درس فى التاريخ.. صناعة رجل الدولة !

01/06/2016 - 10:49:34

بقلم : د. صفوت حاتم

حين دعتنى مجلة المصور للمشاركة فى العدد التذكارى لمرور سنتين على تولى السلطة السياسية فى مصر،فكرت أن كثيرا من الزملاء سيكتبون عن الإنجازات التى حصلت فعليا على الأرض.


وهى إنجازات يؤيدها من يؤيدها وله أسبابه، وينكرها من ينكرها وله أسبابه.


ولكن يبقى لحركة التاريخ منطق مخالف لحساب الخسائر والإنجازات. لذلك آثرت أن يكون مقالى عن مفهوم رجل الدولة، ودوره فى التاريخ.


فخلال عامين من توليه الحكم، نجح الضابط «عبد الفتاح السيسى» فى اقتحام الساحة الدولية وتطويعها رغم الظروف والعداءات الدولية القاسية التى واجهته فى بداية حكمه.


الأكيد أنه نجح ببساطة وتواضع فى اكتساب ثقة إقليمية ودولية غير منكورة وضعته بسرعة كلاعب دولى يحسب حسابه فى صياغة مستقبل منطقة الشرق الأوسط.


والسؤال الذى يطرحه هذا المقال: هو كيف تتخلق شخصية رجل الدولة.. وما مواصفاته التى تدفع به إلى مسرح الأحداث بشكل مباشر؟


أدق تعريف لمفهوم رجل الدولة هو ذلك «الرجل الذى يعمل بجد وإخلاص» لمصالح أمته وشعبه ويضعهما فوق أية مصالح شخصية».


وهذا التعريف يضع فارقا حاسما بين «رجل الدولة» وبين «المغامر السياسى» فالأخير قد يجر أمته وشعبه لمغامرات باهظة من أجل طموح شخصى أو منفعة شخصية.


وكثيرا ما يختلط الاثنان فى عملية معقدة تحير المؤرخين والباحثين فى فهم دوافع وسلوك الأفراد.


ودراسة دور الأفراد فى التاريخ هى دراسة معقدة تحتاج لاطلاع تاريخى جاد.. ومنطق عقلى صارم.


وقد اخترت فى هذه الدراسة التاريخية ثلاثة نماذج للتدليل على وجهة نظرى فى صفات وملابسات بزوغ شخصية رجل الدولة.


النموذج الأول والثانى من تاريخ مصر ذاتها: شخصية محمد على وشخصية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.


أما النموذج الثالث فهو نموذج الزعيم الفرنسى شارل ديجول.


وأسارع بالقول هنا: أن هدف هذه الدراسة ليس دراسة شخصية الزعيم أو رجل الدولة بقدر ما هى دراسة عن الظروف والملابسات التى يظهر فيها وتتشكل فيها ميوله ومواهبه وأعماله وإنجازاته بل وإخفاقاته.


تجربة محمد على باشا


لعل أقرب مثال فى تاريخنا المعاصر للحيرة التى تنتاب المؤرخين فى تقييم دور الفرد فى التاريخ هى شخصية «محمد على باشا».


فقد كانت السنوات الأربع التى تلت رحيل الفرنسيين عن مصر ,سنوات فوضى واضطراب داخلي.


وربما كان سبب ذلك هو ظن «بكوات المماليك «أن مقاومتهم للفرنسيين كانت هى السبب فى رحيل الفرنسيين عن مصر فأخذوا يتحاربون فيما بينهم لتقاسم الغنائم.


وكان الوالى التركى حاكم مصر لا حول له ولا قوة وبالتالى كان عاجزا عن وضع حد للفوضى التى عمت البلاد، أو وضع حد للمصائب والبلاوى التى عاناها المصريون بسبب «البكوات المماليك» إلى الحد أن بعض المصريين بات يأسف على رحيل الفرنسيين!.


فى ظل هذا الجو المفعم بالاضطرابات والفوضى والتناحر، انفتح التاريخ على ظهور رجل غير مصرى يعمل فى خدمة الوالى التركى فى مصر كقائد للقوات الألبانية فى مصر هو محمد على.


ولأسباب يطول شرحها، قام الشيخ الشرقاوي، شيخ الأزهر والسيد عمر مكرم، نقيب الأشراف بتوحيد الأشراف والمشايخ والأعيان ورؤساء الحرف فى وفد يمثل الشعب، وتوجه الجميع إلى قاضى القضاة بلائحة مكتوبة تعدد مظاهر ظلم ومظالم الوالى التركى.


ولما لم يستجب الوالى التركى لتلك المطالب، خرج سكان القاهرة معلنين الإضراب والتظاهر ضد الأتراك.


