سيد ياسين مدير المركز العربى للبحوث والدراسات: قائد للدولة التنموية..

01/06/2016 - 11:22:18

  السيد ياسين أثناء حواره مع الزميلين أشرف التعلبى ومحمود أيوب... السيد ياسين أثناء حواره مع الزميلين أشرف التعلبى ومحمود أيوب...

حوار : أشرف التعلبى - محمود أيوب

«الرئيس السيسى أدرك بعمق أن التنمية القومية هى مفتاح النهضة المصرية، بعد تردى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال الأربعين سنة الماضية، لذا كان لابد من نهضة تنموية وفق رؤية محددة» هذه كلمات رددها المفكر الكبير السيد ياسين مدير المركز العربى للبحوث والدراسات، وهو من القلائل الذين يجتهـدون لتقديم مادة ثقافية عميقة، مبنية على معلومات وإحصائيات دقيقة، لا تخلو من مـواكبة التطورات المعرفية الجارية فى العالم.


يرى مدير المركز العربى للبحوث والدراسات أن تجربة السيسى هى التجربة الثالثة للدولة فى التاريخ المصرى الحديث، بعد تجربة محمد على باشا والرئيس جمال عبدالناصر، مع تلافى أخطاء التجربتين السابقتين. فى حواره مع «المصور» شرح لنا التجارب الثلاث ومزايا وعيوب كل منها، وإلى نص الحوار..


مر عامان على تولى الرئيس السيسى حكم مصر، بعد فترة صعبة شهدتها البلاد فى أعقاب حكم الإخوان؟


يلفت النظر ما يمكن أن نطلق عليه مشروع الرئيس السيسى، هو العودة إلى تقاليد الدولة التنموية، والدولة التنموية حسب التعريف هى الدولة أن تقوم بالتخطيط للمشروعات القومية وبتنفيذها بأجهزتها مع عدم إبعاد القطاع الخاص، بمعنى أن يكون لها رؤية تنموية شاملة، كما فعل الرئيس حين أعلن رؤيته فى خطة مصر٢٠٣٠، والإنجازات القومية بدأت بمشروع قناة السويس، ومشروع قناة السويس كان عليه إجماع قومى، وتم اكتتاب شعبى أقبل عليه ملايين المصريين وهو إقبال نادر، ويعتبر نموذجا للمشروعات الناجحة التى حظيت بتأييد شعبى واسع.


