علاقة السيسى بالأقباط بعد عامين

01/06/2016 - 12:02:47

بقلم - جمال أسعد

عامان يمران الآن على رئاسة الرئيس السيسى فى ظل ظروف أقل ما توصف به أنها ظروف استثنائية بكل ما تحمل الكلمة من معان. فحجم الميراث ثقيل بالمشاكل ومعبأ بالقضايا وملىء بالتحديات الخارجية والداخلية، فالخارجية ترتبت على محاور متعددة تبدأ بإسقاط نظام الإخوان وإسقاط معه ذلك المخطط الذى كان وما زال يستهدف المنطقة وإعادة استنساخ معاهدة سايكس- بيكو بعد مائة عام لتقسيمها هذه المرة من داخلها وبأيدى أبنائها وعلى أسس طائفية لا تخفى على أحد.


. وبالطبع قد بدأ التقسيم كما نشاهده فى العراق والسودان وسوريا وليبيا واليمن ، كما أن استهداف مصر فهذا قد وُضِعت بذوره ليس الآن بل قد استهدفت مصر منذ الاحتلال الفرنسى والبريطانى وحتى الآن بعد وضع المنطقة تحت الرعاية الأمريكية، كما أن إسقاط الإخوان يعنى إسقاط نظام كان قد أعلن ولاءه وتبعيته لأمريكا ولتنفيذ المصالح الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية بتسليم سيناء لحل المشكلة الفلسطينية على الطريقة الصهيو- أمريكية، فكان نظام ٣٠ يونيه الذى خرج من العباءة الأمريكية والذى تحرر من كل القيود التى تحقق له الانطلاق والتقدم واستعادة دور مصر الريادى والقيادى فى المنطقة خاصة بعدما تعددت مصادر السلاح التى جعلت الجيش المصرى أحد عشر جيوش العالم، فهذا وغيره كثير لاشك يجعل العقل الاستعمارى يعيد تراثه التاريخى ويستفز جيناته الاستعمارية ويسترجع تجربة محمد على وجمال عبدالناصر ليكون هذا التحدى وتكون تلك المؤامرات، أما التحديات الداخلية فهى ثقيلة بميراثها الذى بدأ قبل ثلاثة عقود من هبة يناير إضافة لهذه المتغيرات التى لحقت يناير وحتى الآن وأهمها حالة الفوضى التى أسقطت منظومة القيم الشىء الذى أدى إلى اختلال المنظومة الاجتماعية والثقافية التى هى العمود الفقرى لأى نظام سياسى، ناهيك عن حجم المشاكل الاقتصادية المتراكمة لعقود والتى جعلت الاقتصاد فى هذه الحالة المعقدة حتى إننا قد أصبحنا شبه دولة، وفى ظل هذه الظروف يجب أن يتم تقييم سنتى السيسى بحيث إن التقييم لايجب أن ينفصل عن البداية والواقع المعاش بمشاكله وإشكالياته حتى يكون تقييماً موضوعياً ومنصفاً بلا تحيز فى التأييد وبلا خصومة فى المعارضة والاختلاف مع ذلك وبالموضوعية التى يمكن لها أن تختلف مع السيسى ونظامه سياسياً فى بعض القضايا وهذا حق دستورى، ولكن فى ذات الوقت الذى يجب أن تكون سلامة الوطن وحفظ الدولة من السقوط والإسقاط هدفا استراتيجىا لا يغيب عن البال ولا يختلط بحق بهذه المعارضة وذلك الخلاف فى الرؤى ومع كل الاختلاف فى كثير من ممارسات السلطة خاصة فى الجانب الأمنى الذى مازال يمارس دوره بتقليدية لا تتسق مع حجم المتغيرات بعد ٢٥ و٣٠ ولا مع تلك المتغيرات العالمية التى جعلت العالم قرية أقل من صغيرة، نعم هناك خلاف مع الرؤية الاقتصادية القائمة التى لا تحدد توجهات وانحيازات النظام خاصة فى إطار مبدأ العدالة الاجتماعية، نعم نختلف فى سلم الأولويات التى يحتاجها غالبية الشعب من متوسطى الحال والفقراء والمعدمين.


ولكن لا أحد موضوعيا أو منصفا ويسعى للتفرقة بين الاختلاف مع النظام وبين التساهل مع من يريد إسقاط الوطن وإفشال الدولة يمكن له أن ينكر أو يتعامى عن هذه الإنجازات التى حققها السيسى خلال العامين، فهناك تطور فى البنية التحتية المهترئة فى الكهرباء التى تم حل مشاكلها بما يعتبر إعجازا فى ظل الظروف المحيطة، كما أن خطة الإنجاز فى آلاف من الكيلومترات من الطرق التى هى الخطوة الأولى للاستثمار والتعمير والتوسع وتلك النظرة لمشكلة الإسكان التى يعانى منها أصحاب العشوائيات، والأهم الشباب الذى لايملك ما يجعله يقيم حياته الخاصة، ولا أحد ينكر حل مشاكل حياتية عانينا منها فيما بعد يناير مثل مشكلة الخبز والبنزين والبوتاجاز إضافة إلى المشروعات الاستراتيجية مثل زراعة مليون ونصف المليون فدان وإقامة المزارع السمكية ومشروع منطقة قناة السويس وتسليح الجيش بهذه الصورة الرائعة، والأهم هو إيمان الرجل وإخلاصه ووطنيته المجردة لصالح الوطن والمواطن. هذه لمحة لابد منها قبل الحديث عن علاقة السيسى والأقباط مع أننى لا أحب ولا أستملح دائماً الحديث عن أقباط، فهذا فى حد ذاته يرجعنا لتراث طائفى عشناه وعانينا منه. فحديثى عن أقباط يكون بالطبع هناك مقابل مسلمين وهذا غير حديث المصريين، ولكن وانطلاقاً من الواقع والظروف التى بدأ فيها السيسى فى هذا الإطار فالعلاقة بين الأقباط وبين نظام الإخوان فى حكم عامهم الغابر كانت من أسوأ العلاقات التى كانت تنذر بهدم الوطن وتفككه بل المساهمة فى تنفيذ مخطط التقسيم على أسس طائفية، خاصة فى مصر كان ولايزال مخطط التقسيم يعتمد على إثارة الفتنة بين المسلمين والأقباط، نعم كان هناك بوادر فتنة قبل يناير تمثلت فى أحداث طائفية غير عادية كان آخرها حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية، ولكن بعد يناير استطاع مجمل التيار الإسلامى الاشتباك المباشر مع الأقباط ومع الكنيسة، فشاهدنا هذه المظاهرات التى قامت بالإساءة غير المسبوقة للبابا شنودة، وجدنا حادثة ماسبيرو وما تركت وستترك من ميراث طائفى، شاهدنا حرق الكنائس فى إمبابة والصف وأسوان وجدنا تلك المظاهرات التخريبية التى رفضت محافظاً مسيحياً لقنا، عانينا من الهجوم ولأول مرة فى العصر الحديث على الكاتدرائية بشكل غير مسبوق وجدنا رئيس الدولة يتحدث عن دولة الأتباع والأهل والعشيرة، سمعنا من يتهم الأقباط فى إطار غير مسبوق بأنهم يهاجمون القصر الرئاسى ويقودون المظاهرات ويحاولون إسقاط الدولة والنظام ويرفضون الشريعة ويقفون حجر عثرة فى وجه تحقيق دولة الخلافة، وقد ظهر هذا صراحة فى ١٤/٨/٢٠١٣ بعد فض رابعة وحرق هذا الكم من الكنائس، هذا هو المناخ وتلك هى الظروف التى كان فيها الأقباط عند رئاسة السيسى، كما أننا لا نستطيع أن نسقط من هذا التقييم تلك المواد المتقدمة فى دستور ٢٠١٤ والتى تحقق المساواة بين كل المصريين خاصة فى إطار تلك المواد الانتقالية التى تجعل البرلمان فى دورته الأولى لابد من تشريع قانون بناء الكنائس وقانون عدم التمييز، لاشك أن علاقة النظام بالأقباط والعكس هى علاقة أقرب للعلاقة الطبيعية التى يجب أن تكون بين نظام سياسى وبين مواطنيه دون تفرقة، ولكن وآه من ولكن هذه، فالتراث الطائفى العميق والمتعمق لازالت آثاره باقية حتى الآن، وهى محاولة اختصار المواطنين المصريين الأقباط فى الكنيسة، نعم زيارة السيسى للكنيسة للتهنئة بالعيد شىء عظيم وغير مسبوق، ولكن تعطى فى مضمونها أن الرئيس يتعامل مع الأقباط أو ما يخصهم وكأن الكنيسة هى الممثل لهم، الكنيسة هى الممثل الروحى للأقباط، وما دون ذلك فهم مواطنون لهم حقوق المواطن ولا يجب الحديث عن المصريين مسلمين وأقباطا، ولكن المصريين.


الكنيسة مؤسسة دينية مثل الأزهر، فالأزهر ليس مسئولاً عن المسلمين فى غير الجانب الدينى، فلا يجب أن نتعامل مع مشاكل مسلمين وأخرى للمسيحيين، ولكنها مشاكل المصريين وهى مسئولية الدولة وللنظام، فلا مواطنة ولا حقوق ولا حل لمشاكل طائفية ولا تفويت وإسقاط لمخططات الفتنة غير دولة المؤسسات، فالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التى لا تعرف غير المصرية وحقوق المواطنة للجميع بلا تمييز ولا تفرقة، مع العلم أن محاولة المجاملة بحكاية الكوتة فى البرلمان عن طريق القوائم الممثل فيها أقباط ليست طريقة مثلى لحل تمثيلهم البرلمانى، فدولة المواطنة لا يعنيها أن يكون مسلم أو مسيحى وزيراً أو نائباً، ولكن الأهم من هو صاحب الخبرة والكفاءة للموقع أياً كانت ديانته، فالحديث عن الكوتة هو لبنة لمصر وتجذير وتكريس لدولة الطوائف، ولكن الحل هو فتح المجال للعمل والمشاركة السياسية الحزبية لكل المصريين على أرضية سياسية، ولكن علاقة السيسى والنظام بعموم المصريين وليس الأقباط فقط، ولذا بعد عامين ما علاقة السيسى بالمصريين، هى علاقة من يحب مصر والمصريين والوطن ولهذا فلنحب مصر ونحافظ عليها ولنختلف مع السيسى والنظام ولكن أن نحافظ على مصر لكى تكون وطناً لكل المصريين.