العلاقات المصرية الأمريكية: من التأرجح إلى الاستقرار

01/06/2016 - 12:28:46

بقلم - د. عبد المنعم المشاط

مرت العلاقات المصرية الأمريكية بمراحل طويلة من التأرجح ما بين التعاون والتنافر بناءً على الديناميات السياسية الداخلية في مصر بما فيها طبيعة النظام السياسي والأيديولوجية التي يتمسك بها ودور الدولة في الحياة السياسية من ناحية، وطبيعة هيكل وبنيان النظام الدولي من ناحية أخرى؛ فقد شهدت فترة الخمسينيات والستينيات درجة عالية جدًا من التوتر في هذه العلاقات كان أبرزها ضغط الولايات المتحدة على البنك الدولي بالتراجع عن مد مصر بالقرض اللازم لبناء السد العالي، وذلك اعتراضًا على توقيع مصر صفقة سلاح مع تشيكوسلوفاكيا عام ١٩٥٥، ووصلت حدة التوتر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام ١٩٦٧.


ومما لا شك فيه أن النظام المصري آنذاك كان يتبنى الفكر الاشتراكي ويؤكد على دور القطاع العام في التنمية، كما كان النظام الدولي يتسم بالثنائية بين قطبيه؛ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، مما يسَّر على مصر توثيق علاقاتها بالاتحاد السوفييتي على حساب الولايات المتحدة.


أما في السبعينيات وبعد انتصارات أكتوبر عام ١٩٧٣؛ فقد تغيرت طبيعة النظام السياسي المصري وبدأ التحول الاقتصادي إلى سياسة الباب المفتوح وشبه التعددية الحزبية مما دفع العلاقات المصرية الأمريكية إلى الأمام اعتبارًا من ١٩٧٤ بعودة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وتوثقت تلك العلاقات إلى حد التعاون الاستراتيجي بعد اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام ١٩٧٩؛ حيث شهدت عدة أبعاد منها؛ أولاً في برنامج المعونات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية لمصر؛ حيث صارت مصر الدولة الثانية بعد إسرائيل بالنسبة لحجم هذه المعونات، وثانيًا- بدأت مرحلة من التعاون العسكري الوثيق، والذي تمثل في غلبة المعونات العسكرية على المعونات الاقتصادية من ناحية، وتغيير نظام تسليح القوات المسلحة من السلاح الروسي إلى السلاح الأمريكي، وثالثًا- إجراء مناورات عسكرية منتظمة كل عام فيما يسمى النجم الساطع، واستمرت هذه العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في عصر الرئيس الراحل مبارك.


وعلى الرغم من تحفظ الولايات المتحدة على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ إلا أن العلاقات المصرية الأمريكية ظلت وثيقة، وإن كانت قضية المنظمات غير الحكومية الأمريكية التي تعمل في مصر بدون تصريح قد أثرت سلبًا على هذه العلاقات، ومن الأمور العجيبة أن العلاقات المصرية الأمريكية استمرت على وتيرتها، وربما أكثر في عام حكم محمد مرسي، وربما يعود السبب في ذلك إلى الوهم السياسي الذي سيطر على السياسة الخارجية الأمريكية بأنه يمكن توظيف الإخوان المسلمين، باعتبارهم في نظر الولايات المتحدة يمثلون الإسلام الوسطي، في مواجهة المنظمات المتطرفة والإرهابية المنبثقة عن القاعدة، وكذلك القوى الشيعية في منطقة الشرق الأوسط، دون أن يدرك الأمريكيون أن هذه المنظمات كلها بما فيها القاعدة هي ربيبة الإخوان المسلمين.