ثم تلى ذلك موضوع المليون ونصف المليون فدان، ثم موضوع شبكة الطرق الجديدة، وتقسيم مصر إلى أقاليم تنموية بها مشروعات كبرى، والرئيس السيسى ظهر فى الواقع باعتباره فى المقام الأول قائدا تنمويا، وأدرك بعمق أن التنمية القومية هى مفتاح النهضة المصرية، لأنه حدث تردى فى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المصرية عبر الأربعين سنة الماضية، وكان لابد من نهضة تنموية وفق رؤية محددة، والدولة التنموية حسب التعريف كما قلنا تعتبر هذه التجربة هى التجربة الثالثة للدولة فى التاريخ المصرى الحديث، التجربة الثالثة فى تطبيق نموذج الدولة التنموية النموذج الأول كان فى عصر محمد على، الذى أسس الدولة الحديثة، حيث قام محمد على بمشروعات قومية كبرى ونظم الرى والزراعة حتى أجرى أول إحصاء سكانى وبنى المصانع وبنى المدارس العامة وأرسل البعثات للخارج، والبعثة الشهيرة التى أرسلها إلى فرنسا وكان إمامها الشيخ رفاعة الطهطاوى، الذى يعتبر هو رائد التنوير فى العالم العربى، لكن عاب هذه التجربة أن محمد على يعتبر نفسه هو الصانع الأول والمحتكر الأول، ولم تنشأ بجانبه طبقة من رجال الأعمال واحتكر كل شىء وكان هذا إحدى سلبيات التجربة، اما التجربة الثانية للدولة التنموية قام بها الزعيم جمال عبدالناصر بعد ثورة ١٩٥٢، جمال عبدالناصر أسس دولة تقوم على العدالة الاجتماعية، واستفادت ثورة ٥٢ من المشروع الوطنى التى صاغته القوى الوطنية المصرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولاننسى أنه قبل ثورة ٥٢ قدمت ثلاثة مشروعات للإصلاح الزراعى، مشروع إبراهيم شكرى المناضل المعروف، وقدم لمجلس النواب ورفض، ومشروع خطاب قدم لمجلس النواب ورفض، ومشروع جماعة النهضة القومية التى كان يرأسها الدكتور ابراهيم مدكور، ورفض، وانا اطلعت على المذكرة الايضاحية لمشروع الدكتور إبراهيم مدكور رئيس جماعة النهضة القومية، وهى جماعة للإصلاح الاجتماعى، وورد فيها هذه العبارة «إن لم نقم بإصلاح زراعى ستقوم ثورة فى البلاد، ونحن نريد تلافى قيام الثورات»، بمعنى أن الطبقة البروجوازية المصرية المتنورة وجزء منها المتنور أدرك أن الأمور لايمكن أن تسير كما كانت، لأنه كانت هناك مشكلتان فى الواقع فى الحقبة شبه الليبرالية من دستور ٢٣ إلى ٥٢ المشكلة الاجتماعية وهى تعنى الفجوة الطبقية الكبرى بين من يملكون ومن لا يملكون فى ريف مصر وحضرها، والمشكلة الوطنية التى تتمثل فى فشل الأحزاب السياسية فى إجلاء الإنجليز، ومن هنا قامت الثورة، ولكنها لم تبدأ من الصفر كما قلت، وكان هناك مشروع وطنى ولاننسى فى هذه الفترة ظهر كتاب )من هنا نبدأ (هذا الكتاب ألفه خالد محمد خالد، وطبق فى هذا الكتاب لأول مرة فكرة الإسلام الليبرالى، وكان شيئا جديدا على الخطاب الإسلامى التقليدى، ومؤلف هذا الكتاب دخل فى مناقشة شهيرة فى مؤتمر القوى الشعبية مع جمال عبدالناصر عن الديمقراطية، وفى هذه الحقبة ألف سيد قطب كتاب أثر فى الجيل كله عنوانه العدالة الاجتماعية فى الإسلام، وكانت قراءته يسارية للإسلام.


وأفكار الثورة كلها كانت مطروحة قبل سنة ٥٢، بما فيها تأميم قناة السويس ومنها بناء جيش قوى، وبالتالى الضباط الأحرار طبقوا إلى حد كبير المشروع الوطنى، الذى صاغته القوى الوطنية المصرية، وقام بتصنيع مصر وعمل شركات إلى آخره، ولكن شاب هذه التجربة خطأ، أنه قام بتأميم القطاع الخاص، وقام بتمصير الشركات الأجنبية، وبالتالى حرم التنمية المصرية من جهد القطاع الخاص والاستثمار الأجنبى.


السيسى على عكس ذلك، تلافى هذه الأخطاء جميعا من التجربتين السابقتين، وبالتالى الدولة التنموية فى عهد الرئيس السيسى تقوم بالتخطيط للتنمية وتنقذها بأجهزتها دون استبعاد القطاع الخاص، لكن بشرط أن يعمل القطاع الخاص تحت إشرافها ورقابتها، تلافيا للفساد الذى ساد فى عصر الرئيس السابق مبارك.


وكتبت وصغت مفهوم الدولة التنموية لتوصيف المشروع الأساسى، والرئيس عندما كان يفتتح المشروعات فى الايام الماضية فى أسيوط ودمياط وغيرهما، هذه هى الدولة التنموية، وهاجسها الأساسى المشروعات القومية الكبرى التى تسد الحاجات الأساسية للجماهير، سواء فى قطاع الطاقة أو فى الغذاء أو السكن، ومشروع الإسكان الاجتماعى، والنقطة المهمة أن الدولة التنموية تفهم جيدا ماذا تعنى حقوق الإنسان، حقوق الإنسان هى عكس ما تطالب به بعض المنظمات الحقوقية أو ما ترفعه من شعارات هذه المنظمات الحقوقية، ولا تقتصر على الحقوق السياسية، حق التفكير وحق التنظيم، لكن أيضا حق السكن والحق فى العمل، والحق فى العلاج، بمفهوم شامل، وبالتالى يمكن القول أن الشعارات المرفوعة من بعض قوى المعارضة انتشرت، والدليل على ذلك أن هناك دعوة من عضو مجلس نواب يطالب بتعديل قانون التظاهر، على أساس أن يكون التظاهر بالإخطار، وهذا عبث وفوضى عارمة، وهذا غير موجود فى العالم، وبالإخطار هذا يعنى أن أى مجموعة سواء كانت الالتراس المنحرفة أو الاشتراكيون الثوريون شعارها هدم الدولة والجيش، تقوم بعمل إخطار وتنزل الشارع، وهذا لايجوز، قد نختلف حول بعض المواد فى قانون التظاهر، وقد ندعو إلى تخفيف العقوبات، لكن لابد أن يكون هناك قانون، وليس هناك قانون تظاهر فى العالم بدون قيد )سداح مداح( هذا غير موجود فى العالم كله.


