تجديد الخطاب الدينى دعوات رئاسية تقابلها جهود مبعثرة ومؤتمرات وهمية

01/06/2016 - 12:14:58

تحليل إخبارى يكتبه: طه فرغلى

فى مطلع شهر يناير ٢٠١٥ خلال الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، نظر الرئيس عبدالفتاح السيسى وهو يلقى كلمته ناحية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب وقال له « أنتم الدعاة مسئولون أمام الله عن تجديد الخطاب الدينى وتصحيح صورة الإسلام وسوف أحاججكم بذلك أمام الله».


الرئيس وهو يلقى بهذا التكليف إلى الأزهر الشريف لم يكن يبرئ ذمته، أو ينفض يديه من قضية خطيرة ربما كان إهمالها سنوات طويلة السبب المباشر فى انتشار التطرف والتشدد والإرهاب، ولم يكن ما قاله السيسى مجرد فض مجالس، أو كلام فرضته طبيعة المناسبة الدينية، إذ عاد الرئيس وكرر ما طلبه فى أكثر من مناسبة وأكثر من لقاء، مؤكدا أهمية القضية وخطورتها، ووصل الأمر حد استخدامه تعبير «الثورة الدينية»، لم يكن باقيا أمام الرئيس سوى أن يتولى هذا الملف بنفسه ويشرف عليه بشكل مباشر لأن الحقيقة أنه ومنذ المطالبة لم يتحقق شىء على أرض الواقع، ولم يحدث الالتفاف المطلوب من المؤسسات الدينية حول هذه القضية أو تشكيل لجنة مشتركة من الأزهر والأوقاف والإفتاء تضع تصورا عاما لمفهوم التجديد وماذا يعنى وما هى متطلباته، ما حدث أن كل مؤسسة حاولت الاستئثار بالقضية، والعمل بشكل منفرد بعيدا عن المؤسسية، وكانت النتيجة جهودا مبعثرة وتنسيق غائب ومؤتمرات لا قيمة لها تحولت فى معظمها إلى خطب إنشائية بمجرد أن انفضت أصبح لا قيمة لها ذهبت جفاء مثل الزبد، ولم تمكث فى الأرض لأنها لا تنفع الناس.


وإذا استعرضنا مطالبة الرئيس للمؤسسة الدينية بتجديد الخطاب الدينى فسنجد أن الأمر لم يتوقف عند مرة أو اثنتين ولكن كان فى أكثر من مناسبة المرة الأولى – كما ذكرنا- كانت خلال الاحتفال بالمولد النبوى الشريف فى شهر يناير من عام ٢٠١٥ ، وتكرر الأمر خلال مشاركة الرئيس فى منتدى دافوس بسويسرا نهاية يناير من العام نفسه إلى ما أسماه «ثورة دينية»، قائلًا إنه «ليس معقولًا أن يكون الفكر الذي نقدسه على مئات السنين يدفع الأمة بكاملها للقلق والخطر والقتل والتدمير في الدنيا كلها».


وفي فبراير ٢٠١٥ جدد الرئيس دعوته لتجديد الخطاب الديني، قائلاً: «هناك جماعات متشددة أفرزت تعاليم منحرفة ونشرتها بين الناس علشان في ناس متصدوش للتجديد من ٤٠ سنة، إحنا عندنا مشكلة كبيرة جدًا في الدين، أنا هقابل ربنا باللي بعمله ده ومستعد أموت عشانه»


وفى أبريل من العام نفسه تناول الرئيس القضية فى خطابة بالكلية الحربية، حيث قال إن تجديد الخطاب الديني عبر وسائل الإعلام ليس في مصلحة الدين ولا الوطن، ولا بد من التعامل مع القضية بحذر ودقة ووعي نظرًا لكونها مسئولية أمام الله والوطن، وأن يتصدى لها «أساتذة مستنيرون»، وجدد دعوته السابقة لشيوخ الأزهر ورجال الدين للمشاركة في تجديد الخطاب الدينى، وكان الرئيس واضحا عندما قال  «الجهود المبذولة في تجديد الخطاب الديني ليست على قدر التحدي الموجود وليست كافية».”


وبشكل مباشر تدخل الرئيس فى القضية عندما استدعى  محمد مختار جمعة وزير الأوقاف فى أكتوبر عام ٢٠١٥  لبحث سبل تجديد الخطاب الدينى،


وبرامج الوزارة لتدريب الأئمة وإعدادهم لمواجهة الفكر المتطرف.


وعندما حان موعد الاحتفال بالمولد النبوى فى شهر ديسمبر عام ٢٠١٥ أعاد الرئيس التذكير بالقضية مرة أخرى وقال فى خطابه بهذه المناسبة «لازم تعرفوا أهمية تجديد خطابنا الديني».


وفى فبراير ٢٠١٦ طلب الرئيس، من نواب البرلمان خلال كلمته فى مجلس النواب أن يجعلوا تجديد الخطاب الديني على رأس أولوياتهم، وقال «علينا ألا ننسى نجاحنا في تعطيل مخطط ومؤامرة، وعلينا ألا ننسى أن هناك من يتربص بالبلاد، ويحاول تعطيل مشروعنا الوطني»..


