مطلوب فى العامين المقبلين من ولاية الرئيس: ثورة ثقافية لإعادة صياغة الوجدان المصرى

01/06/2016 - 10:47:15

بقلم - أسامة عفيفى

فى كتابه «مذكراتى فى السياسة والثقافة» يقول الدكتور ثروت عكاشة: قال لى عبد الناصر عند تكليفى بمهام وزارة الثقافة: مهمتك هى تمهيد المناخ الثقافى لإعادة صياغة الوجدان المصري.. وتذكر أن بناء المصانع سهل.. ولكن بناء الإنسان صعب جدا!


بهذه العبارة الموجزة الواعية لطبيعة المرحلة التى كان يمر بها الوطن عام ١٩٥٨ عندما تولى ثروت عكاشة وزارة الثقافة بدأ الرجل يضع ملامح السياسة الثقافية لمصر ليستكمل جهود فتحى رضوان الذى استقال من الوزارة بعد خلافات مع بعض مفكرى البعث السورى فى بداية دولة الوحدة. وهو على وعى بطبيعة المرحلة الثورية واهدافها الساعية لبناء المجتمع الجديد وتأسيس دولة حديثة تحقق إنسانية الإنسان.


فالمعروف ان مجتمعات مابعد الثورات فى العالم كله تشهد صراعات قيمية بين القديم والجديد على المستوى الطبقى والاجتماعى والأخلاقى والثقافي.


فالقوى التقليدية والرجعية تحاول دائما أن تتمسك بمكاسبها ومميزاتها القديمة وتفرض قيمها وثقافتها لتسلب وعى الجماهير العريضة بنشر الخرافة واللاعقلانية فى مواجهة الحداثة المجتمعية التى إن تحققت فقدت مكانتها ونفوذها ,وبناء الدولة الحديثه نفسه لابد أن يقوم على بناء انسان قادر على قيادة هذة الدولة متسلحا بالمعرفة والعلم والعقل . وكما قال عبد الناصر إن بناء المصانع سهل لكن بناء الانسان نفسة من أصعب الأمور . لأن تنمية الوجدان الإنسانى عملية معقدة تتطلب وضع سياسات ثقافية ثورية وعلمية تستهدف نشر الوعى والعقلانية والمعرفة فى مواجهة الخرافة والجهل والتواكل والأنانية وتأسيس قيم تعلى من شأن العمل والعقل والعلم, قيم جديدة تواجه قيم المجتمع القديم بفسادة وطبقيته وتخلفه لتؤسس دولة الشفافية والعدالة الاجتماعية والحداثة , فالحداثة فكر وسلوك ومنهج قبل أن تكون تكنولوجيا وتقنيات.


وإذا كان وضع هذة السياسات الثقافية ضروريا فى مصر الخمسينيات بعد انتصار ١٩٥٦ وتأميم قناة السويس واقامة دولة الوحدة بين مصر وسوريا فهو أكثر ضرورة الآن . بعد أربعين عاما من تجريف العقل العربى الذى صاحب سياسات الانفتاح الاقتصادى وما بعدها طوال عهد مبارك الذى قام على تسييد ثقافة التساهل والتسلية والثقافة الكرنفالية الإحتفالية التى تهدف إلى خلق حالة من الصهللة الثقافية لا تقدم وعيا بل تقدم كما من الفعل الثقافى بلا كيف فضلا عن هيمنة المتأسلمين على الوعى الشعبى وتسييد الخرافة والتطرف والتمييز الطائقى بالإضافة الى تسلل مفاهيم الحداثة الشكلانية التى صاحبت مفاهيم العولمة والتى تستهدف تحويل الإنسان الى مستهلك صالح بلا وعى فيصبح مجرد مستهلك كسول يعيش كما تريد له الشركات عابرة الجنسية فتنمحى خصوصيتة ويفقد هويته ويطمس وجدانة لصالح الرأسمالية الشرسة .


لذا ففى إطار مشروع بناء الدولة الحديثة الذى سعى الية السيسى منذ أول لحظة لتولية القيادة بعد انتخابه لابد من التوقف قليلا لإلتقاط الأنفاس والشروع فى الإعداد لثورة ثقافية حقيقية تعيد تشكيل الوجدان المصرى الذى شوهتة مؤسسات الفساد والخرافة لأن المجتمع الجديد لا يبنيه إلا إنسان جديد . إنسان يشعر بالإنتماء لوطنه ومجتمعه ويفخر بمصريته وعروبته و يعرف كيف يستخدم عقلة بمنهجية ويعى دور العلم فى التقدم ويؤمن بقيم البناء والعمل.


والحقيقة أن الأمر الآن شاق بل هو أكثر مشقة وتعقيدا من أيام بدايات ثروت عكاشة التأسيسية وذلك لأن الرجل كان معه عمالقة من المثقفين المؤمنين بدور الثقافة فى المجتمع ومارسوا دورهم فى نشر الثقافة العقلانية التقدمية قبل ثورة يوليو و وهبوا افكارهم وابداعاتهم الجميلة للانسان المصرى وللقارئ العام ليس فى مصر وحدها بل فى الوطن العربى من المحيط الى الخليج فضلا عن المناخ العام المحب للعلم والوعى والثقافة والفنون الذى كان سائدا منذ الاربعينيات حتى الستينيات