لكن البعض يعيب على هذه المشروعات بأنها مقصورة على الزراعة والخدمات ولم تشهد تطورا فى قطاع التصنيع والمشروعات الصناعية؟


هذه التفرقة هى تفرقة واهية، حيث كنا نعانى فى عهد الإخوان المسلمين من انقطاع الكهرباء وهى شىء أساسى، وكذلك من أزمة بوتاجاز وهى شىء أساسى، ولا أحد يقول أن الدولة التنموية تقتصر على المشروعات القومية، هذه ليست القضية، ولقد مر عامان فقط وهناك أولويات فى التنمية، من كهرباء، وكذلك كان العيش به طوابير، فانتهت أزمة الخبز، وانتهت أزمة البوتاجاز، وانتهت أزمة انقطاع الكهرباء، وبالتالى لم تعلن الدولة بعد عن كل مشروعاتها، والدولة التنموية لا تحتكر كل المشروعات، فأين القطاع الخاص، والمبادرات الشعبية، لا يمكن أن نضع كل المسئولية التنموية على الدولة.


هناك مشكلة وهى أن الدولة تجددت، وأصبحت دولة تنموية، لكن باقى الأطراف السياسية لم تتجدد، بمعنى الأحزاب السياسية لابد أن تجدد نفسها، وأن تصبح أحزابا سياسية تنموية، بمعنى أن تكون لها رؤية تنموية حتى تستطيع قراءة خطط الدولة، برؤى نقدية، وأن تقدم السياسات البديلة وأن تشارك مباشرة فى التنمية، وتنزل الشارع، والأحزاب موجودة فى القاهرة فى الصالونات ويعقدون مؤتمرات لا قيمة لذلك، لابد أن يكون للأحزاب رؤية تنموية وأن تشارك فى التنمية على الأقل، وفى المشروعات الوسطى والصغيرة، وتستطيع الأحزاب أن تعمل، ثانيا لابد على منظمات المجتمع المدنى أن تتحول إلى مجتمعات ومنظمات تنموية، وبالنسبة لمنظمات حقوق الإنسان أين حقوق السكن وأين حقوق العلاج وحق العمل وحق التعليم ومحو الأمية.


بالنظر للمؤشرات الكيفية للوضع الاقتصادى فى مصر، والتى تم طرحها فى كتاب بعنوان الدولة التنموية رؤى نقدية للمشكلات وسياسات بديلة، أن يتم توصيف كل مشكلة توصيفا رقميا، ثم نقيم الموضوع، ونقدم سياسة بديلة تتلاقى السلبيات القائمة، والرقم الأول أن معدل الأمية فى مصر ٢٦٪ وهذه أرقام الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء، وهناك ٢٦ مليون مصرى تحت خط الفقر، و١٨مليون مصرى فى العشوائيات، وهناك معدلات بطالة مرتفعة خاصة بين الشباب، فماذا فعلت باقى الأطراف غير الدولة فى هذه المعادلة، وأحد شعارات ثورة ٢٥ يناير المجيدة العدالة الاجتماعية، ولو قمت باستطلاع رأى بين النشطاء والسياسيين من الشباب أو العواجيز وسألتهم ماذا تعنى العدالة الاجتماعية، لا يعرفون كيف يردون عليك، وكيف يتم تنفيذها، لا تجد لديهم حلا، وهذا موضوع عالمى وليس مصريا فقط، وهناك تراث نظرى كبير وفيه مؤلفات وأبحاث لابد أن يطلعوا عليها وعلى الأقل للرغبة فى تحقيق هدف عليك أن تحدد المشكلة ويكون لديك أفكار كيفية تحقيق هذا الهدف.