وخلال ترأسه الاجتماع السنوى السابع عشر لمجلس أمناء مكتبة الإسكندرية والذى يضم فى عضويته عددًا من الشخصيات الدولية البارزة دعا الرئيس لتجديد الخطاب الدينى محذرا من مغبة الاستمرار فى استغلال الدين كوسيلة لجذب المزيد من العناصر إلى صفوف الجماعات المتطرفة، داعيًا إلى مواصلة الجهود لمواجهة الفكر المتطرف وتصويب الخطاب الدينى وتنقيته.


ولاهتمام الرئيس البالغ بقضية تجديد الخطاب الدينى عين ولأول مرة مستشارا دينيا له، هو الدكتور اسامة الأزهرى، كما عينه فى مجلس النواب لينقل رؤيته فى التجديد ويكون بين أعضاء اللجنة الدينية فى البرلمان.


والسؤال الذى لا يزال يبحث عن إجابة بعد تكرار دعوة الرئيس لتجديد الخطاب الدينى ماذا تم؟


للأسف لم يحدث شىء ملموس، ولا توجد رؤية واضحة حول جهود تجديد الخطاب الدينى، وكل ما حدث عقد مؤتمرات لا تأتى بجديد وتدور فى نفسك الفلك.حيث سارع مختار جمعة وزير الأوقاف إلى عقد مؤتمر يثبت من خلاله أنه موجود ويقول أنا هنا، وأعلن عن عقد مؤتمر دون تنسيق حقيقى مع مؤسسة الأزهر، تحت عنوان «آليات تجديد الخطاب الدينى».


كما عقد الأزهر مؤتمرا لمواجهة التطرف والإرهاب وبحث تجديد الخطاب الدينى، وبعدها عقدت دار الإفتاء مؤتمرا تحت عنوان «ضبط الفتوى».. ولأن جمعة فهم أن التجديد يعنى عقد مؤتمرات عقدت وزارة الأوقاف مؤتمرين متتاليين لا يفصل بينهما سوى ٥ أشهر الأول فى الأقصر والثانى الذى انتهى منذ أيام، والحقيقة أن هذه المؤتمرات تحولت إلى شىء مستهلك لا طائل من وراءه .


وظهر الانقسام الحاد بين المؤسسات الدينية، حينما أصدرت وزارة الأوقاف بشكل منفرد أيضا ما أسمته الوثيقة الوطنية لتجديد الخطاب الدينى، وبعدها بـ ٢٤ ساعة دعا شيخ الأزهر عددا من المفكرين والعلماء إلى المشاركة فى صياغة إصدار وثيقة مماثلة .وهذا الأمر كانت دلالته المباشرة غياب التنسيق فى قضية تجديد الخطاب الدينى، ومؤشرا على ابتعاد الخطى بين الإمام والوزير.


ولكن الإنصاف يقتضى أن نؤكد أن هناك بعض الجهود التى تبذل من قبل مشيخة الأزهر ودار الإفتاء تحديدا فيما يخص قضية التجديد، حيث قطع الأزهر خطوات واسعة فى تطوير المناهج الأزهرية وتبسيطها وتنقيتها من بعض القضايا الجدلية، كما كانت لزيارات شيخ الأزهر الخارجية  دور كبير فى أن تصل الصورة الحقيقية للإسلام السمح، وجاء خطاب الإمام أمام البوندستاج ليؤكد على هذا الأمر، ثم زيارة الفاتيكان التى أكدت على سماحة الإسلام وقبوله الحوار مع الآخر.


ويبقى دور دار الإفتاء هو الدور المحورى فى قضية التجديد حيث فطنت الدار مبكرا لضرورة تغيير طرق التواصل وكانت سباقة فى التعامل مع التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، وهذا ما ساهم فى أن يكون لها دور كبير فى تصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة وضبط الفتوى، وتخطت صفحة الدار على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، حاجز الثلاثة ملايين مشترك، حيث تتفاعل الدار مع المشتركين من داخل مصر وخارجها بـ٩ لغات وترد على أسئلتهم وتفند المفاهيم المغلوطة عن الدين، وتكشف زيف التيارات التي تستخدم الدين ستارًا لتنفيذ أطماع  دنيوية وسياسية.


ولم يقتصر الأمر على هذا بل كانت الدار سباقة فى إنشاء مرصد لرصد الفتاوى التكفيرية والشاذة والرد عليها وتفنيد الشبهات، وأصدر المرصد عددا كبيرا من الدراسات والأبحاث لتوضيح الحقائق.


أيضا أنشأت الدار مرصدا للإسلاموفوبيا يختص برصد ظاهرة الإسلاموفوبيا ومعالجتها، وتقديم كل التصورات والتقديرات الضرورية لمواجهة هذه الظاهرة، والحد من تأثيرها على الجاليات الإسلامية فى الخارج، وتصحيح المفاهيم والصور النمطية المغلوطة عن الإسلام والمسلمين فى الخارج.