ولأسباب غير معلومة أيضا ذهب الشيخ الشرقاوى والسيد عمر مكرم إلى بيت محمد على الرجل العسكرى الغريب وقلداه الجبة والقفطان علامة تنصيبه واليًا على مصر باسم الشعب.


ويظل السؤال الحائر: لماذا لم يول الشعب والأعيان أحد القائدين المصريين، الشيخ الشرقاوى أو السيد عمر مكرم، مسئولية الحكم مباشرة بدلا من تعيين هذا «الغريب «الذى لا يتكلم اللغة العربية؟ !


هل هى الحاجة إلى جنوده وقوته العسكرية فى الصراع مع الجنود المماليك والأتراك؟ !


ربما.. على أى حال ما يذكره التاريخ قطعي، ودونما دخول فى بورصة الافتراضات والاحتمالات أن مصالح المصريين ومصالح محمد على قد توافقت فى لحظة دقيقة من لحظات التاريخ والتقت على مطلب واحد ووحيد»آنذاك» هو تخليص البلاد من الحزازات والمنازعات الداخلية هنا بدأت فى الظهور مواهب محمد على كرجل دولة فى طور البزوغ.. فقد باشر ببراعة ودهاء ومكر وقسوة شديدة فى تطهير البلاد من العناصر المثيرة للشغب جميعا وأخضع الجميع بما فيهم جنوده الألبان الذى أحنى ظهورهم كما يقول توم ليتل فى كتابه «جمال عبد الناصر.. رائد القومية العربية».


وبعد أربع سنوات أكمل محمد على المهمة وقضى تماما على نفوذ المماليك.


إن أهمية هذه الفترة (أربع سنوات) من تاريخ الحركة الوطنية المصرية.. تكمن فى الدور الذى لعبه سكان القاهرة فى شهر مايو ١٨٠٥ عندما قاموا بخلع الوالى التركى وفرض محمد على واليا على مصر مكانه.


كان من الممكن أن يكتفى طموح «محمد على» بتولى السلطة السياسية والتخلص من خصومه جميعا ليبق السيد المطلق على الحكم دون شريك.


فقبل هذا التاريخ (١٨٠٥) لم يكن سوى خادما للإمبراطور العثمانى تتركز مواهبه فى جباية الضرائب والمكوس لخزينة السلطان العثمانى وإرهاق السكان بالقسوة على دفع الجباية.


لم يكن محمد على مهتما بتحرير الشعب المصرى من أغلاله إلا بالقدر الذى يخدم أهدافه ومطامحه الشخصية.


لكن بفضله وبفضل طموحه (والحق يقال) عاد الشعب المصرى إلى مسرح التاريخ..أولا.. فى شكل جيش وطنى قوى ملتحم فى المشروع القومي.


وثانيا: فى شكل نزعة وطنية استقلالية سياسيا وإداريا عن الإمبراطورية العثمانية.


لقد أمم محمد على كل وسائل الإنتاج والتوزيع والمقايضة، وأعلن نفسه مالكا وحيدا للأرض الزراعية، وحصر فى نفسه كل الضرائب وكل التجارة الخارجية. وكان زهاء خمسة أسداس الدخل الزراعى المصرى من خلال الضرائب والأجور.


لقد كان من الضرورى أن يستخدم «محمد على «الفلاحين المصريين فى بناء جيش وطنى قوي، واستخدم لتدريبه مدربين فرنسيين لتحويل هؤلاء الفلاحين إلى قوة عسكرية ضاربة.


فلما جاء عام ١٨٢٦، كان محمد على قد كون جيشا يتألف من ٩٠ ألف جندى معززين بقوة من المدفعية تضاهى أحسن قوة مدفعية فى أوربا!


لقد نجح محمد على فى إخضاع كل الخارجين على السلطان العثماني، وجالت جيوشه شرقا وغربا وجنوبا.


واستجابة لدعوة السلطان اقتحم إبراهيم باشا اليونان ليخضع العصاة اليونانيين وأخذ أهلها رقيقا شحنة بالسفن إلى تركيا ومصر.


عند هذه اللحظة أصبح بائع التبغ الألبانى لاعبا دوليا يثير الفزع والرعب لدى الإمبراطوريات السائدة آنذاك: بريطانيا وفرنسا وتركيا.


وبدلا أن يكافئ السلطان العثمانى محمد على على انتصاراته، زاد قلقه من طموح محمد على وقدرات جيشه.


لقد أدرك محمد على أنه صاحب أقوى جيش فى الإمبراطورية العثمانية كلها.ولما تنازع هو والسلطان وساءت العلاقة بينهما، سار محمد على بجيشه المؤلف من الفلاحين المصريين شمالا عبر سوريا وقهر جيوش السلطان العثمانى فى حمص وبيلان، ووصل إلى أبواب القسطنطينة.. ولم يرده عنها سوى إنذار من روسيا وليس إنذارا من السلطان !!.