وهذا الموضوع مثار عالميا، وهناك عالم فرنسى) توماس بيكيتى (مؤلف كتاب اسمه (رأس المال فى القرن الحادى والعشرين) وهذا الكتاب تمت ترجمته وتم بيع ٥٠٠ ألف نسخة، لأنه قال إن فى المجتمعات المتقدمة الغربية مثل أمريكا وفرنسا وإيطاليا، أن العوام من رأس المال تزيد على معدل الدخل القومى، ونظرية اللامساواة أصبحت سائدة، وأن القلة يسيطرون على المال والسياسة وهذا يصنع الديمقراطية الغربية والامريكية، والمرشح الأمريكى لرئاسة الجمهورية ترامب قام بعقد مؤتمر صحفى وقال فيه: لقد قمت برشوتكم جميعًا وقال أيضًا إن ثروته ١٠ مليارات. وأصحاب رؤوس الأموال الذين كانوا يحكمون من وراء ستار كشفوا النقاب عن أنفسهم ويريدون أن يحكموا مباشرة وترامب مثال على هذا، وإذا كان هناك علماء اقتصاد يتحدثون عن اللامساواة، ولدينا فى مصر اساتذة اقتصاد على أعلى مستوى، منهم الدكتور إبراهيم العيسوى استاذ الاقتصاد، وله أفضل كتاب لغة عربية عن العدالة الاجتماعية ولم تتم قراءته كما ينبغى، ولذلك نقول عند دراسة المشكلات المصرية لابد أن تنظروا بمقارنة للعالم لتعرفوا التراث النظرى الموجود وأهم شىء أن نطبق ما نسميه منهج السياسات البديلة، وعبارة مختصرة فى العامين المقبلين إن لم تجدد الاطراف نفسها فى العملية السياسية من أحزاب سياسية جديدة وقديمة ومنظمات مجتمع مدنى ومثقفين وسياسيين لن تنجح الدولة التنموية.


البعض يرى أن هناك محاربة وعدم رغبة فى مشاركة الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى.. ما تعليقك؟


هذا الكلام مهم جدًا وسأرد عليه، والسؤال الذى يطرح نفسه هل لدى أى حزب من الأحزاب السياسية رؤية تنموية، وأن أى حزب يرغب فى أن يكون طرفا فاعلا فى الدولة التنموية، لابد أن يكون للحزب رؤية تنموية، وأن ينزل الشارع ليساعد، والرئيس السيسى قال إنه لا يستطيع العمل بمفرده، وباقى الاطراف لابد أن تعمل، والدليل أنه ليس هناك رؤى تنموية للأحزاب، إن الرئيس السيسى أعلن عن رؤية مصر٢٠٣٠، فلا يوجد حزب واحد قام بعمل رؤى نقدية لهذه الخطة، والأصل أن يكون لذلك قدرة وقراءة نقدية وتذكر سلبياتها وتطرح خطة بديلة أفضل من هذه الخطة، وهذا لم يحدث، وأين الدراسات التى قاموا بها حول هذه الخطة مما يدل أنه ليس لديهم شىء، وندعوهم للمشاركة والعمل بايجابية ويأسسوا مراكز أبحاث، وفى المانيا كل حزب سياسى لديه مركز أبحاث وليست الأمور (فهلوة) ومبدأ الرد المطلق لا يجوز، لكن عليك أن تثبت أنك فاهم ولديك البديل، ولقد قمنا بعمل ذلك فى كتاب الدولة التنموية والذى طرحنا رؤى نقدية وبدائل إلى آخره، والمنظمات قصة أخرى، لأن هذه المنظمات ممولة من الخارج ويشوبها الفساد، واقترحت على الرئيس فى اجتماع مع المثقفين بأن نقوم بعمل مؤتمر عام برعاية الدولة وتحت الأضواء الكاشفة وأن يقوم كل رئيس منظمة بعرض كشف حساب وما الذى اخذه منذ أن قام بانشاء المنظمة ومن الذى يموله وأين صرف هذه الأموال، ويقدم اقرار ذمة مالية قبل الانشاء وبعد تأسيس المنظمة حتى نفهم أين ذهبت هذه الأموال والسؤال الثانى هل يتم تطبيق أجندة أجنبية أم أجندة وطنية، وهل الممول يفرض عليه أجندة خاصة وما هى نوعية المشروعات التى قام بها.. هذه أسئلة مهمة، وهؤلاء من المنطقى أن يكونوا معترضين على الدولة التنموية، لأن مصالحهم تضار، ثالثًا أنا أدعى أن بعض المثقفين، والنخب السياسية لا تتجدد معرفيا، بمعنى أنها لا تعرف منطق التغيرات العالمية، ومثلا هناك ثلاثة تغيرات عالمية لا يعرفون تفاصيلها بشكل عام، أولًا النظام الدولى، يتغير من نظام يسمى أحادى القطب تنفرد فيه الولايات المتحدة الأمريكية، بحكم العالم، ويتحول إلى نظام متعدد الأقطاب.


وهناك نظرية عن تعدد الأقطاب وهناك سبع دول سيقودون العالم فى المستقبل وهناك دول وسيطة منهم مصر والبرازيل وغيرهما، وهذا أول تغير، وهذا يساعدك حتى تفهم، وهو منطق تحرك الرئيس السيسى فى الخارج، وعمل علاقات مع روسيا والصين والدول الآسيوية وايطاليا وفرنسا، وهو إعادة التوازن للسياسة الخارجية المصرية.


ثانيًا :التغير الثانى المهم نموذج الليبرالية الاقتصادية الذى كان سائد وبناءً عليه حدثت الخصخصة، وبيعت المصانع بثمن بخس، فى الأزمة المالية، وفى عام ٢٠٠٨ بأمريكا اضطر أوباما أن يضخ من أموال دافع الضرائب ٦٠٠ ترليون دولار لإنقاذ الشركات الرأسمالية الخاسرة والمفلسة والبنوك، فانهدم النظام الرأسمالى التقليدى والدولة تدخلت وأصبح تدخل الدولة فى الاقتصاد مسألة ضرورية، والسؤال الذى لم يجب عنه حتى الآن، إلى أى مدى تدخل الدولة أصبح حتميا، ومن هنا جاء منطق الدولة التنموية وليس غريبا عن التطور العالمى تدخل الدولة، والذى أصبح أساسيا.


الأمر الثالث والهام «الديمقراطية النيابية»، بمعنى انتخابات نواب يمثلون الشعب وصلت إلى منتهاها فى العالم الرابع، من الخبرات العملية هؤلاء النواب يخدمون مصالهم الخاصة والطبقية، ولا يخدمون مصالح الشعب ولتأكيد على هذا هناك عالم استرالى اسمه «استرلى»، أصدر كتابا ٢٠١٥ بعنوان «نهاية الديمقراطية التمثيلية والنيابية»، ونشأت صيغة جديدة اسمها «ديمقراطية المشاركة»، المشاركة تجعل القوى الحية فى الأمة تشارك فى صنع القرار التنموى، بمعنى مشاركة النقابات العمالية والنيابية ومراكز الابحاث والخبراء، وتستفيد من الخبرات الثرية ولدينا خبراء على مستوى عالٍ فى كل ميدان ولا يستطيع أحدهم دخول مجلس النواب، والرئيس السيسى عندما أراد مشاركتهم فى القرار السيسى أنشأء لجانا استشارية، وجاء بقامات عالية لسماع رأيهم، ونحن نريد لهؤلاء تمثيلهم بشىء منظم، إذن فنحن نتحدث عن النخبة الثقافية والسياسية لم تدرس كما ينبغى التغيرات العالمية ولا تعرف قيمتها، هذه هى القضية.


والمشكلة كالآتى: بقيام ثورة ٢٥ يناير انتهت قصة التحول الديمقراطى، هذه العبارة قد تبدو عبارة صادمة، بمعنى أن تحاول الاصلاح ببطء وبالتدريج كما فعل مبارك، عندما غير الجمهورية من الاستفتاء إلى الانتخاب المباشر، فالثورة معنها انقلاب على هذا المبدأ الإصلاحى، الثورة معنها تغيرٌ جذرى للأوضاع، وتقتضى ما نسميه التجدد المؤسسى، مؤسسات جديدة تعبر حقيقة عن أصوات الشعب التى لم تمثل، من هنا اتحدث عن أهمية تجدد أطراف العملية السياسية والنظام السياسى بأكمله وبالتالى لابد من تغير الأحزاب، المنظمات المجتمع المدنى، والمثقفين والنخبة السياسية خلال العامين.


كيف ترى التعامل مع المعارضة فى ظل حكم الرئيس السيسى؟


المعارضة مطلوبة فى أى نظام لكن المعارضة لها أساس وأسس، وفى بلد مثل فرنسا ليس فيها دولة تنموية ولكن فيها دولة ديمقراطية تقليدية، الأحزاب هناك لديها برامج تنموية والناخبون ينتخبون اعضاء الحزب بناءً على البرنامج سواء اشتراكيا أو يمينيا، المعارضة لها وظيفة حتى فى النظم التلقيدية، والمعارضة لدينا فى مصر حتى فى ديمقراطية المشاركة لها وظيفة كبرى، وهى القراءة النقدية لخطط الدولة التنموية، لأن ليس كل خططها على صواب، ومن المؤكد أنها بها سلبيات وأخطاء، وتتبنى رؤية نقدية وليست رؤية سياسية، كل هذا وارد، وأنا مهمتى كمعارضة أن أقرأ خطط الدولة قراءة نقدية وأن أقدم السياسيات والحلول البديلة التى يمكن تنفيذها على أرض الواقع.


البعض يرى أن هناك الكيل بمكيالين فيما يتعلق بقانون التظاهر؟


أنا لا أتحدث عن التطبيق وإنما أتحدث عن القانون، فى كل دولة قانون وأنا ضد الكيل بمكيالين، وادعو لتطبيق القانون وأدعو إلى تعديل القانون فيما يتعلق بتخفيف العقوبات واعتقد أن العقوبات مبالغ فيها، إنما القانون ينبغى أن يبقى، لأنه لو تم إلغاء القانون سنعود إلى عصر الفوضى التى سادت فى الفترة الانتقالية، ففى ثورة ٢٥ يناير اختلطت الثورة بالفوضى، وكل مجموعة غوغائية يقومون بمظاهرة، وعلينا أن نعترف أن هناك أطرافا مهمتها إثارة الفوضى، لا يشاركون بشىء وليس لديم أفكار إيجابية لحل المشاكل وليس لديهم أى مقترحات لمساعدة الدولة التنموية، هذه هى القضية، ولابد من المشاركة بفكر نقدى وسياسة بديلة قابلة لتنفيذ هذا هو المطلوب.


من وجهة نظرك ما نسبة ما حققه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى مشروع الدولة التنموية التى تحدثت عنها؟


المسألة ليست بنسبة مئوية، الدولة التنموية تقوم بدروها كاملةً، وباقى الأطراف السياسية لم تقم بأى شىء حتى الآن.


أبرز التحديات والعقبات التى واجهت الرئيس السيسى خلال عامين؟


أبرز التحديات تتمثل فى تجدد الأطراف السياسية الذين يتحدثون ولا يفعلون شيئًا، كما تحدث هو من قبل «لا أستطيع العمل بمفردى»، أيضًا هناك سلبية لدى الشعب المصرى كراهية العمل ومطالب الحقوق بلا عمل، فى الدول الآسيوية أراد الباحثون الغربيون معرفة لماذا نمت وبسرعة، اكتشفوا ما يسمى «القيم الآسيوية»، والتى تتمثل فى «عبادة العمل، ونحن لدينا عبادة الكسل والتهرب من العمل»، لابد من العمل، وهناك شركات خاسرة وتطالب بأرباح، قد يكون هناك عيوب فى الإدارة أو تجديد فى خطوط الإنتاج، وهنا على الدولة التنموية تجديد الإدارة وخطوط العمل، وتعطى لكل ذى حق حقه، إنما ثقافة الحصول على المزايا بلا عمل، وهذا أخطر شىء، ومن الناحية الاجتماعية والثقافية على الدولة التنموية لابد من تغير اتجاهات المواطنين، ولا يمكن تغيرها إلا إذا اعطيت فرصة للتعليم والتدريب الجيد، فالتعليم منهار، وأنت بحاجة إلى ثورة تعليمية، شعارها «التعليم مدى الحياة»، وأن يكون هناك برنامج تدريبى للقوى العاملة، كذلك برنامج قومى للتشغيل للقضاء على البطالة خاصةً بطالة الشباب المتعلم وكلها بحاجة إلى أفكار خلاقة، والدولة وحدها لا تستطيع أن تقدم كل هذه الحلول ويجب على كل القوى الحية أن تشارك فى حل كل هذه المشكلات.


لكن ماذا تم خلال العامين الماضيين؟


هناك ما يسمى الأولويات فمثلًا كان لابد من القضاء على مشكلة انقطاع الكهرباء والتى انتهت بالفعل، أيضًا مشكلة الانفلات الأمنى تم القضاء عليها تمامًا، وكانت هناك طوابير على العيش وانتهت بمنظومة الخبز، هذا بخلاف المشروعات القومية التى تستوعب عددا من العمالة وهذا جزء من حل مشكلة البطالة، هذا بخلاف مشروع المليون ونصف فدان، وليس هناك ما يسمى مشروعات قومية مفرغة من التشغيل، وهذه مجرد بداية وفى خلال العامين واجهت التنمية مشكلات حقيقية وتخريبا داخليا وخارجيا.


لكن ماذا عن الشباب والرئيس؟


الشباب شريحة سنية، فعزل الشباب عن المجتمع ليس له قمية ولا ينبغى، وبعد الثورة قيل «تمكين الشباب»، لأن كيف التمكين، ان تعينهم مساعدين وزراء وقد حدث هذا لكن على أى أساس تم، وهذا الحديث غريب جدًا، أى وظيفة صفاتها أن يكون لها خبرة معينة ومؤهلات، لذلك هذه الدعوة غوغائية، وذلك لان الشباب صوتهم عال، والرئيس السيسى حولها إلى مشروع علمى، عن طريق برنامج تدريبى بناء على تدريب ومقابلات واختيار أفضل العناصر وهو «برنامج التأهيل الرئاسى»، هذا هو التمكين وليس بشكل عام، فالتمكين إذن معناه التعليم والتدريب.


مصر خارجيًا كيف تراها خلال عامين؟


السياسة الخارجية اصبحت مشكلة عالمية وليست مشكلة مصرية، لأن المجتمع المعاصر فى ظل العولمة وثورة الاتصالات والانترنت أصبح يسمى»التصارع والتدفق»، الزمن العالمى أصبح أكثر سرعة، لأن العالم الأول ترأسه أمريكا والعالم الثانى يترأسه الاتحاد السوفيتى، ويحكمه النووى، فالاوراق كانت معروفة، وعندما انهار الاتحاد السوفيتى وانفرد الامريكان بالعالم أصبحت هناك مشكلة، ومع ثورة الاتصالات والانترنت يتسم الزمن العالمى بالتصارع والتدفق السريع للاحداث وأصبحت مهمة صانع القرار فى أى بلد بالغة الصعوبة، فمثلًا روسيا دخلت سوريا، فصانع القرار فى أمريكا يفكر ماذا يفعل، أحداث تتوالى فى سوريا وغيرها، وأصبح اتخاذ القرار أصعب ما يمكن، لأن الخرائط القديمة تمزقت والحدود القديمة اختفت، وانهارت دول عربية، ليبيا واليمن وسوريا والعراق والسودان، والنظام العربى انهار، أنت فى مواجهة انهيار دول، ومن هنا مهمة مصر الأساسية فى السياسة الخارجية أن تقود مشروعا استراتيجيا هدفه استرداد الدول العربية التى انهارت، هل نستطيع ذلك لأن معظم الدولة المنهارة مجتمع قبلى، فهل نستطيع كعالم عربى نسترد الدولة التى انهارت، المهمة صعبة وهى المهة الكبرى، وهل نستيطع إعادة تكامل الدول الوطنية، ومصر لها دور أساسى فى هذه القضية، بأن تجمع مجموعة من الدول العربية من حولها عن طريق المباحثات والمشاروات والمساعدات على لمّ الشمل، والقضية عالمية، و»صانع القرار» سواء عربيا أو مصريا يجد صعوبة بالغة فى اتخاذ القرار لأن نمط التحالفات يتغير بسرعة خارقة، فهذا المشروع الاستراتيجى سوف يتفرغ له الرئيس السيسى خلال العامين المقبلين، وأتصور أنه إحدى الاولويات الرئيسية.