مصر ودول الخليج مرحلة التكامل الاستراتيجى

01/06/2016 - 12:23:53

  مع أمير البحرين.. التوغلات الإقليمية الخطرة تجاوزت الأمن القومى العربى مع أمير البحرين.. التوغلات الإقليمية الخطرة تجاوزت الأمن القومى العربى

بقلم - سفير د. محمد حجازى

“إن جيش مصر هو جيشكم وجيشكم هو جيش مصر


وحضارة مصر هى حضارتكم وحضارتكم هى حضارة مصر


والجيشان والحضارتان جند العرب”


تعبر تلك الكلمات الرائعة والتى ألقاها الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود فى جبل رضوى عام ١٩٤٥، عن الفهم الواعى والعميق لطبيعة العلاقات المصرية السعودية، وأبعادها الاستراتيجية، وما تمثله الدولتان من عمق متبادل يصون مصالحهما ومصالح أمتهم العربية وأمنها القومى.


تشهد العلاقات المصرية الخليجية حالة من الوعى والنضج السياسى والاستراتيجى، يتجاوز ما حققته تلك العلاقات من مكاسب عبر تاريخها، هناك بالفعل إدراك واقعى بأنهما يشكلان عمقًا استراتيجيًا لكل منهما، وأن أمنهم القومى واحد، وأن روابط التاريخ والجغرافيا والسياسة يجب صياغتها فى منظومة أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية.


الراحل والمؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود ترك وصيته لأبنائه من بعده، أن استوصوا بمصر وحافظوا على استقرارها، ومقولته الشهيرة “أن جيش مصر هو جيشكم.. وجيشكم هو جيش مصر، وحضارتكم هى حضارة مصر، والجيشان والحضارتان جند العرب”، وعبر الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز فى رسالته الشهيرة بعد ثورة ٣٠ يونيه عن نفس المعانى وتحذيره لمن يتربص بمصر ويضغط عليها، كما كان الراحل العزيز الأمير سعود الفيصل، واضحًا فى مؤتمره الصحفى الشهير فى باريس أن ارفعوا ضغوطكم عن مصر بعد ثورتها، وجاءت الزيارة المتممة لهذا الفهم العميق لأهمية مصر ومكانتها، والتى قام بها العاهل السعودى الملك سلمان بن عبدالعزيز لمصر، لتضيف لبنة إضافية فى صرح علاقات مبنية على قواعد راسخة يحيطها الدين واللغة والثقافة الواحد بسياج آمن وقواعد دائمة للبناء عليها، وتبادلت مصر ودول الخليج عبر العقود والسنين شواهد ودلائل الإدراك المتبادل للمصالح وللأواصر وللأخطار والتهديدات، وما أكثرها فى المرحلة الحالية، فبات خطر التوغلات الإقليمية الفظة من دول الجوار مصدر خطر وتهديد لدول الخليج، ولخص الرئيس السيسى حرص مصر على مواجهة أى خطر يتهدد دول الخليج بمقولته الشهيرة “مسافة السكة”، تلك العبارة المعبرة عن الفترة الزمنية، التى يحتاجها الأشقاء إذا طلبوا دعم مصر أمام أى خطر محدق، ومثلما ساندت دول الخليج مصر سياسيًا واقتصاديًا ولاتزال، فإن مصر أيضًا ستقف بحزم أمام كل ما يهدد أمن الخليج، والذى تصفه دائمًا بأنه جزء لايتجزأ من أمن مصر القومى، ولعل الإسناد العسكرى والتضحيات، التى قدمتها مصر فى حرب تحرير الكويت لأبلغ دليل على أننا لن نتوانى عن تقديم الإسناد المطلوب عند الحاجة فهم عمق لنا فى الخليج ونحن عمق لهم فى مصر.


فى ظل هذا الفهم الاستراتيجى يمكن أيضًا فهم الإسناد الخليجى الاقتصادى، الذى قدم ولايزال لمصر، حيث إن استقرار مصر هو استقرار للمنطقة ولدول الخليج ونجاح مصر هو نجاح للخليج، ولعل تتابع زيارات قادة دول الخليج فى شهر أبريل الماضى للقاهرة حيث زارها العاهل السعودى والعاهل البحرينى وسمو ولى عهد الإمارات، لتعبر عن الرغبة الخليجية فى التأكيد للقاهرة، إنه مهما تعرضت لضعوط وهى كثيرة، فإن دول الخليج باقية على عهدها، وبالتوازى مع عملية الإسناد الاقتصادى والسياسى، بدأت عملية تنسيق أمنى وعسكرى واع شمل مناورات بحرية مع دولة الإمارات ومناورات جوية مع الشقيقة الكويت، لتستكمل استراتيجية الربط والتنسيق العسكرى حلقاتها لتعزيز القدرات، والتى تجلى جانب رئيسى منها فى مناورات “رعد الشمال” التى استضافتها المملكة السعودية وحضرها الرئيس عبدالفتاح السيسى، كتعبير عن القدرة العربية عسكريا وسياسيًا فى مواجهة الإرهاب، ولتكون مقدمة بإذن الله لإنشاء قوة عربية مشتركة.


أدركت القاهرة ودول الخليج أن خطر الإرهاب بات يداهم كل الأقطار العربية، فى حملة موجهة ضد استقرار المنطقة وضد بنيان الدولة القومية، وفى ظل دعم مستتر من قوى دولية وإقليمية بما يهدد الأمن القومى العربى وفى القلب منه مصر ودول الخليج، وسط هذا الإدراك الواعى لأهداف ومخاطر تلك الهجمة الشرسة اكتسبت علاقات مصر والخليج بعدًا استراتيجيًا أكثر عمقًا يتجاوز مراحل التعاون المعروفة اقتصاديًا وتجاريًا واستثماريًا على أهميتها إلى أبعاد أمنية واستراتيجية وعسكرية وأملتها حالة عدم الاستقرار الإقليمى، والتوغلات الإقليمية الخطرة، والتى تجاوزت الأمن القومى العربى وهددته فى الصميم، فباتت تلك القوى تسلح الميليشيات الطائفية، وتزج بها فى أتون مغامرات عسكرية وانقلابية ضارة بكيان دولها وسلامتها، ومهددة لاستقرار مجتمعاتنا ونسيجها الاجتماعى وتنوعه المذهبى والثقافى الذى عاش عبر القرون منصهرًا فى بوتقة الوطن ومتعايشا وقادرا على حل خلافاته وتحقيق آماله وطموحاته، دون الحاجة لمن يفرض هيمنته ويدعى ريادته وصلاته بمكونات عربية أصيلة من نسيج مجتمعاتنا وأقصد هنا أبناء أوطاننا العرب الشيعة، وتسببت تلك التدخلات الفجة فى إثارة القلاقل والنعرات داخل بلادنا ونشر الحروب والفتن، وعليه كان متوجبًا أن يعيد العرب فى مصر والخليج التذكير للكافة بمكامن قوتهم، وإن أى تدخل فى شئون المنطقة وسيادة دولها سيتم التصدى له بحسم وأن بالمنطقة دروعًا وجيوشًا متحدة تحميها.


استراتيجية أمن قومى عربى تتبلور ملامحها تتبنى مبادئ حسن الجوار والتعايش السلمى وعدم التدخل فى الشئون الداخلية واحترام مبادئ القانون الدولى المنظمة للعلاقات بين الدول، لكنها استراتيجية لا تتوانى إن لزم الأمر عن التصدى للمخاطر سواء تمثلت فى إرهاب أو توغلات، وحتى يعود الأمن والاستقرار للمنطقة لتنعم وشعوبها بخيراتها، بعيدًا عن الافق الضيق لمحاولات فرض النفوذ والهيمنة التى لاتزال تمارسها بعض دول المنطقة، والتى عليها أن تنظر بوعى وحكمة لعوائد التعايش فى منظومة تعاون واستقرار إقليمى يعود بالنفع على اقتصاديات المنطقة فتنعم شعوبنا بالرفاهية، أم محاولات التغلغل وفرض النفوذ وتأليب أبناء الوطن الواحد، والترويج للمذهبية كأداة لاختراق مجتمعاتنا العربية، ولعل نموذج التعايش فى جنوب شرق آسيا بين دول عدة كلها نام وكلها مستقر وتحقق هى فرادى ويحقق إقليمها ككل مكاسب تنموية كبرى، ولعل النموذج الأوربى واحترامه لمبادئ التعايش التى صاغها عام ١٩٧٥ فى هلسنكى والتى على أساسها استقرت منظومة الأمن والتعاون الأوربى والتى على أساسها انطلقت أوربا ومؤسسات الاتحاد لتحقق الحلم الأوربى بمكاسبه، والتى استحقت معها أوربا أن تحصل على جائزة نوبل للسلام، البديل لهذا التوجه الحضارى هو الانخراط فى مواجهات مذهبية وتهديد كيان دول المنطقة، والتى ستتصدى لتلك التدخلات، مهما كان كلفة ذلك، وبالتأكيد سيكون لتلك المواجهات تبعات وكلف اقتصادية وسياسية وإنسانية طائلة.


عودة لتطور العلاقات المصرية الخليجية، والتى باتت تتبلور فى أطر أعمق وأكثر فهمًا لقيمة الإقليمين لبعضهما البعض، وأن أمن المنطقة بات مسئولية مباشرة لدوله، وأن تحقيق هذا الأمن وبناء الاستقرار المنشود لن يتحقق لو تباعد جناحا الأمة فى مصر والخليج، بل سيتحقق أسرع لو تقاربا، وهو ما يتم حاليًا على مختلف الأصعدة بحيث يصبحان أى مصر والخليج درعًا تحمى الأمن القومى العربى، ويستعيد الاستقرار، ويتصدى للإرهاب، وللتوغلات الإقليمية، ولما يحاك للمنطقة من مخططات شرذمة وتقسيم، وحتى يتم التفرغ للبناء والتنمية، فليس مقبولًا أن يحقق الغرب مكاسب من كل دولنا على حدة، ويبقى الإقليم وجيرانه فى حالة صراع وتناحر وانشغال عن قضايانا الحقيقية، سواء كانت حاجات تنموية، أو لصد الإرهاب المتوغل، أو لحشد الطاقات لإثناء قضيتنا الأم وهى القضية الفلسطينية التى تحتاج لكل دعم فى ظل وجود حكومة يمينية متطرفة فى إسرائيل تعرقل أى محاولة إقليمية أو دولية لتحريك عملية السلام، فى الوقت الذى تستمر فيه عمليات التهويد واستقطاع الأراضى وبناء المستوطنات وتهديد المقدسات وتدنيسها، مما يستلزم سرعة بناء منظومة الأمن القومى العربى لتقديم الإسناد اللازم للقضية الفلسطينية وغيرها من قضايا النزاعات التى تنتشر حاليًا فى ربوع وطننا العربى فى سوريا وليبيا واليمن والعراق والسودان، المؤكد أن عالمنا العربى يتعرض لضغوط غير مسبوقة وتهديدات خطرة، بعضها أمنى متمثل فى الإرهاب، وبعضها وجودى يستهدف استقرار الدولة القومية وكيانها، وبعضها ثقافى ودينى، يستهدف هويتنا الثقافية ويحاول النيل من الرسالة السمحة لديننا الحنيف، بالإضافة لمخاطر اقتصادية وتنموية وبيئية ومائية تستلتزم وعيًا واصطفافًا من الكل، ومن هنا يكمن التلاقى بين مصر ودول الخليج بوصفه الرافعة وحائط الصد أمام تلك المخاطر، فمعًا يمكنهما دحر التدخلات الخارجية، والتصدى لمؤامرة الإرهاب ومن يغذيها، وهما معا قادران على دعم الاقتصاديات العربية وخطط التنمية، ودعم مؤسساتهم خاصة الجامعة العربية، وبناء القدرات العسكرية ممثلة فى القوة العربية المشتركة. فإذا ماقرر العرب فى قمتهم القادمة فى يوليو فى العاصمة الموريتانية نواكشوط خطة تحرك سياسى وعسكرى وأمنى واقتصادى وثقافى وتعليمى تكون قادرة على مواجهة التحديات والمخاطر التى تحيط بنا من كل جانب فإنه يمكن القول إن شمس العرب قد أشرقت ولاح ضياؤها بفضل وعى جديد من جيل جديد من القادة العرب أكثر وعيًا بالمخاطر وطرق التصدى لها، والتى سيلزمها تحصين التواصل العربى والعلاقات العربية خاصة المصرية الخليجية بكل مايلزمها من ثقة وفهم.


إن هذا التلاقى لن يسعد القوى المتربصة، وعلى الجانبين ادراك أننا سنواجه عقبات ومحاولات لبث الفرقة والانقسام، فلن يسعد أعداؤنا بهذا التلاقى إلى سيحصن مجتمعاتنا ولن يتركها تحت سطوة اقليمية أو احلاف خارجية مع قوى كبرى غير مستقرة على توجه وتضمر لنا ولشعوبنا شرًا، علينا أن نزيد الوعى السياسى والاستراتيجى لدى دوائر صنع القرار، وفى وسائل الإعلام، وأن نقبل حل الخلافات بشكل عقلانى، وأن يكون مقبولا وجود مساحات من الاختلافات لا الخلافات بشأن قضايا معينة، فلا يوجد مايسمى تطابق فى كافة المواقف السياسية طول الوقت، ولكن هناك ادراكًا ووعىًا بالعمق الاستراتيجى للعلاقات المصرية الخليجية وثوابتها وبوصفها ركيزة للأمن القومى العربى.


علينا صياغة مستقبلنا بأيادينا وتحقيق أهدافنا الاقتصادية، ودعم جهود التنمية والاستقرار، وتوظيف كل مانملك من أجل كسب معركة المستقبل، باستراتيجية مشتركة أمنية وعسكرية، وسياسية واقتصادية ثابتة محورها حماية حدودنا، والتصدى للإرهاب ووقف التوغلات، وصيانة السيادة الوطنية، والتعايش مع من يعى الدرس ويحاول أن يقيم الجسور، أو إظهار مايلزم من مظاهر ردع وقوة توقف أى مخطط وتتصدى لأى تهديد. سيقوى العرب بمصر، وستقوى مصر بالعرب، وعند التلاقى والتفاهم الاستراتيجى وفى القلب منه علاقة مصرية خليجية مستقرة، ستعود للأمة أمجادها ولشعوبها استقرارهم ووحدهم، وللعرب مكانتهم المستحقة.