لقد امتلكت مصر فى لحظة تاريخية رجل دولة كبيرا يمتلك حلما للتطور والتحديث، وموقفا جريئا من العالم حوله.


وكلنا نعرف كيف انتهت قصة هذا الرجل العظيم بتحالف الإمبراطوريات الأوربية مع الإمبراطورية العثمانية ضده لوقف طموحه بعد أن هزم مرتين الجيش التركى الذى تولى قيادته الجنرال الألمانى «مولتكة».


وكانت معاهدة لندن عام ١٨٤٠ هى نهاية الطموح الإمبراطورى لمحمد على قائد جيوش الفلاحين المصريين الذين بلغ تعدادهم فى الجندية ربع مليون جندى مسلحين بالمدفعية والأساطيل البحرية القوية.


وربما كان تعسفه فى جباية الضرائب من المصريين واعتصار الفلاحين، وسوقهم للجندية هو السبب فى ضعف الزراعة رغم شقه للقنوات والترع وبناء القناطر والسدود وتطهير المصارف هو السبب وراء قبوله تلك الشروط.


وربما كان أيضا بسبب وهنه ووصوله لسن الثانية والسبعين هو ما جعله يقبل بشروط معاهدة لندن.


وبقية القصة معروفة للجميع، فقد تم حصار محمد على داخل مصر، بعد سنوات من الصعود كرجل دولة ولاعب كبير فى السياسات العالمية.


جمال عبد الناصر


قرب نهاية عام ١٩٥٣ وبمناسبة الاحتفال بذكرى شهداء الجامعة الذين استشهدوا عام ١٩٥١ فى معركة القناة، عقد الإخوان والشيوعيون اجتماعا فى ساحة الجامعة ألقى فيه «نواب صفوى» زعيم جمعية «فدائيان إسلام» الإيرانية خطابا ناريا فى طلبة الجامعة.


ثم ما لبث أن حدث اشتباك بين الطلبة المتظاهرين من الإخوان والشيوعيين وبين الطلبة الذين ينتمون لمنظمة هيئة التحرير.


وكانت نية الإخوان من هذه التظاهرة العنيفة هى التدليل على شعبيتهم وقوتهم وتوجيه تحذير مباشر لمجلس قيادة الثورة.


وقد رد مجلس قيادة الثورة فورا ودون تردد بإصدار قرار بحل جمعية الإخوان المسلمين لتجاوزها قانون الأحزاب السياسية.


وقامت قوات الأمن باعتقال عدد من زعماء الإخوان، وكان منهم حسن الهضيبى مرشد الإخوان.


وفى غمرة هذا الصراع المكشوف بين حكومة الثورة والإخوان، نشبت أزمة اللواء نجيب فى فبراير ١٩٥٤.


وهب الإخوان المسلمون إلى نصرة اللواء محمد نجيب فى مواجهة مجلس قيادة الثورة، ونظموا مظاهرات عنيفة قتل خلالها تسعة أشخاص وأصيب ٣٥ شخصا بجراح.


وبدأت دعاية الإخوان تروج سرا للدعوة إلى الجهاد والنضال المسلح سرا ضد حكومة الثورة.


كان تنظيم الإخوان قد استعاد خبراته من أيام اضطرابات منطقة القناة عام١٩٥١ وخصوصا خبرات كتائبها التى اشتركت مع الفدائيين فى حرب العصابات على القوات البريطانية بالقناة.


أما عبد الناصر، الرجل القوى فى مجلس قيادة الثورة فكان مشغولا بأمر آخر هو الوصول إلى اتفاق مع البريطانيين على جلاء قوتهم عن مصر.


لذلك سرعان ما استأنف المفاوضات مع الجانب البريطانى بعد عودته لرئاسة الوزراء فى أبريل ١٩٥٤.


كانت الأحوال تبدو مبشرة بالنسبة لجمال عبد الناصر لبدء مفاوضات جادة مع الإنجليز، فيما عدا نشاط وشغب كتائب الإخوان المسلمين الذى كان يهدد سلامة المفاوضات آنذاك، وبعيداعن يد حكومة الثورة، كانت دعاية الإخوان المسلمين، فى تلك الفترة تركز على إهانة مجلس قيادة الثورة وبصورة خاصة جمال عبد الناصر،متهمة إياه بالضعف والتهاون مع البريطانيين.


وقد تبجح الإخوان فى دعايتهم السرية ضد مجلس قيادة الثورة بالقول أن المفاوضات هى سلاح الضعيف وأن قادة الثورة كانوا يدعون أنهم قاموا بحركتهم لطرد البريطانيين بالقوة.


أما عبد الناصر فقد كان يهمه أن يكبح جماح كتائب المتطوعين القريبة منه، وأن يقنعها بمختلف الوسائل بالتزام الهدوء لخلق جو مناسب للمفاوضات.


وهكذا تزايد غضب الإخوان والشيوعيين على حكومة عبد الناصر فبذلوا كل جهدهم لإثارة الرأى العام فى مصر وبقية الدول العربية.


وقام حسن الهضيبي، مرشد الاخوان بجولة فى أنحاء الدول العربية خصوصا فى سورية، ملهبا مشاعر الإخوان وأنصارهم بالحنق على عبدالناصر، وكال له الاتهامات الظالمة، حتى إنه اتهمه بخيانة القضية الوطنية.


وقام زعيم كتائب الفتوة فى الإخوان المسلمين فى الجامعة بتحدى حكومة الثورة علنا بالدعوة إلى اجتماع عام للمعارضة، فلما حاولوا الاجتماع فرقتهم قوى الأمن بضراوة، ووقع عدة إصابات.


وأنذر الضباط الأحرار مكتب الإرشاد بأن أى محاولة للجوء للاغتيالات ستواجه بالثأر الفورى من زعماء التنظيم فورا.


وسارع عبد الناصر بإسقاط الجنسية المصرية عن زعماء الإخوان المسلمين اللاجئين فى سوريا وهاجم زعمائهم الموجودين فى مصر بقوة.


كانت فئات كثيرة من الشعب تعتبر اتفاقية الجلاء التى وقعها بالأحرف الأولى جمال عبد الناصر والمستر ” أنطونى هيد ” أقل من طموحات الشعب المصري، خصوصا تلك المتعلقة بإمكانية عودة القوات البريطانية إلى مصر فى حال الاعتداء على دول حليفة لبريطانيا خصوصا تركيا.


وبين توقيع الاتفاقية فى ٢٧ يوليو ١٩٥٤ بالأحرف الأولى وتوقيعها نهائيا فى ١٩ أكتوبر ١٩٥٤ حاول الإخوان المسلمون إثارة القلاقل أمام عبدالناصر ورفاقه، وقاموا بنسف كوبرى أبو سلطان بمنطقة القنال فى ٢ أغسطس ١٩٥٤.


كان الإخوان والمعارضون للاتفاقية يتحركون بسرعة كبيرة لركب موجة الرفض الشعبى التى ظهرت ضد اتفاقية الجلاء.


وقد أدى هذا إلى زعزعة وإضعاف حكومة الثورة وجمال عبد الناصر.


وفى ذلك يقول «جان لا كوتير «فى كتابه «عبد الناصر»: لم يبد


البكباشى عبد الناصر أكثر انعزالا بنظر الشعب المصرى كما بدا فى اليوم الذى حمل فيه إلى الشعب اتفاقية الجلاء.


ويضيف «لاكوتير» : أن يوم توقيع الاتفاقية كان وجه عبد الناصر يشوبه العبوس، وعندما سأله لاكوتير: والآن؟!


أجابه عبد الناصر قائلا: الآن علينا إعادة بناء بلدنا!.


عبد الناصر يمسك بزمام الأمور ويقول توم ليتل فى كتابه «جمال عبد الناصر.. رائد القومية العربية»:


استطاع عبد الناصر فى نهاية ١٩٥٤ أن ينظر بعين الرضا إلى العالم الصغير الذى سيطر عليه.


ففى مصر وجد الجيش يؤيده بحزم ووجد أعداءه وقد تفرقوا شذرا مذرا، إذ مات بعضهم، وحل بعضهم فى السجون، والأهم من ذلك وجد أشد المنظمات خطرا عليه وقد أصبحت حطاما. فقد كانت جمعية الإخوان المسلمين أشد المنظمات خطرا لأنها منظمة وذات عصبية عمياء وشرسة، وأخيرا: وجد أمر أسرة محمد على البغيضة قد انتهى. (توم ليتل.. جمال عبد الناصر( ص ٣٤٢.


لم تمض شهور قليلة على توقيع اتفاقية الجلاء فى أكتوبر ١٩٥٤، حتى استقبلت القاهرة فى فبراير ١٩٥٥ ثلاثة من كبار زعماء العالم، تتنافر مواقفهم ورؤاهم السياسية.


الأول هو «أنطونى ايدن» رئيس وزراء بريطانيا، والذى حاول فى لقاء بارد تغيير موقف جمال عبد الناصر من الزعيم العراقى نورى السعيد والأسرة الهاشمية فى العراق وموقفه من الأحلاف العسكرية.


ولم ينجح «ايدن» فى تليين موقف عبد الناصر أو تخفيف هجومه على نورى السعيد.


أما الثانى فكان الزعيم اليوغسلافى جوزيف تيتو الذى التقاه عبد الناصر على ظهر اليخت غالب فى قناة السويس أثناء عودته من زيارة للهند. وكان هذا أول لقاء بين عبد الناصر الضابط المصرى الناشئ وبين تيتو الزعيم الشيوعى التى تميزت مواقفه بالاستقلالية التامة عن موقف قادة الاتحاد السوفييتى ومناوءتهم.


أما الثالث فهو الزعيم الهندى «نهرو» والذى كان يستعد لحشد الدول الإفريقية والآسيوية لحضور مؤتمر باندونج.


كانت تلك بداية احتكاك جمال عبد الناصر بهؤلاء الزعماء العالميين الذين


تمرسوا على السياسة من خلال نضال طويل وفى مواقع مختلفة.


وكانت تلك فرصة فريدة لجمال عبد الناصر للتعرف على أحوال العالم السياسية من القائمين عليها، كما كانت فرصة عظيمة لإطلاق طاقات عبدالناصر فى ميدان السياسة الخارجية بعد أن كانت كل أفكاره مركزة على الموقف الداخلى وحده.


وزادته الحوارات مع نهرو وتيتو إصرارا على خوض المعركة ضد الأحلاف بكل ما يملكه وتملكه بلاده من وسائل.


باندونج وإشراق رجل الدولة ذهب عبد الناصر إلى باندونج لحضور مؤتمر الدول الآسيوية والإفريقية فى أندونيسيا، وحضرت كل الدول المستقلة، وتقرر دعوة الصين الشعبية وعدم دعوة فورموزا وإسرائيل والكوريتين ودولة جنوب إفريقيا العنصرية.


كانت تلك هى الرحلة الأولى لجمال عبد الناصر خارج مصر. وكانت طريقة استقباله كفيلة بالتأثير على شخصيته وأفكاره ورؤيته الشاملة للعالم.


يقول جان لاكوتير عن هذه الزيارة، كان ظهور عبد الناصر على منصة الخطابة أو فى الأروقة والشوارع يقابل بمظاهرات حارة جدا، هو و»شواين لاى» كانا رجلى الساعة فى المؤتمر.


وهكذا نجح جمال عبد الناصر فى الحصول على قرار من المؤتمر بتأييد الحق الفلسطينى وتطبيق قرارات الأمم المتحدة وتحقيق تسوية سلمية لمشكلة فلسطين) قصة ثورة يوليو.. مجتمع جمال عبد الناصر.. صفحة ٤١٧.. هيئة الكتاب١٩٩٢).


لقد لعب عبد الناصر دورا كبيرا فى مؤتمر باندونج، سمح لمواهبه الفطرية


بالظهور، فمن خلال دوره كرئيس للجنة المقررات فى المؤتمر، نجح فى وضع الصيغة التى توفق بين وجهتى نظر المعسكرين المتناقضين فى المؤتمر، وأبدى على العموم حنكة سياسية وتمسك بضبط النفس المأثور عن الساسة الماهرين.


وهكذا خرج جمال عبد الناصر من المؤتمر بسمعة طيبة وشهرة كبيرة، وإذا كان قد حضر للمؤتمر وهو مجرد رئيس وزراء لمصر، فقد عاد منه وهو عضو كبير فى نادى كبار الساسة الآسيويين.


ولاشك أن عبد الناصر قد غادر باندونج وقد شعر بازدياد أهميته وأهمية مصر فى الكيان الأفرو - آسيوي. ووجد نفسه على صلة وثيقة بالساسة الآسيويين العظام، وعلى قدم المساواة معهم، فقد جلس فى آخر حفلة عشاء إلى مائدة صغيرة خصصت له ولسوكارنو ونهرو وشواين لاى ويونو فقط.


وهكذا عاد جمال عبد الناصر من باندونج مغتبطا بما حققه، ولم يجد ضيرا فى التعامل مع الدول الشيوعية على قدم المساواة، أفلم تنجح الهند وبورما فى التعامل مع الطرفين؟


وبعدها بدأت مسيرة رجل دولة عربى عظيم، أعطى لأمته وشعبه الكثير دون أن يسعى إلى منفعة شخصية أو ذاتية.


أسطورة الجنرال ديجول


عندما اقترب الجنرال ديجول من سن الستين، خُيل إليه أن دوره انتهى حينما جلس إلى طاولته ليكتب العبارة الأخيرة من مذكراته التى يتحدث فيها عن بلاده وعن دوره هو شخصيا فى الحرب العالمية الثانية.


وكان من المنطقى أن تكون تلك العبارة أشبه بصورة ذاتية رسمها بالقلم عن نفسه، ويقول فيها: «بالنسبة لرجل عجوز، علمته المحن والتجارب، ويعيش فى منأى عن المؤسسات والمشاريع، شاعرا بقدوم ذلك الصقيع الأبدي، غير أنه لا يمل أبدا من رصد أى بارقة أمل يحس مجيئها».


ومثل كل السياسيين العظام ورجال الدولة الاستثنائيين فهم يعملون من أجل شعوبهم دون أن يتوقعوا مكافأة، لذلك تراهم يختارون التوقف عن السياسة فى اللحظة التى يشعرون بعدم حاجة الأمة لهم ولجهودهم.


ولكنهم بالمقابل يظهرون شجاعة نادرة وبسالة استثنائية عندما تستدعيهم شعوبهم فى لحظات المحن والكوارث لإنقاذها من المصير المظلم.


عكس هؤلاء الساسة الذين يعملون لمصلحتهم الشخصية، فهم يظلون مندفعين فى أعمالهم دون توقف لتحقيق طموحهم الشخصى أو منافعهم الذاتية.


كان «ديجول» قبل الحرب العالمية الثانية وهزيمة فرنسا الماحقة، مجرد ضابط صغير شبه مجهول.


ولكن كضابط وطنى كان يرى بحدسه الغريزى شبح الهزيمة القادمة وقبل حدوثها.


فهو لم يكف طوال سنوات ما بين الحربين الأولى والثانية عن تنبيه العسكريين الفرنسيين الكبار والنائمين على الأمجاد الغابرة بأن الحرب القادمة ليست لعبة ولا نزهة.


وفى مذكراته تلك يرينا «الجنرال ديجول «كيف أنه حاول أن يقول لكل المسئولين فى كل القطاعات إن الحرب حين تندلع وهى ستندلع بكل تأكيد، ستكون حربا تلعب فيها المدرعات دورا رئيسيا، بعيدا عن النيات الطيبة والخطابات الفارغة عن شجاعة الشجعان.


وهكذا راح الضابط «شارل ديجول» يقول فى كل مكان: «إذا بنينا قوات مدرعة قوية سيكون لنا مكان بين المتحاربين، أما إذا لم نفعل فستكون الهزيمة لنا بالمرصاد»!.


وكأنها نبوءة لساحرة شريرة منتزعة من روايات شكسبير، لم يسمع أحد لديجول، وكانت الهزيمة شاملة.


وحده «ديجول» الذى كان يقود قوة مدرعات محدودة، استطاع الصمود بقوته، وتمكن من شن هجوم مضاد على القوات الألمانية بشجاعة منقطعة النظير رغم عدم التكافؤ.


وقد دفعت شجاعته تلك الرئيس «بول رينو «إلى تعيينه نائبا لوزير الدفاع وسكرتيرا عاما للوزارة..


وهناك صورة شهيرة له فى تلك المرحلة، حيث نراه واقفا منزويا بقامته فى مؤخرة الصفوف بقامته الفارهة خلف القادة العسكريين الفرنسيين الكبار المزدانين بأوسمتهم العسكرية، وعلى رأسهم الماريشال « بيتان» بطل فرنسا فى الحرب العالمية الأولى.


كان انكسار الجيوش الفرنسية مذهلا فى سرعته، فالهجوم الألمانى الذى بدأ يوم ٩ مايو ١٩٤٠.


وكان تقدمه من الجهة غير المتوقعة، أو على الأقل من الجبهة التى لم يحسب حسابها، فقد كانت تتوقع الهجوم من أى نقطة على حدودها الشرقية مع ألمانيا مطمئنة إلى متانة خط دفاعها الأسطورى «خط ماجينو » المحصن تحصينا متينًا.


والحاصل أن الهجوم الألمانى جاء من الشمال عبر بلجيكا وهولندا، وعبور نهر الموس والنفاذ إلى منطقة «الأردين» والالتفاف حول خط «ماجينو» ثم عبور نهر «اللوار» والاندفاع نحو باريس.


وفى ظرف أيام قليلة كانت مدرعات الجنرالات «غورديان» و«روميل» و«فون بيك» تسابق بعضها البعض فى شمال فرنسا وغربها ومندفعة إلى قلبها.


وكان حلفاء فرنسا البريطانيون، والذين جاءوا بجيوشهم لمساعدة فرنسا، ونزلوا على سواحل النورماندى، قد رأوا بأنفسهم الانهيار المبكر والسريع، فقرروا الانسحاب من المعركة وترك فرنسا تواجه قدرها بنفسها.


وعندما عبرت القوات الألمانية نهر «اللوار» متجهة لباريس المفتوحة، وكان مجموع خسائر فرنسا: مليون وربع قتيل، مليون ونصف المليون أسير يعملون فى السخرة والمصانع لصالح الألمان، ثمانية ملايين مواطن فرنسى مشردين ولاجئون فى كل أنحاء فرنسا.


كان الشعب الفرنسى فى حالة ذهول من الصاعقة التى حطت على رأسه، وهو يعيش حالة انهيار لجيشه ومؤسساته والشك فى نفسه وتاريخه، وانهيار ثقته بنفسه والطبيعى فى تلك اللحظات أن تستدعى الأمم رجالها العظام لنجدتها.


واستنجدت فرنسا بالبطل الذى حقق لها النصر فى الحرب العالمية الأولى «الماريشال بيتان».


لكن «الماريشال «الذى اُستدعى على عجل من إسبانيا (حيث كان يعمل سفيرا لبلاده) كان قد فقد آخر جذوة مشتعلة فى أسطورته.


فقد عاد «الماريشال «لفرنسا ليقبل شروط الاستسلام التى قدمها له القائد الألمانى «الماريشال فون رونشتد «وتتضمن تقسيم فرنسا لمنطقة


احتلال ألمانى فى الشمال تتضمن باريس العظيمة، ومنطقة فى الجنوب تختار لها عاصمة أخرى، فكانت مدينة «فيشى».


وضمن الشروط المذلة أن تقوم حكومة «فيشى «بتسريح جيشها وتحتفظ فقط بقوة أمن لا تزيد عن مائة ألف فرد وأن تتعهد حكومة «فيشى» بدفع تكاليف ونفقات الجيش الألمانى فى المنطقة المحتلة والتى تضم العاصمة باريس، وقدرت ب ٤٠٠ مليون فرنك فى اليوم الواحد!


وفى نهاية الأمر، وضع الماريشال «بيتان» توقيعه على كل تلك الشروط المذلة، مقابل الأمن والسلام لحكومته فى «فيشى» وعدم الاقتراب من المستعمرات الفرنسية فى الخارج، أو ضرب الأسطول الفرنسى الرابض فى مارسيليا وطولون، تحت دعوى أنه الوحيد القادر على حماية المستعمرات الفرنسية من الأطماع البريطانية.


ولادة بطل قومى


لكن رجلا واحدا رفع صوته ورفض هذا الاتفاق من باريس، وكان هذا الرجل هو «الجنرال ديجول «نائب وزير الدفاع فى حكومة «بول رينو».


وأمر «الماريشال بيتان» الأسطورى بالقبض على «الجنرال المغمور»، ولكن «ديجول» قرر الهرب إلى لندن ليؤسس ويقود من هناك حركة مقاومة باسم «حركة فرنسا الحرة».


فى «لندن» بدأ الجنرال «ديجول» يتصرف على أنه الممثل لإرادة فرنسا، ومن ثم للشرعية الفرنسية، وفى رأيه أن حكومة الماريشال «بيتان»، حكومة غير شرعية، جاءت فى ظلام ليل خيم على فرنسا.


كان شارل الذى ترك باريس قبل سقوطها، رافضا للاستسلام، وداعيا للمقاومة حتى من خارج التراب الفرنسى لو اقتضى الأمر. وكان الرجل يمتلك حلما، ولكنه لم يكن رجلا خياليا.


ولم يكن رئيس الوزراء البريطانى «تشرشل «يتصور أن ديجول قادر على لم شعث الشعب الفرنسى، ولم يأخذ تحركاته على محمل الجد.


وفى أول تقرير قدمه السير «الكسندر كادوجان» لرئيس وزرائه «تشرشل» وصف «ديجول» وصفا مزريا، فهو على حد قوله: «أنه رجل له رأس تشبه فاكهة الأناناس الخشنة، وله جسم على هيئة خضار «الباذنجان الطويلة»، وإلى جانب ذلك لديه شعور متضخم، دون سبب معقول، بدوره التاريخى»!


ولم يتأثر «ديجول» بالإهانات أو الإهمال الذى لاقاه فى لندن، ولم يهتم بضغوط الخارجية البريطانية، حتى وإن وصفه أحد موظفيها الكبار بأنه يحمل رأسا كرأس الأناناس وجسم الباذنجان الطويل وقرر إعادة الأمل لشعبه وحثه على تنظيم المقاومة فى الداخل.


والحقيقة أن ديجول لم يهتم بكل ذلك، ووجه نداء بعد شهر من خروجه من فرنسا (أغسطس ١٩٤٠) إلى كل حكام المستعمرات الفرنسية من ضباط الجيش الفرنسى من الذين يعرفهم أو يعرفونه بالانضمام له وعدم الخضوع لحكومة الاستسلام فى «فيشى».


وقد استجاب له بالفعل ثلاثة منهم: الحاكم العسكرى لتشاد، والحاكم العسكرى فى الكونجو الفرنسية (برازفيل )، والحاكم العسكرى للكاميرون.


وذهب «ديجول «لإفريقيا، وعاد ليعلن منها تكوين «لجنة الدفاع الإمبراطورى «وانضمامها «لحكومة فرنسا الحرة».


وظل ديجول ينسق المقاومة من داخل المستعمرات الفرنسية فى المغرب العربى وسوريا ولبنان.


وفى عام ١٩٤٤ كانت خطة تحرير أوربا بالنزول على شواطئ النورماندى فى فرنسا جاهزة وفق العملية العسكرية «أوفر لورد».


وهنا طلبت قيادة «أيزنهاور» القائد العام لجيش الحلفاء من الجنرال ديجول طلبين:


الأول تنشيط حركة المقاومة الفرنسية خلف خطوط الألمان.


الثانى: تسجيل بيان بصوت ديجول للشعب الفرنسى يذاع لحظة إنزال القوات الأمريكية، يحث فيه الشعب أن يهب لمقاومة الألمان.


ووافق الجنرال ديجول ووضع شروطا ثلاثة للموافقة: أن يطلع وأركان حربه على الخطة العسكرية الخاصة بتحرير فرنسا، وأن يتضمن الأمر اليومى للجنرال «أيزنهاور» ساعة بدء العمليات إشارة واضحة إلى دور فرنسا كحليف مساو ومشارك للحلفاء فى الحرب، وأن تكون أول قوات تدخل باريس لتحريرها بقيادة لواء فرنسى مدرع يقوده مساعده الجنرال «لوكليرك».


وعندما أرسلت تلك الطلبات للرئيس الأمريكى «روزفلت» فى واشنطن، كانت تعليقه عليها: «هذا الرجل ديجول أصابه مس من الجنون على وجه اليقين».


وتعليقى على طلباته هو طرده فورا، وأن تبحثوا عن جنرال آخر يكون عاقلا وواقعيا يحل محله!


وعندما وصل هذا الرد لأنتونى أيدن وزير خارجية بريطانيا، كتب لرئيس وزرائه «ونستون تشرشل»: «لسوء الحظ، لقد فاتت الفرصة لمثل هذا الإجراء، فغالبية الفرنسيين لا يعرفون الآن سوى ديجول، وأى تغيير فى تركيبة حكومة «فرنسا الحرة» سوف يحدث ارتباكا فى خطط تحرير أوربا، من الأفضل أن تسير الأمور كما هو مقدر لها، وبعدها نرى ما يمكن عمله)! محمد حسنين هيكل.. السياسة بين الحلم والإرادة.. وجهات نظر).


وتحررت فرنسا، وتحررت باريس على يد القوات الفرنسية وهرع «ديجول» وقواده العسكريون فى موكب حاشد من ميدان الكونكورد عبر شارع «الشانزليزيه» وسط تقاطع ميدان «الإتيوال» وقوس النصر.


كان ديجول ساعتها، قد حقق حلمه المستحيل ووضع إرادة فرنسا على كتفه، ولم يجنح للمستحيل أو الخيال بدون حسابات غير واقعية، ولم يسقط فى «الواقعية الذليلة «كما فعل» الماريشال بيتان».


ومن مفارقات التاريخ أن الجنرال «شارل ديجول» كان هو الرجل الذى استدعته فرنسا للمرة الثانية لينقذها من التفتت والنزاعات الداخلية عام ١٩٥٨ وبعد أن تهددت الدولة بالانقلابات العسكرية بسبب حرب الجزائر.


وللمرة الثانية يستجيب «الجنرال «لإرادة شعبه، ويقود أمته مرة أخرى كرئيس للجمهوية من (١٩٥٨ – ١٩٦٨) ويفك عنها أرثها الاستعمارى فى الجزائر وغيرها، بشجاعة رجل أدرك منطق العصر والتاريخ والجغرافيا.


خاتمة


كل هذا الحديث الطويل فى التاريخ مطلوب وحيوى لكل الذين لا يرون إلا تحت أقدامهم فقط.


فالتاريخ له منطق معروف أو يمكن معرفته.


فالفرد يكتسب دوره فى التاريخ من منطق محدد:


أولا: حاجة أمته وشعبه له خصوصا فى لحظات الخطر والانكسار.


ثانيا: أن استجابته «الغريزية» لنداء الواجب الوطنى تسبق إحساسه بالخطر أو الخوف.


ثالثا: أن مواهبه الفطرية تتفتح من خلال التجربة والاحتكاك بالعالم عبر عملية معقدة من التأثر والتأثير.


رابعا: أن شجاعته وجسارته الفطرية ترتبط بعقلانية «حالمة» تحسب حسابات دقيقة لاختراق الأزمة والنفاذ منها دون أى حسابات لمكاسب شخصية.


خامسا: أن تتجسد إرادته وإرادة شعبه فى لحظة واحدة فيعبر به ومعه الأخطار ويجترح الأهوال.