بل أن ثروت عكاشة ورث مؤسسات فاعلة وجادة من سلفه فتحى رضوان واكبت معارك الوطن فى ٥٦ وتشكلت فى أتون المعركة القومية بإمتياز لكننا ورثنا مؤسسات انهكتها البيروقراطية والفساد بل لقد تغلغل فيها فكر الخرافة والمتأسلمون أعداء الثقافة عبر سنوات وسنوات الأخطر وهو الذى أرى أنه التحدى الأكبر للثورة الثقافية القادمة هو فلسفة العمل الثقافى لمؤسسات الدولة نفسها والتى حرفت وزارة الثقافة نفسها عن أهدافها الأصلية التى أسست لتحقيقها فى الستينيات


فلقد كان الهدف الأساسى من الوزارة سواء فى عهد فتحى رضوان أو فى عهد ثروت عكاشة هو تقديم المعرفة والفنون والإبداع للشعب ليس فى مصر فقط بل للشعب العربى فى كل مكان ولكن هذا الهدف تحول تماما فى عهدى السادات ومبارك لتصبح الوزارة ملاذا آمنا للمثقفين ومؤسسات لتدجينهم فتتحول مثلا أهداف الثقافة الجماهيرية من نشر الثقافة والمعرفة بين المواطنين خارج العاصمة الى دعم مواهب الأدباء والمبدعين ونشر ابداعاتهم. وتنظيم مئات المؤتمرات التى تناقش أعمالهم لا يحضرها الا أصحاب هذه الأعمال وذويهم لإلتقاط الصور التذكارية.


ويتحول مشروع التفرغ من مشروع لرعاية الإبتكار الثقافى الى مشروع للرعاية الإجتماعية لبعض الأدباء والفنانين ! ويصبح دور مؤسسات النشر هو تحقيق العدالة فى النشر بين المؤلفين بغض النظر عن تكدس ماينشرون فى المخازن ويصبح دور المجلس الأعلى للثقافة هو تنظيم الندوات والمؤتمرات ومنح الجوائز ويتنازل عن دورة فى التخطيط للثقافة الوطنية ويتحول الى مجلس استشارى لا قيمة لتوصياته التى توضع دائما فى الأدراج وهكذا تحولت الوزارة بمؤسساستها من وزارة للثقافة الى وزارة للمثقفين دورها رعاية النخبة ولا تقدم للمواطن العادى الا الفتات .


لذا فإن الثورة الثقافية القادمة التى ينبغى ان يطلقها الرئيس السيسى فى الفترة القادمة من ولايته لابد أن تعيد وزارة الثقافة الى اهدافها وفلسفتها الحقيقية كوزارة تستهدف نشر الوعى والعقلانية والفنون بين أبناء الشعب وهذا يعنى فى علوم الإدارة الحديثة تثوير المؤسسات الثقافية وتحديثها وإعادة هيكلتها واعداد قادتها ليقوموا بدورهم الحقيقى فى إعادة تشكيل الوجدان وهذا يتطلب إصدار قانون جديد للمجلس الأعلى للثقافة يعيد إليه صلاحياته التخطيطية والتنسيقية الملزمة بين الوزارات المعنية بالثقافة , وعندما يصدر هذا القانون يدعو المجلس لمؤتمر موسع لمثقفى المحروسة لمناقشة السياسات الثقافية الستقبلية للوطن تماما كالمؤتمر التأسيسى الذى عقده ثروت عكاشة فى مارس ١٩٥٨ بدار الأوبرا وأستمر لمدة أسبوع كامل وحضره كتاب مصر وفنانونها جميعا لرسم السياسات الثقافية التى وضعت الوزارة على ضوئها الخطة الثقافية التى ناقشها مجلس الأمة فى ذلك الوقت و نفذتها الوزارة حتى عام ١٩٦٦ ,


الخطوة الثانية على طريق الثورة الثقافية وهى لا تقل أهمية عن الأولى تتلخص فى ضرورة تطوير معهد إعدادالقادة الثقافيين لتدريب القيادات الثقافية على أحدث أسليب العمل الثقافى الحديثة وإلزام قيادات وزارة الثقافة بإجتياز دورات المعهد وعدم ربط هذة الدورات بالترقية كما هو حادث الآن ووضع برامج لاعادة التدريب واعادة تأهيل القيادات بحيث يصبح التدريب واعادة التدريب والتاهيل منهجًا سائدا لتحديث الأداء الثقافى ومتابعة التطورات العلمية العالمية فى نظم الإتصال الثقافى ومواكبة التطورات التكنولوجية فى علوم الإتصال واستخدامها فى نشر المعرفة والثقافة والفنون .


الخطوة الثالثة تتعلق باصدار قانون تحرير المطبوعات المصرية والمجلات الثقافية من معوقات تصديرها للوطن العربى والسماح للمؤسسات الثقافية بتحويل مستحقات الكتاب العرب بالعملات الأجنبية لأن الوطن العربى ينتظر المطبوعات المصرية التى تحجبها عنه تلك القوانين التى وضعت بعد أن تخلت ادارة السادات عن دور مصر الريادى فى الثقافة العربية . والكتاب العرب يريدون ان ينشروا انتاجهم للقارئ العربى فى مصر.


إن تحرير المطبوعات المصرية من قيود البيروقراطية سيعيد الدور الثقافى المصرى الى سالف عهدة وهو أمر لو تعلمون عظيم.


إن الثورة الثقافية المنتظرة لا تقل أهمية عن تحديث الدولة المصرية ومعركة الثقافة لا تقل أهمية عن معركة التنمية المستقلة بل إننى ممن يرون أنه لا توجد تنمية حقيقية بدون تنمية ثقافية شاملة ولا يوجد تحديث حقيقى بدون تحديث للثقافة ولا يوجد بناء حقيقى للمجتمع بدون بناء الوجدان الإنسانى من جديد.