانيا وفرنسا وإيطاليا بزيارات رئاسية ومشروعات تنموية تمثل طفرات فى اقتصاد مصر ونموها، وبتجديد وتسويع قنوات وفتح آفاق جديدة مع القارة الأسيوية لنقل ثمرات تجاربها فى التكنولوجيا والتعليم وتنمية الموارد البشرية، ومن خلال طرق الأبواب للقوى العالمية الصاعدة فى دلهى، وبكين وجاكرتا وطوكيو، وسول وسنغافورة وليس ثمة من تفسير لهذه القنوات والجسور المفتوحة سوى توظيف الخبرات التى فات مصر منها الكثير لخدمة أهداف الاقتصاد القومى من ناحية، فى إطار تطوير القدرات الشاملة للدولة المصرية العصرية، أى أعمدة الأمن القومى المصرى، بكل أبعاده العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية والبشرية .


من الواضح أن عقيدة الأمن الاستراتيجى المصرى اليوم عند الرئيس السيسى لم تأت من فراغ بل بتخطيط مسبق ومدروس وبأسس علمية متطورة يراها المحلل المراقب كما تتطور وتطبق يوماً بعد يوم وفى إصرار شديد يمثلها «ويجسدها الرئيس عبد الفتاح السيسى، الأمر الذى يفرض أن يتوقف المراقب السياسى لتحليل الدوافع والدلالات للمبادرات الهامة التى أقدم الرئيس السيسى على طرحها أخيراً عن كسر الجمود الفلسطينى الإسرائيلى، والدفع بدماء جديدة فى جسد مجمد، وبأفكار خلاقة وجريئة فى مسار هذه الاتصالات التى تجمدت حتى تغافل عنها العالم وأغفلتها المنظمات الدولية ورغم أن القضية الفلسطينية على أرض الواقع تظل هى القضية المركزية ليس لأمن واستقرار المنطقة العربية والشرق الأوسط فحسب بل ولآثارها الممتدة إلى الأمن الأوربى والعالمى.


الأطروحات كثيرة لا متناهية عرضت على الساحة السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين عقوداً وسنوات طوالا لم تلق لا الاهتمام ولا الجدية إما لجمود الفكر الليكودى الذى ظل يتمسك به رئيس الوزراء الإسرائيلى ناتنياهو، ثم وللأسف الشديد ذلك الشرخ الذى لم يزل متسعاً بين القيادة الشرعية الفلسطينية (السلطة الفلسطينية) برئاسة الرئيس أبو مازن، وبين قيادات حماس المنشقة من قطاع غزة والتى حرمت الكيان الفلسطينى الكلى من قيمة مضافة حيوية من توحيد الجهود التفاوضية للتوصل لتسوية سلمية فى ظل الدولتين» الذى يكاد اليوم يتحول إلى سراب بعد أن تراجعت مساحات الأرض الفلسطينية المحتلة تحت انتشار المستوطنات والزحف الاستيطانى البشرى أو الحزام الاستيطانى البشرى لعزل القدس الشرقية عن بقية أجزاء الضفة الغربية لمصادرة أى احتمال ولو نظرياً ـ لتكون عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة


مبادرة الرئيس السيسى أو صوت القيادة الوطنية المصرية اليوم إذ تلقى تجاوباً من أطياف إسرائيلية شملت المعارضة مثلما شملت التيار اليمينى ـ (ناتنياهو) ـ وعجلت من جديد بتحرك الإدارة الأمريكية بلقاءات كيرى المفاجئة أو ربما المخططة مع الرئيس السيسى فى القاهرة ١٨ الجارى بل ومسبوقة بلقاء أبو مازن والرئيس السيسى، وذلك كله على خلفية التحرك الفرنسى بطرح مبادرة ربما تكون هى الأوسع إطاراً والأكثر تعبيراً عن التوازن بين الحقوق الفلسطينية المشروعة وبين مطالب الأمن الإسرائيلى فى ظل «حل الدولتين» الذى ظل لسنوات هو محور اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية تحت رعاية واشنطن وتحت رعاية شكلية ما سمى «اللجنة الرباعية» أو «رباعية (تونى بلير)


الأمن والاستقرار الإقليمى فى الشرق الأوسط فى اللحظة الراهنة باضطراباته والفوضى والحروب الأهلية فى أرجائه أحوج ما يكون إلى دور ريادى يحظى بالثقة والمصداقية وقوة التأثير مثل مصر وقياداتها السياسية التى لم تعد تملك عاصمة إقليمية أو عالمية إلا الإقرار بثقل وزنها ودقة حساباتها فى المعارك السياسية التى تخوضها، من الداخل وفى الإقليم على اتساعه، ولعل جهود القيادة المصرية برئاسة الرئيس السيسى، إذ تمهد وتنسق مع قيادات عربية ودولية شريكة لعقد مؤتمر دولى للسلام فى الشرق الأوسط المستقبل القريب.


ـ لعل هذه الجهود تعيد للأذهان مرة أخرى أن المبادرة الفعالة المؤثرة لا تنطلق إلا من مصر ومن قيادة مصرية وطنية واعية بمكان مصر ومكانتها استراتيجياً ومؤمنة بقدرات شعبها وبمستقبل هذا الوطن وساهرة على الدفاع حتى الشهادة عن أمنه القومى بكل مكوناته وعناصره وأبعاده العسكرية والاقتصادية والإنسانية، لا تكتفى بالقول دون العمل، ولا بالسياسة دون التطبيق، ولا بالتطبيق دون المتابعة والمحاسبة فى منظومة من العمل الوطنى الجاد لوجه الله ولوجه الوطن والشعب.