بيد أن العلاقات المصرية الأمريكية بدأت في التوتر بعد ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ وعزل الرئيس الإخواني وتولي الرئيس السيسي مسئولية الحكم في مصر؛ فقد أدرك الأمريكيون أنهم فقدوا حليفًا طيعًا كان يمكن يستخدم في تقديم خدمات كثيرة بما فيها تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بالطريقة التي تريدها إسرائيل، وذلك بتطويع حماس باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الإخوان المسلمين، وخلق نظام سياسي رخو يستجيب لتحقيق المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة دون تساؤل أو مراجعة، وفي هذا الإطار، حدث تطور أجج التوتر بين البلدين؛ فمن ناحية، بدأت مصر في تنويع سياستها الخارجية بين القوى السياسية الدولية المختلفة وبصفة خاصة الاتجاه شرقًا نحو روسيا والصين، وهو ما ألقى بظلال كثيفة على العلاقات بين البلدين خصوصًا أن الإعلام المصري انتهز هذه الفرصة للمغالاة والمبالغة في مدلول هذا التنوع في السياسة الخارجية كأن يقال مثلاً إن مصر قد تحررت من الولايات المتحدة أو أنه قد انتهى عصر التبعية للأمريكان، ومما لا شك فيه أن ذلك ينم عن سوء فهم لطبيعة النظام الدولي الذي تسوده الولايات المتحدة حتى اليوم، على الرغم من وجود فاعلين دوليين آخرين لهم دور أساسي في النظام الدولي، وعلى رأسهم؛ روسيا والصين. أما التطور الثاني؛ فهو الموقف المصري المستقل إزاء الحرب الأهلية في سوريا، والذي يرى أنه لا يمكن حل المشكلة السورية إلا بالطرق السلمية بما يحافظ على وحدة وتكامل الدولة السورية، وهو الموقف الذي يتعارض مع سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها من الدول العربية، والتي ترى حتمية إزاحة بشار الأسد عن السلطة قبل إجراء أية تسوية، ويرتبط بذلك أيضًا الموقف المصري الواضح من عدم مساندة أية قوى دينية متطرفة مهما كانت الأسباب سواء كانت جبهة النصرة أو أية قوى أخرى تعد مصدرًا للإرهاب في المنطقة.


إن تحليل العلاقات المصرية الأمريكية في السنتين الأوليين من حكم الرئيس السيسي لابد أن ينطلق من مجموعة من المسلمات؛ أولها- أنه على الرغم من وجود خمس قوى تكاد تكون في مركز قيادة النظام الدولي إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تتربع على عرش النظام الدولي، وفوق ذلك؛ فإن هناك دولا كبرى ودولا مهمة في النظام الدولي تعمل لصالح الولايات المتحدة وبالإنابة عنها، ثانيها- أن المكانة الدولية والإقليمية لمصر تؤهلها لأن تكون فاعلاً إقليميًا ودوليًا تتنافس عليه القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، ولا شك أن القدرات المصرية سواء كانت الجيوستراتيجية أو العسكرية أو الديموجرافية تجعلها بالفعل قوى إقليمية مركزية ومحورًا للتفاعلات الدولية في منطقتي الشرق الأوسط والوطن العربي، وثالثها- أن العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر هي علاقات استراتيجية أولاً وقبل كل شيء وذلك بالنظر إلى المصالح القومية للدولتين، إذ تشترك الدولتان، أو هكذا ينبغي، في مواجهة يومية ضد الإرهاب المحلي والدولي، كما أن الدولتين تشتركان في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط بغية الدفع بالمصالح الاقتصادية لهما إلى الأمام، كما أن الولايات المتحدة حريصة إلى أقصى درجة ممكنة باستمرار اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية مع الرغبة في تكرارها مع دول عربية أخرى. ومع ذلك؛ فإن هناك قضايا أخرى ذات طابع إقليمي لا يوجد بين مصر والولايات المتحدة تطابق في الرؤى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية؛ ففي الوقت الذي تدفع فيه مصر -من خلال المبادرة المصرية ومبادرة السيسي في مايو ٢٠١٦-إلى حل الدولتين؛ فإن الولايات المتحدة الأمريكية مترددة في قبول ذلك انطلاقًا من الموقف الإسرائيلي الرافض للمبادرة الفرنسية.


