ما ننتظره من السيسى فى العامين القادمين

01/06/2016 - 10:55:13

  السيسى يصر علي تجديد الخطاب الدينى السيسى يصر علي تجديد الخطاب الدينى

بقلم - يوسف القعيد

الشاعر التركى العظيم ناظم حكمت هو الذى قال:


- إن أجمل الكلمات هى التى لم نكتبها بعد. وأجمل الأيام هى التى لم نعشها بعد. وأجمل الأفعال هى ما لم نقم به بعد لذلك.


ولأننى أقرأ ناظم حكمت كثيراً. وأتمثل ما يقوله. وأدرك عمق بصيرته وصادق عبقريته. سأكتب الآن عما ننتظره من الرئيس عبدالفتاح السيسى فى العامين القادمين. وبهما يكمل ولايته الأولى التى ينص دستور مصر الحالى على أن تكون أربع سنوات. مضى منها عامان. ويبدأ الآن العامان الآخران.


فى العامين السابقين كانت المعركة مزدوجة. كانت هناك حالة من الهدم والبناء. هدم ما كان قائماً وبناء ما نرجوا بناءه. وفى بعض الحالات فإن عمليات الهدم استغرقت من الوقت أكثر مما ينبغى. ولذلك لم تترك للبناء أوقاتاً طويلة يمكن أن يتم فيها. وهذا ما يجعل من العامين القادمين فرصة للبناء بشكل أساسى. باعتبار أن مصر خرجت - أو أوشكت على الخروج كما نتمنى – من عمليات مواجهة سلبيات الماضى وهى كثيرة جداً، لأنها تراكم سنوات طويلة. فضلاً عن ديدان الجرح الغائر المتمثلة فى سنة حكم الإخوان البغيضة.


لن أقترح قضايا من عندياتى. ولن أعبر عن أحلام تخصنى. ولا ما أرى أنه يشكل الحلم الجمعى للمصريين جميعاً. لكنى سأتحدث عن جدوى الأعمال للعامين القادمين انطلاقاً مما قاله الرئيس السيسى خلال العامين الماضيين فى لقاءات كثيرة. سواء من خطب مكتوبة أو كلمات مرتجلة أو حوارات صحفية. وما أندرها وما أقلها بالنسبة لحجم ما أقدم عليه الرجل من أفعال.


العدالة الاجتماعية قضية مصيرية. أقول بأمانة أنها ما زالت تراوح مكانها. هى حلم البشرية منذ الأزل وإلى الأبد. وقد تكلم الرئيس كثيراً عن الفقراء أكثر من كلامه عن الأغنياء. ويبدو منحازاً لهم بشكل جوهرى. ومتفهماً لظروفهم. ومدركاً لصعوبة أوضاع حياتهم. ولكن الإدراك وحده لا يكفى.


فى بعض الأحيان كان يخيل لى أن الحل ربما يكمن فى أن الغنى يقدم للفقير ما يساعده على تقبل حياته والتكيف معها. ولكن ثبت بالدليل القاطع أن الإحسان لن يحل مشكلة العدل الاجتماعى فى مصر. ولا بد من إجراءات محددة تمكن الفقير من أن يعيش حتى لا نعود مرة أخرى إلى المجتمع الذى قامت ثورة يوليو للقضاء عليه قبل أكثر من نصف قرن.


قبل يوليو ينطبق على مصر ما قاله طه حسين فى مجموعته القصصية الفريدة التى صدرت فى أواخر أربعينيات القرن الماضى: المعذبون فى الأرض. عندما قال إن فى مصر من يموت من الفقر وفى مصر أيضاً من يموت من التخمة. وأهدى قصصه القصيرة إلى من لا يجدون ما يأكلون. ومن يجدون ما لا يأكلون. كان مجتمع النصف فى المائة. حيث كان دخل المصريين جميعاً يحصل على نصفه نصف فى المائة من السكان. وعلى النصف الآخر ٩٩.٥ فى المائة من أهل مصر. وقد سجلت مصر وقتها أكبر درجة من الخلل الاجتماعى فى التاريخ. شكّل هذا الخلل الاجتماعى واحدة من أهم مقدمات ثورة الثالث والعشرين من يوليو ١٩٥٢.


العدل الاجتماعى لا أحب أن نتعامل معه باعتباره فريضة مؤجلة. فهو فرض عين علينا جميعاً والدولة المصرية هى الضامن لتحقيقه. ولذلك أتساءل هل يمكن فى العامين القادمين أن يتم التفكير جدياً فى الضريبة التصاعدية التى تجنبت الدولة المصرية الاقتراب منها. خشية أن تؤدى لآثار سلبية لدى رجال الأعمال. وكمحاولة لإحساسهم بالأمان حتى يقدموا ما يستطيعون تقديمه لمصر.


قديماً قال أبو ذر الغفارى: عجبت لمن لا يجد القوت فى بيته. كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه؟ والعدل الاجتماعى القضية سبقت الحياة الحديثة. صحيح أنها اكتسبت مسماها وأخذت بعدها السياسى والفكرى من خلال عصر النهضة الأوربى. لكن العدل الاجتماعى مسألة شديدة الأهمية من أجل استقرار المجتمعات ونموها وازدهارها. إن كان من حقنا أن نحلم بمصر بالازدهار.


كل هم يوصلنا للآخر. فبعد العدل الاجتماعى الغائب أو المؤجل لا بد من الكلام عن العشوائيات. وحجمها ضخم ومخيف. والعشوائيات لا توجد فى القاهرة وحدها. ولكنها وصلت لكل المدن المصرية. وأخشى ما أخشاه أن تصل إلى القرية المصرية وتؤثر فى بنيتها الجامعة المانعة التى كانت تمثل حالة إنسانية فى مواجهة ما يفرق الناس عن بعضهم البعض.


نتحدث كثيراً عن العشوائيات باعتبارها مبانى بنيت بطريقة عشوائية. لا توجد فيها شوارع آدمية ولا خدمات إنسانية. ولا مدارس. ولا مستشفيات. ولا نوادى. لكن أخطر ما قدمته العشوائيات لمصر فى النصف قرن الأخير. هو الإنسان العشوائى. الذى تنتجه هذه المناطق ويصبح جزءاً من تكوينها.


لا أقصد بالإنسان العشوائى أن يكون إنساناً أمياً. فأعتقد أن عدداً كبيراً من أبناء الطبقة الوسطى المصرية يعانون من الأمية. ولكن الإنسان العشوائى إنسان تعدى عدم معرفة القراءة والكتابة. وعدم الإلمام بمنتجات الفكر الإنسانى. ولكنه إنسان يمكن أن يقترب كثيراً من الإنسان البدائى. إنسان الغابة الذى كيف حياته فى مواجهة ظروف شديدة التبسيط لم يعد لها وجود. ولذلك فهذا الإنسان يمكن أن يكون عبئاً على الحياة التى نحياها الآن.


الخروج من الوادى الضيق حلم داعب كل الحكام الذين حلموا لمصر بمستقبل أفضل. ولم يغرقوا فى مستنقعات اللحظة الراهنة. والرئيس يتحدث كثيراً جداً عن أراضٍ جديدة تضاف للرقعة الزراعية. والأرقام التى تقال بالملايين. ولن يكتسب هذا الكلام قيمته إلا عندما نجد مدناً جديدة ومجتمعات مغايرة موجودة فى أرض غير مأهولة تركناها آلاف السنين وكأنها ليست جزءاً فى مصر.


تخيلوا لو أن سيناء زرعت بالبشر. ونقلت إليها أعداد هائلة من المصريين. ولو حدث هذا لما تمكن الإرهاب مما يقوم به فى سيناء. لأن وجود الناس فى أى مكان يوفر عنصر العمران – حسب تعبير عبدالرحمن بن خلدون فى مقدمته الشهيرة – والعمران هو كلمة السر لمصر فى مواجهة التطرف والإرهاب.


لا أحد ينكر ما تم فى العامين الأولين فى حكم الرئيس السيسى من مواجهة المتطرفين ومحاولتهم تعويق مسيرته ومواجهة إنجازه. لكن أهم من مواجهة التطرف هو توفر القدرة الفريدة على مواجهة المناخ الذى يزدهر فيه التطرف. وهى قضية مجتمعية أكثر منها قضية دينية. لأن هذا المناخ هو ما يمد المتطرفين بشباب جدد ووقود جديد يمكن أن يستخدموه فى معاركهم.


ربما كان الرئيس عبدالفتاح السيسى أكثر رئيس فى تاريخ مصر تحدث عن تجديد الخطاب الدينى. وكان حديثه موجهاً للأزهر الشريف. وفى تصورى أن مصر فى أمس الحاجة لخطاب دينى جديد. وليست تجديد الخطاب الحالى. والكلام فى هذا الأمر لا يوجه للأزهر فقط. لكنه يوجه للأزهر والكنيسة فى نفس الوقت. مع تطوير فكرة الخطاب الدينى من مجرد العلاقة بين الإنسان وخالقه. إلى العلاقة بين الإنسان ومجتمعه والحياة من حوله.


وما دمنا نتكلم عن معركة المعتقد. فهذا يوصلنا لشباب مصر الحائر، الذين هم بحسب تعبير الستينيات من القرن الماضى نصف الحاضر وكل المستقبل. وكانت هناك محاولات لتمكين الشباب وإعدادهم وتشغيلهم. لكن ما زالت أرقام العاطلين عن العمل من الشباب تفزع أى مصرى. والشاب الذى تعلم وتأهل واستكمل أدواته ثم جلس فى بيته فى انتظار عمل لا يجئ. ولم يجد أمامه سوى المقهى أو الشارع. فنحن بذلك نسلمه للمتطرفين شاباً جاهزاً يستخدمونه كما يشاءون.


أعرف صعوبات إنشاء وظيفة. وكم تتكلف. لكن مناخ مصر التى تعمل، مصر التى تصنع، مصر التى تنتج، مصر التى تعرف ما تريد. سيجعل لدينا من فرص العمل ما يزيد عن حاجتنا. بدلاً من الوضع الراهن الذى يتعلم فيه الشاب. وليس لديه أمل فى شىء.


عند ذهابى إلى مجلس النواب صباحاً. يوجع قلبى لحد الرغبة فى البكاء. شباب يقفون، يتظاهرون. وعندما استوقفونى فى أحد المرات عرفت أنهم من حملة الدكتوراه والماجستير. ولا يجدون عملاً استهولت الأمر. واستبشعت مداه. لأن المجتمع العاقل هو الذى يوفر للشاب عمله وهو على مقاعد الدراسة. ولا يجعله يقضى سنوات من عمره بعد تخرجه بحثاً عن عمل لا يجده. وإن وجده، لا يوفر له ما يوفره العمل من إحساس الإنسان بآدميته ولا الدخل الذى يمكنه من الحياة الكريمة أو شبه الكريمة.


الهم الاقتصادى يطارد الإنسان ليلاً ونهاراً. خصوصاً هذا الخلل الشديد فى علاقة الجنيه بالدولار. وكمية ما نستهلكه من إنتاجنا وما نستورده. وقديماً قال الحكيم المصرى القديم: إن المصرى لن يستقل فى حياته إذا لم يقم بأمرين: أن يصنع سلاحه وأن يصنع قمحه. لم يكن المقصود القمح كقمح. لكن أن يعتمد المصرى على بلده فى السلاح الذى يحارب به، والغذاء الذى يتناوله. وللأسف الشديد فنحن الآن نستورد كل شىء. وقائمة الاستيراد من الخارج فيها أشياء يخجل الإنسان من كتابتها. علماً بأن كتب النصائح التى تعود لمصر القديمة تقول: إن الاعتماد على النفس خير معلن عن معانيها.


لا أطالب بأن نغلق الأبواب فى اتجاه الخارج. بالعكس. التعاون مع من حولنا مسألة مهمة. ومنذ أن حلم جيل النهضة الأول: رفاعة رافع الطهطاوى، ثم طه حسين، بالحلم الأوربى القادم بعد أن زرع الخديوى إسماعيل فكرة النهضة المصرية المرتبطة بأوربا. ونحن ننظر إلى الشمال دائماً وأبداً. وأنا لا أطالب بإلغاء النظرة. لكن لا بد أن يكون لدينا ما نقدمه للآخر قبل أن نفكر فى أن نأخذ منه. أو نأخذ عنه.


لا فصل بين الداخل والخارج فى حياة أى أمة. ولذلك فإن الداخل المصرى ينعكس على الخارج المصرى شئنا أم أبينا. ومن المؤكد أن دور مصر العربى تراجع كثيراً. لا بد أن نعترف أن شمس مصر التى سطعت على الأمة العربية قد غربت. وأن دور مصر الإسلامى يراوح مكانه. أما دور مصر العالمى فقد سبقت دول أخرى فى المنطقة وحاولت احتلاله، سواء بالمال أو قطع الطرق أو إخافة الآخرين أو رعاية مصالحهم.


لا يتصور أحد أننى أكتب هذا الكلام وعينى على الستينيات. فالتاريخ لا يعيد نفسه مرة أخرى. وحتى إن أعاد نفسه فإن الأمور تختلف فى المرة الثانية تماماً. أدرك أن الدنيا تغيرت والواقع تبدل ولا يمكن أن نحلم لمصر بدور مثل دور الستينيات. لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. وعلينا أن ندرك أن دور مصر فى ستينيات القرن الماضى لم يكن سياسياً خالصاً.


قادت مصر الوطن العربى والأمة الإسلامية والعالم الثالث بالكتاب والأغنية والعرض المسرحى والفيلم السينمائى ولوحة الفن التشكيلى. هذه السبيكة من الدور الحضارى وجدت غطاء سياسياً يمكن أن تصل فيه للناس فى كل مكان وأن تؤثر فيهم وأن تغير وجدانهم إلى الأفضل.


مصر دولة دور. وجدت من أجل هذا الدور منذ فجر التاريخ. وحتى آخر يوم فى تاريخ الدنيا. وإن فقدت هذا الدور، فقدت مبرر وجودها. ودور مصر الخارجى ليس لعباً فى الفراغ ولا تهويمات لمفكرين. لكنه انعكاس لموازين القوى والقدرة الفكرية والتمكن الاقتصادى والقيادة السياسية.


لقد فعل الرئيس عبدالفتاح السيسى لمصر فى العامين الماضيين أكثر مما كنا نتوقعه. وهذا يدفعنا أن نحلم معه فى العامين القادمين بما يمكن أن يقترب من حدود المعجزات. يجب أن نكون جميعاً معه. فالرجل سينجح بنا قبل أن ينجح من أجلنا. ونحن سننجح به. هذا التكامل الفريد مطلوب ولا بد منه.