لمصر لا للرئيس

01/06/2016 - 10:58:05

بقلم - رجائى عطية

هذه السطور لحساب مصر وإن بدا فى بعضها تنويه بدور أو بعطاء الرئيس، فإلى مصر حاضرها ومستقبلها قصدت، وهى المرام وهى الغاية، وقد استحضر هذا الخاطر ما كنا فيه وإلى عهد قريب، وما مررنا به لنجتازه، وماذا عسانا نكون قد حققناه، أو قصرت جهودنا أو لم يسعف الوقت لإنجازه أو لإتمام إنجازه.


من عشر سنوات على الأقل، سابقة على يناير ٢٠١١، عانينا طويلًا من فساد تشعبت سبله وتنوعت وسائله، وفاحت رائحته، وانصرفت آليات الحكم والمباركين من حوله لتوطئة السبيل وتمهيد الطريق لوريث يعيد مصر إلى الملكية التى ثرنا عليها وأسقطناها من نيف وستين عامًا، وتعاقب هذا العبثً حتى طال الدستور نفسه، بتعديلات ضريرة جرت عليه فى سنتى ٢٠٠٥، ٢٠٠٧، لتهيئة المسرح لتمرير التوريث المراد تمريره تحت عنوان محتال مخادع، وصارت الشرعية مظهرًا لا مخبر، تعنى بالواجهة واللعب فيها ومن خلفها على قدم وساق، ولم يعد الأمن يعنى سوى أمن القائمين على النظام، أيًّا كان القسر أو القمع أو الإرغام، وساد الشطح وأفرطت الاعتقالات، وصارت مصر «رهينة» فى قبضة المسيطرين الراغبين فى المزيد من كل شىء، وضاقت الصدور حتى بلغت القلوب الحناجر!


كانت هذه الصورة القاتمة، والاحتقان الذى شمل مصر والمصريين، هما سبب الترحيب الشعبى الهائل بانتفاضة يناير ٢٠١١، فلم يكن هذا الترحيب لحزب أو لفصيل أو لزعامات، فلم يكن للشباب الذين خرجوا كيان أو زعامات، وإنما هى رغبة المصريين فى الخلاص مما كنا فيه، إلاَّ أنه سرعان ما سُرِقَتْ الانتفاضة وركب المسرح من أعدوا بليل لاغتنام الفرصة والوثوب على أقدار مصر، وقد وجدوا الفرصة فى حلول الفوضى محلً الانتفاضة، وإنهيار النظام العام، فإذا بالانتهازية تركب الموجة، وإذا بالإخوان وحماس يأخذون مصر بعيدًا ليكون حالها كحال المستجير من الرمضاء بالنار!


الوثوب إلى الحكم


وهدم البناء الدستورى


والعصف بكل مبادئ الشرعية


استطاع الإخوان فى قصة طويلة تناولتها سلفًا بتفصيلاتها، قوامها ضغوط الفوضى المدبرة والمظاهرات المصطنعة، واقتحام السجون وإطلاق المساجين وتجنيد الموالين، ومهاجمة مقارات أمن الدولة ومراكز وأقسام الشرطة، وممارسة الذبح والسحل والتحريق، وحصار وحرق دور المحاكم، وإشعال الفتنة الطائفية، وإصطناع البلاغات الكاذبة للترويع والترهيب، إلى غير ذلك من الأساليب المتشعبة ـ استطاعوا أن يفرضوا تقديم الانتخابات البرلمانية على وضع الدستور، وأن يفرضوا نظام القوائم الحزبية المغلقة التى تسببت مرتين فى حل مجلس الشعب للإخلال بحقوق المستقلين وبالمساواة الدستورية، وأن يتوصلوا فى تفصيل لا يتسع له المجال ـ لتمييز أنفسهم بالجمع بين القوائم والمقاعد الفردية، فى إخلال خطير بكل مبادئ المساواة ـ حيث استطاعوا بكل ذلك وغيره من الحيل والضغوط، أن يثبوا ومعهم السلفيين للسيطرة على البرلمان بمجلسيه، وليمارسوا سلسلة مفزعة من هدم كل المبادئ الدستورية والشرعية بممارسات سوداء خرجت عن كل التقاليد البرلمانية وعن المبادئ الدستورية والشرعية، ولوثت وجه البرلمان المصرى العريق، وأضرت بمصر أبلغ الضرر!


وكان من الفوضى الضاربة التى اصطنعوها فى كل شىء، ضرب المحكمة الدستورية العليا ذاتها بالحصار وغيره من سُبل التآمر، لإعاقتها عن التصدى لسلسلة الإهدارات التى سعوا بها إلى تدمير بناء مصر الدستورى وأخونة البلاد.. قانون العزل السياسى، ومحاولة إلغاء المرجعية الإسلامية الأولى للأزهر الشريف، وتغيير نظام انتخاب إمامه الأكبر ليستقيم لهم الدفع بالمراد، وعزل النائب العام قوةً واقتدارا، وإعداد مشروع ضليل لتفريغ القضاء من خبراته توطئة لأخونته وشغله بمن طفقوا يدبرون لضمهم وإدراجهم فيه، وأخونة الصحافة بالإطاحة بالكفاءات والدفع بالأهل والعشيرة، ولا بأس من بعض الموالين، والسيطرة الضريرة على تشكيل الجمعية التأسيسية بأخطاء فادحة أدت إلى الحكم ببطلان تشكيلها، فلم يثنهم ذلك الحكم القضائى فعاودوا المحاولة بتشكيل آخر معيب وممنهج للجمعية، بترك الكفاءات وتجنيد الأهل والعشيرة ليتمالأوا لوضع دستور يحقق للإخوان مآربهم فى مصر إلى آخر الزمان!


حتى إذا ما دفعوا إلى رئاسة مصر بخيالٍ لا يصلح إلاَّ للصدوع لأوامر مكتب الإرشاد، زينوا له أو دفعوه للاعتراض الضرير على حكمى المحكمة الدستورية العليا فى ١٤/٦/٢٠١٢ بعدم دستورية قانون العزل السياسى، وبطلان تشكيل مجلس الشعب منذ البداية بالتعديلات غير الدستورية التى فرضوها لتشكيله بلا فهم، ورغم التحذير، ثم زينوا له ـ للخيال ـ أو دفعوه للاعتراض الضرير على حكمى الدستورية بإجراءات عبثية جمعت بين الجهل والاستقواء، وأخفقت فى النهاية إخفاقًا ذريعًا، وإذا بهم لا يتعظون بل يزينون له أو يدفعوه إلى كارثة أخرى بإعلان دستورى صدر فى أغسطس ٢٠١٢ بقرار جمهورى صارخ الجهل والبطلان، ليجمع رئيس الإخوان فى يده بين السلطتين التنفيذية والتشريعية معًا فى سابقة غير مسبوقة فى العالم، وليعطى لنفسه بنفسه سلطات خطيرة بالغة الاتساع والجموح، ليفعل ما يشاء، فيتساند إليها ليعزل النائب العام، ولتغيير صيغة اليمين المقررة من عشرات السنين للمناصب الرئيسية الكبرى باحترام الدستور والقانون، وبالولاء للدولة ولمصالح البلاد، إلى صيغة وشكل يماثلان القسم بالبيعة والولاء الذى يؤديه الإخوان لقيادة الجماعة، أما القرارات الجمهورية التسعة بالعفو والعفو الشامل عن الأهل والعشيرة والموالين، ومنهم المحكوم عليه بالإعدام فى جرائم قتل وأمن دولة، ارتدوا على الدولة والشعب وأداروا المذابح والمجازر بدءًا من مجزرة رفح الأولى، وهذه قصة طويلة لا يتسع لها هذا الحيز، وأحيل على ما كتبته فيها بمقالاتٍ عن الفوضى وتوابعها!


أنا ربكم الأعلى؟!


عاود مكتب الإرشاد فزين للخيال، أو دفع إليه ـ بإقرار رجلهم «محمد فؤاد جاد الله»، بإعلان دستورى ثانٍ أرسل مكتوبًا إلى الاتحادية، وصدر به ـ فى ٢١ نوفمبر ٢٠١٢ـ قرار جمهورى آخر صارخ الجهالة والبطلان، حاملًا ثلاث كوارث لا سابقة له فى البر والبحر، خلاصتها: «أنا ربكم الأعلى»، أولاها تحصين جميع قراراته لتكون «همايونيات» لا تخضع لأى طريقة من طرق الطعن، خلافًا لكل المبادئ الدستورية والمنطقية، أما الكارثتان الثانية والثالثة فى ذلك الإعلان الهمجى الباطل، فتحصين مجلس الشورى الواجب لحاقه لزومًا بمجلس الشعب لاتحاد العلة، والجمعية التأسيسية المشوبة ببطلان لا دواء له!


أما خطابه العجيب الذى تمسح فيه بالشرعية، عشية إنتهاء المهلة العادلة الحكيمة لإجابة طلبات الشعب الثائر على ما لحق به وببلده، لإجراء انتخابات رئاسية عاجلة تتيح للوطن، فى تعبير مشروع، أن يعلن عن إرادته فيمن يحكمه لفترة قادمة، فقد أحصيت على فترة حكمه عشرين مأخذًا خاصم فيها الشرعية، فى مقال نشرته فى جريدة التحرير فى ٧/٧/٢٠١٣، وأعيد نشره فى المجلد / ٧ من كتاب «من تراب الطريق» لمن يحب الرجوع إليها!


انبلاج الفجر


كان لابد من هذه الإشارة الموجزة لما كنا نعانيه قبل يناير ٢٠١١، وما صرنا نكابده ـ بعده ـ على يد الإخوان، حتى انتفض الشعب فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ليزيح هذا الكابوس ويرفع الغمة!!!


لا يستطيع مكابر أن ينكر أن أكثر من ثلاثين مليون مصرى خرجوا ـ ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ـ فى ثورة غير مسبوقة فى التاريخ الإنسانى، ولا يستطيع منصف أن يكابر فى أن القوات المسلحة حمت ثورة الشعب فى ذلك اليوم وما تلاه، وأنها لم تفعل ذلك لتثب هى إلى السلطة، وإنما قدمت نموذجًا رائعًا للشرعية وللمسئولية، فيما جرى عليه اتفاق القوى الوطنية التى مثلت فى اجتماع ٣ يوليو ٢٠١٣، وقد تسلم السلطة رئيس المحكمة الدستورية ليحكم البلاد بلا أى تدخل من القوات المسلحة أو من قائدها العام الذى اتسعت شعبيته إلى مساحة هائلة تشهد للشعب المصرى بوعيه وفهمه وإدراكه للدور الحيوى الذى أداه القائد العام عبد الفتاح السيسى، وحمى به الثورة الشعبية، والبلاد، وصان مصر لتستأنف مسيرتها فى الاتجاه الصحيح الذى عرضه الإخوان لأفدح المخاطر والأضرار!!


التركة الثقيلة


وحقول الألغام والصواريخ عابرة الحدود والقارات!