لا شك أن ثورة يونيه ٢٠١٣ أدت إلى تعقيدات كثيرة في العلاقات المصرية الأمريكية نظرًا للرؤية الضيقة للسياسة الخارجية الأمريكية إزاء الثورة المصرية ضد الإخوان من ناحية، ومن ناحية أخرى؛ فقد خشيت الولايات المتحدة أن يتم تحول جذري في التحالفات الاستراتيجية المصرية خارج نطاق الولايات المتحدة بما يضر بمصالحها المستقرة في المنطقة، كما أن قيام مصر بعقد صفقات سلاح جديدة ومتطورة مع كل من فرنسا وروسيا قد زادت الموقف تعقيدًا، وفي هذا الإطار؛ فقد لجأت الولايات المتحدة إلى تقديم انتقادات حادة للحكومة المصرية فيما يتعلق بسجل حقوق الإنسان والديمقراطية بما يؤثر على السمعة الدولية للدولة المصرية، يحدث ذلك في الوقت الذي تأتي إلى مصر وفود كثيرة من الكونجرس ووزارة الدفاع وبعض منظمات رجال الأعمال المشهورة مثل جنرال موتورز، وفوق ذلك؛ فإن هناك زيارات عديدة قام بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى مصر، منها؛ حضور المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ، كما أن هناك زيارات ومحادثات مستمرة بين وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الدفاع المصرية، بل إن رئيس الأركان المصري يزور الولايات المتحدة اليوم للبحث في توثيق العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين؛ فكيف يمكن تفسير ذلك؟ وما هي احتمالات المستقبل؟


يبدو من النظر إلى العلاقت المصرية الأمريكية أن الإدارة الأمريكية (السلطة التنفيذية) تتبنى موقفًا باردًا إزاء مصر في الوقت الذي يتحمس فيه الكونجرس ورجال الأعمال ومنظمات الأعمال وشريحة كبيرة من المجتمع المدني إلى توثيق العلاقات بين البلدين، إلا أن الوقت يعد قصيرًا في ظل الفترة المتبقية من إدارة أوباما للعمل حثيثًا نحو تطوير تلك العلاقات، إذ إن أوباما لا يستطيع اتخاذ قرارات ذات طبيعة استراتيجية في السياسة الخارجية من الآن فصاعدًا، وإلا كنا طلبنا من وزارة الخارجية المصرية التفاوض من أجل لقاء قمة بين الرئيس السيسي والرئيس أوباما. ومهما كانت الإدارة القادمة سواء جمهورية بزعامة ترامب أو ديمقراطية بزعامة كلينتون؛ فإنه ينبغي علينا أن ندرك أن الثوابت السابق الإشارة إليها هي ثوابت مؤسسية لا تتغير بتغير من يقيم في البيت الأبيض، والأرجح أن أيًّا من البلدين سيقوم بالضرورة بمحاولة إعادة العلاقات المصرية الأمريكية إلى طبيعتها الاستراتيجية لمصلحة الطرفين. وفي هذا الإطار أيضًا؛ فإن الحكومة المصرية عليها أن تقوم منذ الآن بالتواصل الفعال مع أعضاء الكونجرس وجماعات الضغط والمصالح بواشنطن ومراكز البحوث والدراسات بالعاصمة الأمريكية ورجال الأعمال المهتمين بالاستثمار في مصر والقطاعات النشطة من الرأي العام الأمريكي، كما يمكن دعوة قادة الرأي والإعلام وهذه المراكز لزيارة مصر والتعرف على المشروعات التي تقوم بها الحكومة المصرية، والتي تستهدف بناء دولة مصرية حديثة، كما أنه من الضروري العمل بجدية وانفتاح على قانون المنظمات غير الحكومية بما يؤكد على دورها التنموي في الدولة المصرية الحديثة.


وعلى الرغم من أن عودة العلاقات المصرية الأمريكية إلى مجراها الاستراتيجي تقع على عاتق الولايات المتحدة بأنها هي التي اتخذت موقفًا مغلوطًا إزاء ثورة ٣٠ يونيه، إلا أنني على يقين من أن الرئيس السيسي يبذل أقصى جهده في هذا الشأن، سواء في تعامله مع السلطات الرسمية في الولايات المتحدة أو القوى الشعبية التي تقدر التحديات التي تواجهها مصر من أجل تحقيق الاستقرار المنشود في العلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة.