الرئيس وأفريقيا: كيف أعاد السيسى مصر للقارة السمراء؟

01/06/2016 - 12:20:40

بقلم - أ.د. السيد فليفل عضو مجلس النواب والأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية

وقف المؤرخون طويلا أمام ظاهرة تغير المجتمعات وتبدل أحوالها، واختلفوا فيما بينهم هل تحقق المجتمعات تقدما ملحوظا نتيجة لتطورات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية تتجدد تلقائيا بالدفع الذاتى، أم يكون الفرد محركا لها وفاعلا أساسيا فيها؟ والواقع أن لكل عصر ظروفه المختلفة التى تنبع من دفع ذاتى لقوى التغير الناتجة عن حرص الإنسان لتعديل أوضاعه وتبديلها وتغييرها إلى الأفضل وإلى الأرقى وإلى الأكثر نموا والأكثر رفاهة والأشد دلالة على رفعة الإنسان من حيث هو إنسان، ورفعة المجتمعات من حيث هى فى مجابهة أو مقابلة مع غيرها من المجتمعات الأخرى فى الجوار وعلى البعد. لكن الأمم تكون محظوظة إن وجدت من بنيها من هم أقدر على تجسيد حالة التغير الاقتصادى والاجتماعى وإدراك جوهرها ومكامنها الدافعة إلى التقدم والقادرة على مجابهة التحديات والتواصل مع القدرة المجتمعية على التغير إلى الأفضل. بمعنى آخر فإننا نعود إلى ما قال به أسلافنا من دور الفرد الذى يجسد التغير فى المجتمع، والذى يكون دلالة عليه، وهو هنا لا يتحكم فى الإيقاع فقط، بل يوجهه ويقوده ويسيطر عليه لئلا يكون الاندفاع للتغيير على حساب قيم ثابتة فى المجتمع فيؤدى الانتقال إلى الجديد إلى العصف بما هو قيم من القديم، وهو ما يشكل شكلا ثابتا لهوية المجتمع يتعذر الحفاظ عليها إذا لم يتوفر هذا القديم للأجيال الجديدة، ومن هنا فإن العلاقة بين الفرد والثوابت المجتمعية من ناحية، والسعى إلى التجديد والتغيير هى جدلية تاريخية لا يفهم التاريخ إلا فى خلالها، ولا تحلل عناصر الحراك السياسى والاقتصادى والاجتماعي.


وتعد الشخصيات القادرة على تجسيد اتجاهات التغير الاجتماعى وبلورة إيقاع الأداء وسرعته والاستجابة لمتطلباته ومجابهة التحديات التى يقابلها هى الشخصيات التاريخية الرئيسية التى حظيت بتذكر الشعوب لها وتسجيل المؤرخين لتجاربها، وهكذا يكون الفرد هو بؤرة التغير فى المجتمع وفى هذه الحالة يمكن التوفيق بين آراء المؤرخين الذين يؤكدون خطورة دور الفرد وأولئك الذين يركزون على قدرة المجتمعات على التحول والتغير، ومن ثم اتخاذ الإجراءات العلمية للتحقيب والتزمين الدالين على العصور التاريخية.


وقد تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى السلطة فى وقت عصيب لم تمر مصر بنظير له حتى فى عام ١٩٦٧، إذ كانت تحت قيادة تاريخية للرئيس جمال عبدالناصر كما كانت قوة تماسك المجتمع هائلة، بحيث انتفض الشعب المصرى مدافعا عن أرضه وعن تجربته مع ثورة ٢٣ يوليو الأمر الذى جعله يدفع الثمن مهما كان فادحا ويقدم الدماء وهى غالية ويهب المال بغير حدود، أما العرق وجهد العمل فكان من القوة بحيث عوض نقص الإمكانيات بيننا وبين العدو الإسرائيلى، حيث حاز الشعب المصرى على انتصاره فى أكتوبر عام ١٩٧٣.


وعلى العكس من ذلك كانت تجربة مصر منذ منتصف حكم الرئيس مبارك من الكآبة والضآلة بحيث تراجعت القوة الشاملة للدولة وانهارت اقتصادياتها الكلية وبيعت قلاع إنتاجها بثمن بخس ثم شرد عمالها وتعطلت قوة العمل الشبابية وتأخر سن الزواج وأهينت كرامة الإنسان بحيث بات المجتمع يستصرخ من أجل التغيير فى مقولة شهيرة هى «ارحل»، ويطالب بحقه فى الكرامة وفى لقمة العيش، وكذلك يطالب بكرامة الوطن التى أهدرها مبارك فى علاقة غير متوازنة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.


ثم تعقد الموقف الاجتماعى حينما نجح الإخوان المسلمين فى أسر قوى التغيير وتوجيهها ضد ثوابت المجتمع، بحيث صار بديلا من ثراة الإخوان مؤهلا للحلول محل أحمد عز، وصارت الجماعة مؤهلة للحلول محل الحزب الوطنى، وصار التدين المزعوم غير الموثوق به بديلا للدولة المدنية التى تحافظ على طوائفها متماسكة وتجعل الدين أعلى مكانة من السياسة وأسمى منزلة من التجارة به على مذبحها الملوث.


وعلى الصعيد الأفريقى استلم الرئيس السيسى مصر وقد جمد نشاطها فى الاتحاد الأفريقى على اعتبار أنه يرى ما جرى فى ٣٠ يونيو انقلابا على الشرعية، وذلك التزاما بما قرره الاتحاد الأفريقى من رفض الانقلابات العسكرية والتجاوزات الدستورية، الأمر الذى دفعنا للتساؤل حول جدارة الاتحاد الأفريقى بالحكم على وقوف عشرات الملايين من المواطنين المصريين ضد نظام الإخوان. ولكن الرجل –من بعد استلامه الراية- أخذ بزمام المبادأة وتواصل مع الدولة المستضيفة لأول قمة تالية وهى غينيا الإستوائية، حيث استطاع أن يحضر ويتكلم باسم مصر وأن يلقى خطابا تجاوز فيه الوقت المسمح بما يزيد على ضعفه وسط استماع رهيف لكل ما يقول فى حين أن القمة السابقة قطعت الكلمة عن سلفه محمد مرسى فلم يتمها على نحو غير معهود فى التعامل مع الرئيس المصرى منذ عبدالناصر وحتى تاريخه.


على أن السيسى قبل أن يصل إلى «مالا بو» كان قد مر على الجزائر لينهى حالة من القطيعة الناتجة عن سوء إدارة حكومة مبارك للعلاقة مع الشعب الشقيق، بل ومع القارة الأفريقية والتى كان قد أهملها منذ عام ١٩٩٥ حتى رحيله إهمالا جسيما أضر بالمصلحة الوطنية أبلغ الضرر.


ومن بعد وصوله إلى «مالابو» تقابل الرئيس مع رئيس الوزراء الإثيوبى ديسالين، حيث وقع اتفاق مبادئ لإدارة العلاقة بشأن المشروعات المائية الإثيوبية بالتفاوض والتكامل والتفاعل الخلاق بين الدولتين. لتتم بهذه الخطوة عملية إزاحة كاملة لعقبة كؤود فى طريق الرابطة المصرية الأفريقية أنهت كل المزاعم الكاذبة حول حصول مصر على مياه حوض النيل دون مقابل، وحول حرمانها لدول الحوض من حقها فى التنمية. فلما زالت الأكاذيب أصبح من المهم السير فى طريق التفاعل بين الجزء والكل: بين مصر وقارتها الأم. ومن بعد مالابو عاد ديسالين إلى القاهرة عن طريق الخرطوم كى يؤكد مرة أخرى الرابطة المصرية السودانية والصلة الأزلية الأبدية.


لقد انشغلت السياسة المصرية فى أفريقيا بقضايا القارة وتحمل الرئيس نصيبه الفاعل فى إدارتها حيث انخرط بشكل مباشر فى كافة قضايا القارة على نحو نستطيع معه أن نقول بأنه استهدف تعويض الغياب الطويل منذ عهد مبارك ومرسى بحركة نشيطة دؤوبة تؤكد عودة مصر عودة ظافرة إلى قارتها، حيث جرت الدماء من جديد فى عروق العلاقة وتواصلت بحيث انطلقت المؤشرات جميعا مؤكدة أن روحا جديدة دبت فى البدن المصرى الأفريقى تؤكد التواصل الذى لا انقطاع بعده.


وسرعان ما عادت القاهرة كما هو عهدها قبلة للتواصل الأفريقى، حيث استقبل الرئيس ووزير الخارجية عشرات القادة الأفارقة على نحو متواصل سواء فى الاجتماعات التى شهدتها القاهرة أو عبر المؤتمرات التى عقدت فى شرم الشيخ، ونستطيع أن نلمح أن مصر استهدفت بالتواصل قوى إقليمية كبيرة فى القارة مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وإثيوبيا كما استهدفت دولا ذات صلة خاصة بالمصالح المصرية المباشرة، ومن ذلك اللقاءات مع رؤساء إريتريا وتشاد وأفريقيا الوسطى، فضلا عن تواصل خلاق مع دول أخرى مثل جنوب السودان وبورندى وأوغندا وكينيا، كما لم تخلو الصلات من التواصل مع قوى من غرب أفريقيا وأخرى من وسطها لا سيما الكونغو الديمقراطية والتى شهد التواصل معها انخراطا مصريا كبيرا فى مشروعات عملاقة للطاقة والبنية الأساسية.


وقد انشغلت مصر بعد ذلك فيما يخص الشأن الأفريقى بعدة موضوعات وقضايا حيوية على النحو التالي:


أولا- مسألة سد النهضة


سعت الدولة المصرية تحت قيادة السيسى إلى إضفاء روح إيجابية على العلاقات المصرية الإثيوبية، حيث زار الرئيس الخرطوم فى نوفمبر ٢٠١٤ ثم فى ٢٣ مارس ٢٠١٥ وعمل بقوة من أجل تأسيس توافق مصرى سودانى إثيوبى حول التنمية فى حوض النيل، وأن يكون سد النهضة الإثيوبى فاتحا للرزق والخير والتنمية للدول الثلاث عبر النيل الأزرق، وأن تنتهى الصورة الكئيبة التى رسمت له كحاجز للمياه يهدد المصالح المصرية، ومن الخرطوم انتقل الرئيس إلى أديس أبابا، حيث حاول فى البرلمان الإثيوبى أن يؤكد على معانى التواصل بين الشعبين وإمكانية التنمية المشتركة للموارد المائية بما يكفل حياة الجميع ويتيح لإثيوبيا الإفادة من الطاقة المائية بما لا يضر المصالح المصرية. وقد حظى اللقاء بروح إيجابية وقبول شعبى فى أديس أبابا، وبين جنبات البرلمان إذ كانت هذه هى المرة الأولى التى يحدث فيها أن توجه رئيس مصر بالحديث مباشرة إلى الشعب الإثيوبى عبر نوابه، وذلك فى وقت كانت تتجمع فيه سحب الرفض للحكومة الإثيوبية واتهام مباشر لها بالتزوير المتعاقب للانتخابات، إضافة إلى حالة عدم الرضا الشعبى فى غير إقليم من أقاليم الدولة، وذلك عبر توجيه اتهام مباشر للحكومة بتعديل الأقاليم لصالح قوميات معينة وضد قوميات أخرى، وبما يمس الهيكل الدستورى للبلاد. وبدلا من أن تلتقط إثيوبيا الفرصة وتعمل على التواصل الخلاق مع المفاوض المصرى إذا بها تضع العصا فى عجلات الحركة وتسعى إلى تعطيل التفاوض ريثما تنتهى من بناء السد كأن الاتفاق لم يكن.


ومع هذا فإن الرئيس لم يمل ولم ييأس واستمر يدفع بوفوده للتفاوض مع أديس أبابا فيها مرة وفى الخرطوم مرة وفى القاهرة مرة، دون أن تبرز نتيجة ملموسة على السطح، وفى نفس الوقت تراءت للإخوة فى السودان زوايا مختلفة عن تلك التى كانت تدار من خلالها الحركة، وهى زوايا ضيقة أدت إلى تعطيل هذه الحركة فى اتجاه التوافق وطرح مفاهيم صراعية وتنافسية واتخاذ إجراءات متوالية، مؤكدة على وحدة الموقف الإستراتيجى السودانى الإثيوبي، بل إن زيارات برلمانية تمت بين البلدين أكد فيها الطرفان أنهما أصبحا حقيقة إستراتيجية كبيرة فى حوض النيل وفى النيل الأزرق بصفة خاصة وأنه ليس أمام مصر إلا اللحاق بهما، وذلك على نحو يتصادم بشكل مباشر مع التزامات الدولتين طبقا للمعاهدات الدولية مثل ١٩٠٢، ١٩٥٩، واتفاق مارس الإطارى عام ٢٠١٥، وبهذا يمكن القول بأن مصر وقد جربت آلية التفاهم والتعاون والتكامل وبادرت إلى تقديم مساعدات ملموسة فى مجال البنية الأساسية والتنمية البشرية لم تجد استجابة لا من السودان الشقيق ولا من إثيوبيا الشقيقة، وأن الرئيس بات مضطرا إلى الاستعداد الكامل لمواجهة احتمالات خطيرة مؤثرة على المصالح المصرية إن لم نقل على وجود الدولة المصرية، وذلك بتركيز الدولة المصرية الشديد على مبادرات ترشيد إستخدام المياه فى كافة المجالات لاسيما فى الرى الحقلى والاعتماد المباشر فى مشروع المليون ونصف المليون فدان بالصحراوات المصرية المختلفة على الرى من الآبار الجوفية واتخاذ إجراءات فاعلة فى مجال بدائل الطاقة المائية، سواء باللجوء إلى طاقة الرياح أو الطاقة النووية، وكذلك بتنويع مصادر الوقود لمحطات الطاقة القائمة وتلك التى يجرى إنشاؤها. كذلك ومع تغيير وزير الموارد المائية والرى يمكن القول بأن الرئيس بدأ مرحلة مختلفة من التفاوض قد تكون فيه من المصارحة أكثر مما كان فى المرحلة السابقة، وقد يكون مباشرا فى التعبير عن عدم القبول بالإجراءات الإثيوبية والإجراءات السودانية والرفض الصريح للمساس بالمصالح المائية الحياتية للشعب المصرى والتى تشكل ضرورة بقاء للدولة المصرية، وفى هذا الصدد فإن سبيل التفاوض فى المرحلة القادمة يمكن أن يحمل من الجدية الشيء الكثير لا سيما وقد بنى الموقف الإثيوبى على معطيات خاطئة ومقدمات ضالة لا تتناسب مع الاحترام المفترض بين الدول فى إدارة علاقاتها، كما لا تتوافق مع القواعد المقررة فى القانون الدولى بين الدول المتشاطئة فى الأنهار الدولية.


وتبدو القاهرة أكثر إصرارا على إنفاذ ما تم الاتفاق عليه فى الاتفاق الثلاثى من إثيوبيا التى تعتبره مجرد ورقة لاستهلاك الوقت ريثما يتم الانتهاء من المشروع.


ولأنها كنانة الله فى أرضه فقد فوجئت إثيوبيا بمتغيرين طبيعيين يحتاجان إلى تأمل فأما المتغير الأول فهو سيادة الجفاف على نحو غير متوقع فى غير ترتيب من توقعات الدورات المناخية ثم، وفى غير موعدها، هطلت الأمطار على نحو غزير مسببة حالة غريبة من الأضرار والخسائر فى مناطق لم يكن معتادا أن تهطل فيها الأمطار بهذا الشكل، وذلك فى حين أن مصر شهدت فى الساحل الشمالى أمطارا هائلة لم تجربها عبر عقود كاملة ساعدت رعاة محافظات مطروح والبحيرة والإسكندرية فى زراعة مساحات شاسعة من الأرض بمحصول القمح والشعير، بينما كانت بوادر الإنتاج الافتتاح لمشروع المليون ونصف مليون فدان فى الوادى الجديد توحى بنماء يمكن أن يساعد مصر فى الوصول إلى الأمن الغذائى أو على الأقل الاكتفاء الذاتى فى أحد المحاصيل الإستراتيجية.


ثانيا- مقاومة الإرهاب


نجحت القوات المسلحة المصرية فى حصر الإرهاب فى مثلث ضيق فى الشمال الشرقى من شبه جزيرة سيناء، واتخذت من مبادرات تصفيته ما أجبر فلوله على السعى إلى الانتقال من هذه المنطقة إلى ليبيا ومحاولة تهديد مصر من الغرب، وقد زادت الأمور تعقيدا تلك الحالة من التواصل التى ظهرت بين تنظيم داعش فى الشام والعراق وسيناء وليبيا والصحراء الكبرى وبوكو حرام فى نيجيريا، مما أعطى انطباعا بأننا بصدد مجموعات مسلحة تشكل جيشا مقاتلا من أشتات الدول يحظى برعاية دولية وينال سلاحا يعز وجوده فى أيدى مقاتلى بعض الدول ويتمتعون بحرية حركة وانتقال لا تتم إلا بمعرفة خبراء من أجهزة أمنية دولية. من هنا لم تكتف مصر بالعمل على مجابهة الإرهاب على أرضها إنما قامت نيابة عن العالم باتخاذ التدابير السياسية التى تكفل هزيمته عن طريق إعادة تأهيل الأنظمة السياسية فى الدول المخترقة، بحيث يتعذر أن يتعايش الإرهاب مع نظم سياسية مستقرة ومقتدرة، ومن هنا مدت مصر يد العون لكل من العراق وسوريا وتواصلت مع دول الخليج الشقيق لتعديل المواقف السياسية، بحيث لا يؤدى الصراع السنى الشيعى إلى التمكين للإرهابيين، وبحيث لا يؤدى انهيار الأنظمة إلى استشراء نفوذ بوكو حرام، ومن هنا بدأ الجيش الليبى يتعافى وبدأت العملية السياسية تتواصل، وبدأت الحرب على الإرهاب تأخذ أبعادا أكثر جدية من ذى قبل.


ولأن الإرهاب لا يقاوم بالسلاح وحده فقد بادرت مصر إلى تجديد الخطاب الدينى بما يكفل وضوح المقاصد الشرعية فى السلم والأمن، وتجلية حقيقة الإسلام القابلة للتعايش الإنسانى والرافضة للعنف، فبرز الأزهر الشريف مؤديا لدوره على نحو فاعل وتغيرت كيمياء الدعوة الإسلامية من الصياح والضجيج والدعوات النازفات دما إلى صوت عاقل رحيم يبشر بالخير ويدعو إلى السلام.


وراح الإمام الأكبر فضيلة الدكتور أحمد الطيب يزور هذه الدولة أو تلك مارا على قارات العالم مبشرا برسالة الإسلام الأصيلة، مستنكرا ما لحق بها من تخريب وتدمير وترويع، منتقلا من جاكرتا إلى برلين ومن برلين إلى أبوجا، حيث وجه رسالته إلى الشعوب الأفريقية مدينا بوكو حرام وداعش وأشباههما من الحركات التى أوغلت فى سفك الدماء وترامت مخاطرها بين المشرقين. وبذا فتح الأزهر بفكره بلادا كانت مغلقة على العنف والقتل والاختطاف والسبى، مؤكدا رحابة الإسلام وقدرة مصر على حمل لوائه إلى قلب القارة السمراء.


ثالثا- السلم والأمن


بإدراك قاطع بأنه لا دولة ولا تنمية ولا تقدم بغير أمن راحت الدولة المصرية تسعى بقوة لملاحقة الإرهابيين وفرض الأمن والاستقرار وإنهاء مظاهر التسيب على أراضيها، ولأن ذلك لم يتم طالما تتواصل عمليات تهريب السلاح وإجراءات اختراق الحدود برا وبحرا، فقد أولت مصر قضية الأمن على مستوى القارة وعلى مستوى العالم اهتماما كبيرا، باعتبارها الدولة الطليعة فى محاربة الإرهاب والنظام القائد فى مجابهة الإرهابيين، وعلى ذلك نجحت مصر فى أن تشغل موقعين هامين فى مجال السلم والأمن، واحدا منهما عبر اختيارها عن دول الشمال الأفريقى وعلى مقعد عضوية السنوات الثلاث لمجلس السلم والأمن الأفريقى الذى طال إبعاد مصر عنه بسياسات سابقة من الرئيس الجنوب أفريقى السابق ثابو مبيكي، وكذلك بتنسيق دقيق مع خلفه الرئيس زوما مع اتخاذ مصر مبادرات مهمة لدعم الجيوش الأفريقية وزيادة المنح المخصصة للتدريب، سواء فى أكاديمية ناصر أم غيرها من المعاهد العسكرية والأمنية المصرية، كما زادت مصر عدد الدورات المخصصة للمتدربين الأفارقة فى المجالات كلها.


وعلى الصعيد الدولى نجحت مصر فى الوصول إلى عضوية مجلس الأمن الدولى، وقد شكل هذا ضمانة مهمة للعالم العربى ولأفريقيا فى تبنى قضايا تخص الاستقرار وتعمل على الحفاظ على المصالح الوطنية والقومية والقارية.


رابعاً- رسالة التنمية الأفريقية


مع الرئيس السيسى عادت شرم الشيخ إلى بريقها القديم الذى كان قد أسسه مبارك، حيث صارت قبلة لوفود العمل التنموى والاقتصادى الدولى، وبصفة خاصة فيما يخص القارة الأفريقية، حيث عقدت بها لقاءات فاعلة للاستثمار فى أفريقيا ولتجمعات التكتلات الاقتصادية الأفريقية الثلاث (سادك، كوميسا، وشرق أفريقيا)، وفى هذا المجال نجحت القارة الأفريقية فى أن تلفت الانتباه إلى مكانتها الجاذبة للاستثمار الدولى وأن تلفت الانتباه إلى سعيها الحثيث لنقل العلم والتكنولوجيا والتصنيع، كما تبنت رؤية تقوم على رفض التبعية، والاعتماد على الذات، والسعى أيضا إلى رفض تصدير الموارد الطبيعية الأفريقية على هيئة مواد خام وتأكيد قدرة أفريقيا على تصنيعها للاستفادة من القيمة المضافة، وذلك حفاظا على الموارد الطبيعية من ناحية وسعيا إلى تشغيل الشباب وتصنيع القارة وإنهاء حرمانها التكنولوجي، كما أكدت الدول الأفريقية رغبتها فى بناء شبكات النقل والمواصلات من ناحية وتفعيل قطاع الاتصالات سواء داخل الدولة أم فيما بين الدول على نحو يزيد من فرص التجارة البينية ويفتح الباب بالتالى للتكامل الاقتصادى والاعتماد المتبادل؛ إنهاءا للتبعية البغيضة التى كان المستعمر قد خطط لها عن طريق تكريس شبكات النقل والمواصلات كى تكون بين مناطق إنتاج المواد الخام وموانئ التصدير على ساحل المحيطات، حيث تنتقل إلى الدول الأوربية ليتم تصنيعها ثم ترد بأعلى وأغلى الأسعار.


وقد ساعدت حالة التفاكر الأفريقى فى قمة التجمعات الثلاثة على تكريس روح أفريقية تسعى للاستقلال الاقتصادى وتؤكد أهميته كداعم أساسى وحقيقى لاستقلال القارة وبناء السوق الأفريقية المشتركة فى إطار الاتحاد الأفريقي.


خامسا- المناخ والبيئة


جاءت مبادرة الرئيس إلى تبنى موقف فاعل تجاه قضية التغير المناخى التى أسفرت حتى الآن عن وقوع مفاجآت مناخية غير سارة من موجات تسونامى مدمرة وموجات حر شديدة أعقبها تقلب فصول الأمطار وندرتها وانتقال الكميات الوفيرة منها إلى مناطق غير متوقعة بما أضر بالحياة الاقتصادية وأدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية والعجز عن زراعة مساحات كبيرة من الأرض.. كل ذلك على الرغم من أن الدول الأفريقية ليست دولا ملوثة للبيئة، ولا كانت سياساتها سببا فى التغير المناخى الأمر الذى دفع خبرائها إلى المطالبة بتعويضها عما يقع ويجرى من تحولات، ومع تبنى الرئيس السيسى للملف تحمل مسئولية عرضه على قمة المناخ فى باريس فى ٩ سبتمبر ٢٠١٥ والتى أسفرت بعد تفاوض شاق على تكريس مبلغ مائة مليار دولار تعويضا للقارة الأفريقية، ولا تزال مصر تبحث مع أشقائها، بعدما قبل المؤتمر بذلك، كيف يجرى إلزام الدول الكبرى بصرف أموال التعويضات ومعاونة الدول الأفريقية فى تجنب الآثار الناشئة عن التغير المناخي. وعلى الرغم من أن هذا الهدف قد يكون مستحيل التنفيذ أو قد يكون تنفيذه محتاجا إلى وقت طويل لتلبية مطالب الدول الأفريقية، إلا أن النتيجة الكبرى المتوخاة من ذلك كله هى أن أفريقيا لأول مرة منذ مدة طويلة تقف موقفا موحدا وتواجه مستغليها ومدمرى ثرواتها، وتطلب حقها بصوت عال وبرأى موحد، وأن مصر كانت فى طليعة إنجاز هذا الهدف، حيث وقف الرئيس عبدالفتاح السيسى يدافع عن قارته دفاع الابن عن الأم، مؤكدا أصالة الأفريقية المصرية ومتانة الرابطة التى تجمعنا بأشقائنا والتى ذكرنا سابقا أنها كالحبل السرى الذى يربط الجنين بالأم. وبهذا كان الابن بارا بأمه، وكانت مصر عند وعد الوفاء بالالتزامات الأفريقية.


وقبل كتابة هذا المقال بأسبوع واحد وجهت مصر خطاب استضافة للبرلمان الأفريقى ليعقد اجتماعه القادم فى أكتوبر هذا العام، شهر النصر العظيم، بمدينة شرم الشيخ، وذلك بدعوة كريمة من الرئيس السيسي. ليتواكب احتفالنا بالنصر فى عيده الثالث والأربعين مع عرس أفريقى برلمانى يجسد وجود رابطة جديدة تضاف إلى بذور اتصالاتنا برحمنا الأفريقى، وذلك على المستوى الشعبي.


فأهلا بالأشقاء فى مصر الأفريقية. وتحية للرئيس السيسى وهو يتم عامه الثانى من العمل الشاق من أجل مصر الكنانة.