ترك الإخوان تركة ثقيلة، فالأزمة الاقتصادية الطاحنة ازدادت سوءًا، وسبل المعيشة ازدادت ضيقًا وضنكًا، وطائر النهضة استبان أنه مهيض، وسبل العيش والسلع شحيحة، والسيارات بالطوابير الطويلة أمام محطات الوقود الذى قدمت فيه حكومة الإخوان احتياجات غزة على مصر، أما الكهرباء فقد باتت أم المشاكل، تنقطع يوميًّا أكثر من عشرين مرة، وفى مواعيد غير منتظمة وغير معروفة، والضربات الإرهابية تتوالى لتدمير أبراج الكهرباء والضغط العالى، والمصانع والمشروعات متوقفة، والتخوين حَلَّ فى ربوع الكنانة محل تقاليدها وقيمها العريقة، ومحاولات هدم القضاء والدستورية العليا وأخونة الصحافة وكثيرٍ من الهيئات والمرافق العامة قد تركت جراحًا وندوبًا تحتاج إلى إسعاف وعلاجات وإلى طرق للاقتراب الرشيد منها، والأمن يعانى من الضربات المتتالية التى نالت منه، والإعلام أضيفت إلى أسقامه عبثيات الأخونة، إلى توظيف رؤوس أموال قادمة عبر الحدود للاستيلاء والسيطرة على قنواته، وتحويل بوصلته عن دوره الواجب فى دعم مصر للخروج من وهدة ما هى فيه، ومعضلات القضايا التى كانت قد تفجرت لمساءلة من ضل من رموز النظام السابق على يناير ٢٠١١، والقضايا المستجدة التى تدفقت من إرهاب الإخوان الذى طرح على المصريين خيارًا غريبًا: «إما نحكمكم، أو نقتلكم!».. ولم يكن ذلك محض تهديد وكفى، وإنما اقترن بإشعال الحرائق وإدارة المذابح والهلاك، فلا يمضى يومٌ إلاَّ ويهلك مدنيون عزل، وضباط وجنود شرطة، أما الجيش فقد أعلنت عليه حربٌ حقيقية فى سيناء، وانضم الدواعش ومن جرى مجراهم إلى عمليات الإخوان، وإلى الاغتيالات المرتبة والعشوائية، لينضب معين الخير فى مصر، ولا تكاد السياحة تشم بعض أنفاسها لتعوض الفاقد فى كل المجالات، حتى يعاجلها فرقاء الشر بالضربات التى ما تكاد تنحسر بعض آثارها حتى يلاحقوها بضرباتٍ وتفجيراتٍ أخرى، ومع الدور الطيب الذى نهض به الرئيس المؤقت وحفظ به التوازن، إلاَّ أن الظروف لم تكن تتسع لعلاج جذرى لتلال هذه المعضلات التى ضربت مصر فى كل مجال!


ولم تقتصر التحديات على حقول الألغام المتفجرة بداخل البلاد، بل أتتها صواريخ عبر الحدود، من الجوار ومن بعيد، وأتتها صواريخ عابرة للقارات، تحركها أجندة غير مجهولة لضرب مصر وإعاقتها عن النهوض، وتحفزها صدمة تقويض المشروع الذى جرى مقايضته مع الإخوان، وتعلقت به إستراتيجية القطب والدائرين فى فلكه، وجعلت دول وهيئات دولية تجرى فى هذا الفلك ضد مصر، وتنتهز أى فرصة للهجوم على نظامها وإعاقة حركته وعلاقاته الدولية والإقليمية، وفرصه فى الإصلاح والبناء والتعمير.


تعلق القلوب وتلبية النداء


ومنذ ٣٠ يونيه ٢٠١٣، وقلوب المصريين وآمالهم معلقة بالسيسى، الذى خاطر بحياته وحمى ثورتهم الشعبية، وخاطر فى وقفته الصلدة بمنصبه الرفيع وبحياته ذاتها، فبادلوا وطنيته الخالصة بحب جارف، وثقة متينة، وشعبية هائلة، أعطته إجماعًا منقطع النظير، بلغ ٩٧٪ من الأصوات الصحيحة فى انتخابات رئاسية حقيقية وغير مسبوقة.


إرادة ماضية وهمة صادقة


ومنذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى المسئولية فى ٨ يونيو ٢٠١٤، وأنا أتابع على البعد، وقلبى واجف على مصر، ومشفق عليه من عظم تلال المسئولية التى تنتظره. بالقطع كان محسوبًا له عندى ولدى غيرى، رصيد ما أداه حتى أزحنا الكابوس، ولكن لرئاسة مصر أعباء أخرى تستلزم الرؤية البعيدة والقريبة، والإحاطة الشاملة بالمشاكل والقضايا والمعضلات، وبسبل الاقتراب من كل منها ومواجهتها وحلها وعلاجها، ووسط تيارات مضادة ومعاكسة، من الداخل ومن الخارج.


على أنه رغم هذه الصعاب والتيارات المضادة، سرعان ما بدأ الإحساس بالأمان يتسع رويدًا رويدًا مع ترصد ومحاصرة وضرب منابع وتنظيمات الإرهاب، فى سيناء وفى عموم مصر، وطفقت الرحلات المكوكية وإدارة العلاقات المصرية العربية تأتى بمردود إيجابى ملحوظ فى كافة المجالات الاقتصادية وغيرها، وامتد هذا التحرك الواعى إلى الدول المهمة وإبرام الاتفاقات معها، والسعى الحثيث لتجاوز الأزمة الاقتصادية، وإنعاش الاقتصاد الذى طال أنينه، وانعكست جدية ومضاء الأداء وتزايد الثقة فى انحسار موجات الهجوم الآتى عبر الحدود، وفى مدة وجيزة اختفت طوابير الانتظار الطويلة أمام محطات الوقود، وتراجعت الأزمات التموينية، وإذا بمرات انقطاع التيار الكهربائى تتناقص تباعًا حتى اختفت تمامًا فى نحو عام، وإذ بالطفرة الهائلة التى حدثت وتحدث فى قطاع الكهرباء تشهد للوزير العالم الهمام، وبمتابعة مستمرة من الرئيس، وإذ بأخبار الاتجاه إلى الطاقة الشمسية تترى، وإذا بأنباء المحطة الذرية بالضبعة تحمل البشارة باتفاق متميز فى الإنجاز وفى أسلوب ومواعيد السداد.


قناة السويس


ولم يمض شهران حتى كان من حظى أن أشاهد على ضفة القناة فى أغسطس ٢٠١٤ ـ بداية العبور الثانى فى احتفالية إطلاق شرارة مشروع مصر القومى لقناة السويس، لحفر قناة موازية لمسافة ٣٥ كم لتحقيق إزدواجية المرور، وتطوير الأعماق بالقناة إلى غاطس ٦٦ قدمًا، ومشروع آخر عملاق لتنمية منطقة القناة، وفى أيام وبالروح التى انبعثت فى المصريين، تسابقوا فى التمويل حتى لا تحفر القناة الموازية إلاَّ بأموال مصرية مع السواعد المصرية، وإذ بالإرادة المصرية تحقق بهذا الزخم توفير التمويل فى أسبوع، حتى إذا ما انصرم العام ـ فرحت مصر فى أغسطس ٢٠١٥ بإنجاز القناة الموازية، وانفتاح الآفاق ـ بالإرادة المصرية ـ لتنمية منطقة القناة بخطط تفصيلية طموحة ودقيقة، محوطة بإرادة مصرية صارت بعثًا جديدًا أذهل الصديق وأقض العدو!


تسليح القوات المسلحة


كانت ظروف مصر ولا تزال، تستوجب أن يكون لها درع وسيف، للدفاع عن أمنها القومى، وعن حدودها البرية ومياهها الإقليمية وفضائها الجوى.. وقد أتيح لى شخصيًّا أن أكون ضابطًا عاملًا فى قلب القوات المسلحة من سبتمبر ١٩٥٩، وشاهدت انتصاراتها وانكساراتها، ولكنها كانت فى كل الأحوال ـ الفدائية القديرة الصامدة، وقد رأيت رحلة إعادة البناء والتسليح والتنظيم بعد نكسة ١٩٦٧، وحضرت عمليات أكتوبر ١٩٧٣، ونصرها العظيم، وبهرنى حين دعيت بعد ثلاثين عامًا من رحيلى عنها إلى مناورة بدهشور ـ بهرنى وهالنى فروق تصاعد التسليح والتنظيم الذى رأيته واقعًا ناصعًا أمامى، وأحسست بالفخر والثقة، ولما تمضى على ولاية الرئيس شهور ـ حتى طالعتنى أنباء صفقة الطائرات «رافال» وحاملتى الطائرات المروحية «ميسترال» الفرنسية، وصفقة «الغواصات دولفين» الألمانية، وسفن الصواريخ والطـائرات الميج والسوخوى ومنظومة الصواريخ المضـادة للدبابـات من طـراز «كورنيت»، وصفقات التسليح المتوالية مع روسيا، واستمرار الإمدادات التعويضية لقطع الغيار والصيانة مع الولايات المتحدة للأسلحة الأمريكية التى بدأ الإمداد بها فى أعقاب أكتوبر ١٩٧٣، ولأعيش وأرى القوات المصرية المسلحة تزداد قوة وتدخل بين أقوى خمسة جيوش فى العالم، وتمثل درعًا حاميًا لمصر يذود ويدفع عنها أطماع الطامعين، وتحمى قواتها الجوية سماءها، وقواتها البحرية شواطئها ومياهها الإقليمية وحقول الغاز البحرية الواعدة فى مياهنا الإقليمية بالبحر الأبيض، وتؤمن مضيق باب المندب وشواطئ البحر الأحمر، وتفرض الاحترام الواجب لمصر أم الدنيا حقيقةً وفعلًا.


مشروعات العمار


فى ربوع مصر وفى كل اتجاه


تابعت ولازلت أتابع، مشاريع إنشاء المدن البديلة، ومحطات الكهرباء وتقوية الربط مع الأردن ومع سوريا ولبنان، والاتفاق المصرى الكورى لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية بخامات مصرية، وحفر الأبيار والسحارات والأنفاق أسفل قناة السويس لتهيئة الأسباب والسبل لتعمير سيناء لتغليق وتجفيف منابع الإرهاب وتأمين حدودنا الشرقية، وشبكة الطرق الضخمة التى صارت تملأ ربوع مصر لخدمة التنمية، والأنفاق والكبارى فى محافظات قنا والمنيا وأسوان والبحر الأحمر والسخنة وغيرها، وعند التقاطعات المرورية الهامة، وخطط تطوير محافظات القناة الثلاث: الإسماعيلية وبور سعيد والسويس، ومشروع طريق ومدينة الجلالة المضاف إلى قائمة المشروعات القومية، ومشروعات الثروة السمكية، وتخطيط وخطوات مشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان ـ بالمياه الجوفية ـ بكل من الفرافرة القديمة، والفرافرة الجديدة، والداخلة، وبقرية الأمل بتوشكى، ومنطقة غرب كوم أمبو، والمغرة، وغرب المنيا، ومنطقة الطور بجنوب سيناء، مع رعاية تنظيم الاستفادة من المياه الجوفية، وزراعة المحاصيل الاقتصادية، وإقامة العديد من الصناعات المرتبطة، ومشروعات الصعيد وجنوب الوادى، والإعداد للاعتماد فى المستقبل على الطاقة الشمسية كأحد موارد الطاقة المتجددة النظيفة، والمضى لتنمية الساحل الشمالى الغربى واستصلاح الأراضى فى جنوبه بالاعتماد على المياه الجوفية وعلى الأمطار التى كان الرومان قد أقاموا لها أحواضًا لملئها والحفاظ عليها واستعمالها، مع شبكة الطرق التى تمثل شرايين التنمية والتى صارت تربط بين محور منخفض القطارة من طريق القاهرة الإسكندرية، ووصلات رأس الحكمة، والبرقان، والعلمين، والضبعة، وفوكه، بالإضافة إلى المحاور العرضية: محور البهنسا، والواحات البحرية، وسيوة، وجغبوب عند الحدود الليبية، وأسيوط، والعزازى، وعين دلة، والعناية بالسياحة العلاجية فى رمال ومياه سيوة، والمشاريع التى نفذتها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مع وزارات الإسكان والاتصالات والشباب والرياضة، والمستشفيات والمراكز العلاجية بالدقهلية وقنا وأسيوط ورأس غارب، ومستشفى طنطا العالمية التعليمية، ومجمع الجلاء الطبى، ومجموعة مشروعات الأسمدة والأثاثات وغيرها بمحافظة دمياط، وأخيرًا وليس آخرًا الفوز بعضوية مجلس الأمن فى المقعد غير الدائم، ليكون إسهامًا وتعبيرًا عن وزن مصر العالمى والإقليمى.


وحاصل ذلك، والحديث فى هذا يطول، أن مصر أرادت بقيادة السيسى واستطاعت، وأن مصر جديرة بالمصريين، وهم جديرون بها، وهى كنانة الله فى أرضه، تمضى بعزم وثبات، وترتفع راياتها حين تتاح لها القيادة الحكيمة التى تخلص لها وتسخر نفسها للنهوض بواجباتها.


تربص متوقع


ونكير غريب وغير مقبول!


على أنه من المتوقع أن تضيق بهذا الإنجاز صدور من يتربصون بمصر، ويحيكون لها بشتى السبل الحيل والأساليب، وقد تعرضت مصر على مدى تاريخها للحصار وللغزو، فهى مستهدفة لموقعها الحاكم وتأثيرها فى منطقتها، ولكنها ردت كل عدوان بعزيمة شعبها وإرادته. وقد استجد من أسباب التهجم عليها أنها أفشلت ما يسمى بالربيع العربى.. المخطط الذى استهدف ضرب المنطقة العربية وبلقنتها إلى أجزاء وعصبيات وطائفيات، وأوقفت زحفًا أمل فيه مدبروه، وعصفت بالمقايضات التى دبرت مع الإخوان، ولذلك فليس غريبًا تصاعد وتيرة الهجوم على مصر منذ يونيو ٢٠١٣، واصطناع الأسباب لضرب مسيرتها، وانتحال ازدواجية المعايير لتبرير التهجم على نظامها الذى حررها من الكابوس المدبر لها، فإذا أُسقطت طائرة روسية فالمشكلة فى مطار شرم الشيخ المصرى، ولتسارع دولة كبريطانيا للجزم بذلك وأثناء زيارة الرئيس المصرى لها ومن قبل التحقيق والتحقق، فإذا اختفت أو انفجرت طائرة مصرية فالمشكلة فيها لا فى المطار الفرنسى الذى طارت منه، وتتزيد من تدعى أن قائد الطائرة انتحر، وكأن السبل قد ضاقت به فلم يجد وسيلة للانتحار إلاّ أن يهوى بطائرته بمن تحملهم، دون أن تفسر القناة المشبوهة هذا الخيال المريض بأى تفسير تقبله العقول.


على أن هذا وغيره من الحيل ومبررات الضرب فى النظام المصرى الذى ضاقت له صدور، ليس غريبًا على الدول التى تصطنعه سعيًا وراء مآربها وأغراضها فى إعاقة مصر.


ومن يراقب هذه الموجات العدائية، يرى بوضوح أنها جعلت تنحسر موجةً وراء أخرى، وأن مضى المسيرة وما تنجزه إنجازًا وراء آخر، يتكفل برد هذه السهام المسمومة!


على أنه المؤسف أن يعلو هنا وهناك فى بلادنا، ومن وقت لآخر، نكير غريب صادر من البعض منّا، ومن الواجب علينا أن نمتلك شجاعة الإقرار بأن ما يجرى منّا فينا مصاب فى بعض الأحيان بعوار وحَوَلٍ يقتضى التنبيه والتفطن. لا يدعى أحد ولا يمكن أن يدعى أنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان، وظنى مما يبديه السيد الرئيس نفسه أنه غير راضٍ أو غير مكتفٍ بما تم إنجازه حتى الآن، ولكن الذى يسترعى الانتباه اصطناع الأسباب للنقد أو للتهجم بغير سبب وبلا منطق!


استهداف الرئيس!


ويبدو من التعلاّت المصطنعة أن السيد الرئيس مستهدف فى المقام الأول، والرجل صابر على ما يلاقيه افتئاتًا وتجاهلًا لما يستحق عليه التقدير على الأقل، وقد بدا لى أن من يصطنعون التحرش برئيس مصر، وافتعال أى أسباب للتهجم، أنهم لا يتفطنون ـ أو يتجاهلون! ـ أن كل العمليات الشريرة ما بين كارثة الطائرة الروسية ومقتل الباحث الإيطالى ريجينى وسقوط الطائرة المصرية التى طارت من باريس، يجمع بينها أنها تستهدف إلى جانب مصر ـ الدول التى على علاقات طيبة معها : روسيا، إيطاليا، فرنسا.. لتكون الضربة مزدوجة، والحصار ثريًّا، ومع ذلك يزيد المتنطعون الطين بلّة، فيضيفوا إلى جرائم محور الشر، جرائم أخرى فى حق مصر!، وإذ بالبعض يتجاوز ذلك وغيره إلى التطاول ومفارقة الأدب الذى ربط دومًا على سلوك أبناء الكنانة، وإذْ بالأسباب المصطنعة تنضح بأن وراءها تخطيط وتدبير، وأن هناك خفافيش ترتع، لا للنقد وهو مطلوب لتصحيح ما عساه يحتاج إلى مراجعة وتصحيح، وإنما للضرب المغرض تحت الحزام، وإقحام السيد الرئيس شخصيًّا على كل موضوع، فى نغمة لا يفوت مغزاها، وكيف يفوت وقد جعلت تفصح عما تستهدفه من إسقاط كل شىء وإسقاط الدولة.


خذ أحكام القضاء مثلًا.. إنها بداهةً ليست مسئولية الرئيس ولا السلطة التنفيذية بأسرها، بل ولا مسئولية رئاسة السلطة القضائية، وإنما هى مسئولية القاضى الذى حكم، وهو المسئول عن حكمه أمام الله والقانون، ولا يجوز لأحد ولا لسلطة التدخل فى حكمه، لا بالسلب ولا بالإيجاب، سواء بالبراءة أو بالإدانة أو بعيار ونوع العقوبة، وقد يحدث أن يجانب التوفيق حكمًا قضائيًّا أو أكثر من الأحكام، وقد يكون صحيحًا، بل هو صحيح، أن المتربصين بمصر يتخذون من العقوبات الغليظة أو المسرفة فى الغلظة، تكئة أو ذريعة للتهجم على النظام المصرى، مع أن مقتضيات الدساتير فى العالم أجمع تحرم وتمنع التدخل فى أعمال القضاء، وتتخذ من التدخل ـ إن حدث جدلًا ـ دليلًا على مراهقة وانحراف النظام.


ومع ذلك يأبى البعض إلاَّ أن يحمل الرئيس بهذه الأحكام، وهو منطق مريب فى فهمه وفى أغراضه!


لست أحب الاسترسال، فالقارئ يعرف قبل أن أعرف، أنه إذا كنا نفهم تربص الخارج بنا وأغراضه ومآربه، إلاَّ أنه يشق علينا أن تأتينا الإساءات منا، وأن نضرب بأيدينا مسيرة تقدمنا. فارق ذكرته سلفًا، بين المعارضة الموضوعية وهى واجب، وبين الإيذاء والإضرار بالوطن.


ولست أخفى أننا نحتاج ـ مع استمرار النقد الموضوعى الواعى البناء ـ لأن تتكاتف قلوبنا وسواعدنا، وأن نمضى معًا لتحقيق ما نصبو إليه، وتتوقعه مصر منا!


هذا واجب لازم، لمصر.. لا للرئيس!