العلاقات المصرية ـ الروسية تطور غير مسبوق

01/06/2016 - 12:26:34

د. نبيل رشوان متخصص فى الشئون الروسية

ربما لم تشهد أى علاقة بين دولتين فى العالم التطور الذى شهدته العلاقات المصرية ـ الروسية خلال العامين المنصرمين، أو إن شئنا الدقة فى فترة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسى، فعلاقات روسيا مع أى دولة كانت دائماً ما تتسم بالتحفظ وعدم الاندفاع، حتى بعد أن تخلت عن البعد الأيديولوجى فى علاقاتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتى.


إلا أن ما حدث فى مصر والعالم العربى من تغيرات خلال الخمس سنوات الأخيرة، ووصول التيارات الدينية المتطرفة للحكم سواء فى مصر أو تونس فى حقبة ما بعد أحداث عام ٢٠١١، ثم سطو الإخوان المسلمين على السلطة فى مصر، وهو الأمر الذى كان من الممكن أن يدخل مصر فى دوامة العنف والاقتتال الأهلى، مروراً بما حدث فى سوريا، من اندلاع حرب أهلية كانت تهدف لأن يسيطر الإسلاميون على مقاليد السلطة، وليبيا التى تدور فيها حرب أهلية بين عصابات الإسلاميين المتشددين والسلطة الشرعية.


على خلفية كل هذا جاءت زيارة المشير عبد الفتاح السيسى لروسيا وكان يشغل منصب وزير الدفاع، وكان الاستقبال الروسى الحافل له مؤشر وذو دلالة على أن روسيا كانت تعقد آمالا كبيرة على الرجل للتخلص من حكم الإخوان، وبعد أن تخلصت مصر من حكم الإخوان توالت زيارات الرئيس السيسى لروسيا، منها زيارة كانت تحديا للغرب الذى قاطع احتفالات روسيا بالذكرى السبعين للانتصار على الفاشية، على خلفية الأزمة الأوكرانية واستعادة روسيا لشبه جزيرة القرم، وهو الأمر الذى فسره الكثيرون على أن مصر اختارت معسكرها فى ظل الظروف الدولية الجديدة، خاصة أن الغرب شن حرباً باردة على روسيا، فكرتنا بفترة الستينيات.


وجاءت زيارة الرئيس بوتين للقاهرة والحفاوة التى استقبل بها والتى كانت من أنجح الزيارات، حيث تم الاتفاق على العديد من المشروعات الكبرى، فى محور قناة السويس الجديدة، والأهم شبه الاتفاق على بناء المحطة النووية لتوليد الطاقة الكهربائية فى الضبعة، والتى أعلن عن القرار التى وافق عليه الرئيس السيسى والمتمثل فى القرض الروسى لبناء المحطة، والذى ينتظر فقط موافقة مجلس النواب المصرى عليه ليصبح سارى المفعول، هذا بالإضافة إلى صفقات تسليح وتدريب والاستفادة من الخبرات العسكرية الروسية سواء فى التصنيع أو التدريب العسكرى.


غير أنه أحيانا كثيرة تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، ففى أوج تطور العلاقات بين البلدين جاء حادث الطائرة الروسية التى تحطمت فوق سيناء وراح ضحيتها أكثر من مائتى مواطن روسى، والتى كما اعتقدت روسيا حينها بأنها عمل إرهابى جاء على خلفية التدخل العسكرى الروسى فى سوريا للقضاء على الإرهاب، وخشيت روسيا أن يحدث مكروه لمواطنيها كنوع من الانتقام من الروس سواء المقيمين فى مصر أو القادمين للسياحة، فقامت بسحب مواطنيها، ومنعت طيرانها من السفر للقاهرة، ثم شددت الإجراءات التى الأمنية ومنعت مصر للطيران.


وبدا الأمر وكأن الإرهابيين الذين فجروا الطائرة فوق سيناء قد نجحوا فى تقويض العلاقات المصرية ـ الروسية إلى الأبد، إلا أن هذه العلاقات تدعمت، وأصبحنا نرى خطوات روسية ومصرية أكثر فاعلية للتقارب، بل وأصبح مشروعا ضخما من مثل بناء محطة تموين سفن بالوقود من شركة روس نفط واقع على الأرض وتم الإعلان عن الاتفاق النووى لأول مرة، وعن الاستفادة من الخبرات الروسية فى مجال الرى، وتنسيق المواقف على الساحة الدولية أو من الأزمة السورية أكثر من رائع حتى الآن. وفى نفس الوقت لم تغير القاهرة من توجهاتها واختياراتها على الساحة الدولية، ففى الوقت الذى تتعامل فيه مصر بقوة إلى حد التعاون النووى السلمى مع روسيا، فهى تتعاون مع فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة فى مجالات كثيرة وتنسق معهم فى قضايا كثيرة على الساحة الدولية دون أن تمتعض روسيا من ذلك، البراجماتية وتبادل المصالح هى التى تحكم السياسة الروسية فى الوقت الراهن وهو ما أدركه الرئيس عبد الفتاح السيسى مبكراً، وسعى إليه، فلكى تكون حراً فى قرارك لا يجب أن تلعب العواطف دوراً فى السياسة خاصة الدولية.


روسيا من جانبها تحترم اختيارات الشعوب لحكامها، فهى لا تسمح بالتدخل فى شئونها الداخلية ولا تتدخل فى سياسات الدول الداخلية أو علاقاتها الدولية، ولا تقسم العالم إلى أنظمة مارقة وأنظمة صديقة، المصالح المشتركة هى التى تحكم العلاقات، وهى ترفض المبدأ الذى تتبعه الولايات المتحدة بتغيير الرؤساء وفق هواها ووفق تصنيفها وهى تعتقد أن مسألة التغيير قضية داخلية من سلطة الشعب وحده دون تدخل خارجى، ولهذا السبب تدخلت روسيا فى سوريا، أولا للقضاء على الإرهاب وثانيا لإرساء مبدأ أن التغيير فى سوريا هو بيد الشعب السورى فقط ولن يفرض بالقوة من الخارج.


بترسيخ مصر لعلاقاتها بروسيا خاصة بعد الاتفاق النووى يكون الارتباط بين البلدين طويل الأمد ومرتبطا بالعديد من المشروعات القائمة على كهرباء محطة الضبعة النووية، بالإضافة إلى تدريب الكوادر وعملية الإنشاء وحدها التى ستستغرق فترة لا تقل عن خمسة عشر عاماً، وهو ما يجعل العلاقات مع روسيا عميقة ومعتمدة على المصالح المشتركة، وفى نفس الوقت بتلك المشروعات تكون روسيا قد عادت بقوة إلى المنطقة، ومن المتوقع أن تتوالى عمليات إنشاء المحطات النووية فى المنطقة، إذا تم المشروع الروسى فى مصر على الوجه الأكمل، ولا أستبعد أن يمتد التأثير إلى إفريقيا بعد ذلك، فمصر هى مفتاح القارة ومفتاح المنطقة.


فى نفس الوقت حافظت مصر على روافد وروابط مع دول الاتحاد الأوربى القوية مثل ألمانيا (محطة سيمنس لتوليد الكهرباء) ومع فرنسا (صفقة الرافال وحاملتى الطائرات) والتى تتكامل مع روسيا من خلال صفقة الطائرات العمودية لحاملتى الطائرات، وأقول لمن يشككون فى جدوى تلك الصفقات إن العالم يحترم القوى والقوة تتطلب أموالا وإنفاقا.


وأود أن أشير إلى أن العلاقات بين روسيا ومصر مبنية على أساس تبادل المصالح والمنافع والتعاون دون تدخل أى طرف فى سلوك أو علاقات الطرف الآخر الخارجية أو شئونه الداخلية، كما أن العلاقة ليست مبنية على أساس أيديولوجى كما كان ذلك فى عصر عبد الناصر، وهو ما يضفى على العلاقة نوعا من المتانة ربما يفوق ما كان عليه أيام الأساس الأيديولوجى للعلاقة.


لقد مضى عامان من حكم الرئيس السيسى، ويمكن القول بأنه استطاع بحق أن يعيد التوازن فى علاقات مصر الدولية من اليابان إلى الصين شرقاً مروراً بروسيا ووصولاً إلى غرب أوربا والولايات المتحدة، المجال مفتوح تماماً أمام مصر، للتعامل والاستعانة بخبرات أى دولة وهو ما سينعكس بلا شك على تطور مختلف مناحى الحياة فى البلاد، نجاح الرئيس عبد الفتاح السيسى خارجياً يحسب له وسينعكس بلا شك على الأوضاع الداخلية فى مصر ومستوى معيشة مواطنيها.


وفى تصورى أن العلاقات مع روسيا وتوطيدها كانت له جذور تاريخية اكتسب من خلالها الروس، المصداقية لدى المواطن المصرى والقيادة المصرية، ففى الوقت الذى رفض فيه الغرب تمويل مشروع حيوى لمصر مثل السد العالى، ثم كسر احتكار السلاح عن طريق روسيا وعقد صفقة الأسلحة التشيكية، وطبعا الجميع لا ينسى الإنذار السوفييتى عام ٥٦ والتهديد، بضرب لندن بالصواريخ وإرسال متطوعين إلى مصر، وطبعا لا ينسى الجميع وقوف الاتحاد السوفييتى معنا عقب هزيمة ٦٧ وإعادة بناء القوات المسلحة، والخطة قوقاز للدفاع عن العمق المصرى أمام الغارات الإسرائيلية لحين تدريب أطقم مصرية، هذا وأشياء أخرى كثيرة، لا يسع المجال هنا لذكرها جعلت العلاقات مع روسيا تسير بسرعة البرق نحو العمق والمتانة ووجود الأرضية المشتركة، وكان توجه الرئيس السيسى بمثابة الشرارة لانطلاق هذه العلاقات إلى آفاق جديدة خلال العامين المنصرمين، ومن وجهة نظرى لو أحسن استغلال العلاقات الروسية جيداً تستطيع مصر تحقيق الكثير من المكاسب فى مختلف المجالات.


فى نفس الوقت تحول روسيا لدولة صناعية لا تعتمد على تصدير الخامات فقط كما يطمح الرئيس الروسى فلاديمير بوتين سيجعل روسيا تسعى لتقوية علاقاتها مع دولة محورية فى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا مثل مصر، وبالتالى العلاقات مرشحة لمزيد من القوة، والاتساع فى مجالات التعاون، وربما الاستثمار الثقيل من خلال مناطق حرة، بحيث تساعد مصر بموقعها الجغرافى الفريد روسيا على تصدير سلعها إلى إفريقيا وجنوب شرق آسيا من مصر بعد بناء قاعدة صناعية فى مناطق حرة فى منطقة قناة السويس الجديدة أو غرب خليج السويس، أعتبر العلاقات المميزة مع روسيا هى ثمرة نوع جديد من الانفتاح قام به الرئيس السيسى فى اتجاه روسيا والصين واليابان ودول جنوب شرق آسيا فى المجمل، مما يفتح آفاقا اقتصادية جديدة من خلال دمج مصر فى الكيانات والتكتلات الإقليمية مثل البريكس، ومنظمة شنغهاى للتعاون والآسيان وغيرها.