رئيس مختلف.. فى زمن مختلف.. مع إعلام مختلف!

01/06/2016 - 10:45:35

بقلم - حمدى الكنيسى

لايختلف اثنان مهما باعدت بينهما الاتجاهات والانتماءات - على أنه «رئيس مختلف» فى «زمن مختلف».. مع «إعلام مختلف»، فالرئيس عبدالفتاح السيسى الذى أحاطت به منذ قام بدوره الوطنى التاريخى دعمًا مباشرا لثورة يونيه تحليلات وتفسيرات متباينة فقالوا إنه نسخة جديدة من جمال عبدالناصر، وقالوا إنه امتداد للسادات الداهية، لكنه سرعان ما قدم صورته الحقيقية فلا هو نسخة من «الزعيم عبدالناصر» الذى يحمل هو له كل الإعزاز والإعجاب والتقدير، ولا هو «السادات» الذى يحمل له الاحترام والتقدير كبطل للحرب والسلام.


صحيح أن الخلفية العسكرية تجمع بينه وبين عبدالناصر والسادات، وحتى مبارك، إلا أنها لاتعدو أن تكون مجرد عنصر تشابه فى الثقافة العسكرية التى تدرك معنى الحرب ومعنى السلام، بينما توجد عناصر أخرى كثيرة.. كونت شخصيته المستقلة «المختلفة» خاصة بما يفرضه اختلاف الظروف المحيطة، والتطورات المتسارعة.. فالزمن غير الزمن.. والواقع الوطنى والقومى والإقليمى والدولى مختلف كل الاختلاف، وحيث إننى لست بصدد حصر أوجه ومظاهر الاختلاف بين السيسى وعبدالناصر والسادات، فإننى سأتوقف أمام جانب واحد فقط وهو «الإعلام»، ولعلنا نتذكر كيف قال السيسى فى إحدى المناسبات ما معناه أنه «يغبط الزعيم عبدالناصر على مساندة الإعلام له ودعمه لقراراته ومواقفه».. قالها السيسى فانطلق المتربصون من أعداء الداخل والخارج فى تفسيرات وتأويلات لما حملته تلك الكلمات التى صدرت عنه بتلقائية وشفافية لم تتجاوز إطلاقا رغبته فى أن يقوم الإعلام بدوره المنوط به فى عرض وإبراز الإنجازات العديدة، وكشف المؤامرات والتحديات التى تواجهها مصر عقب نجاح ثورة يونيه، والإطاحة بالنظام الفاشى الذى كشف انعدام الصلة بينه وبين الوطن، بل كشف انعدام العلاقة بينه وبين صحيح الدين! والذى لن تتوقف مؤامراته بالتنسيق مع الخارج.


وقد كان الرئيس السيسى محقا تماما عندما لاحظ الفارق الهائل بين «إعلام عبدالناصر» الذى واكب وأبرز قراراته ومواقفه، وما منحه الله من «كاريزما» لا مثيل لها ساهمت فى جعله زعيما دوليا، وما يراه هو من الإعلام حاليا.


من جهة أخرى كان إعلام الدولة «الإعلام الرسمى» هو الوحيد على الساحة وكان لعبد الناصر - شخصيا - الفضل فى إنشاء التليفزيون بقنواته المحدودة إلى جانب تطوير الإذاعة.. كيفًا وكمًا.


وهكذا يختلف الواقع الإعلامى بين زمن عبدالناصر والسادات، وزمن السيسى حيث خلقت «تكنولوجيا الاتصال الحديثة»، و»أقمار الفضاء العديدة» فرصا بلا حصر لانطلاق القنوات والإذاعات الخاصة، والمواقع الإلكترونية الخاصة جدا جدا.. لتعمل كلها وفقا لأجندات أصحابها، حيث غلبة المكسب المادى والمعنوى على أى هدف وطنى وقومى، إلى جانب ما أتاحه الإعلام الخاص لمن لايملكون معايير المهنية الحقيقية فانزلق بعضه إلى الفوضى والانفلات والعشوائية فى الوقت الذى تراجع فيه أداء الإعلام الرسمى تحت وطأة الأعباء المادية .وتراجع الدقة والموضوعية فى اختيار القيادات المبدعة التى تعرف كيف تطلق إمكانيات وطاقات المذيعين والمخرجين وعناصر العملية الإعلامية، فاتجه بعضهم إلى الإعلام الخاص أو الخارجى، وانطوى البعض الآخر على أنفسهم، ولم ينجح الإ عدد قليل منهم فى اختراق ذلك الواقع، ليحققوا نجاحات جيدة تاهت وضاعت وسط حملات الدعاية المكثفة التى يطلقها الإعلام الخاص لبرامجه ومذيعيه.


ولأنه - كما قلنا - «مختلف» ومدرك بعمق للمتغيرات الجوهرية التى أحدثتها ثورة يناير وثورة يونيه، لم يفكر لحظة واحدة فى اتخاذ موقف صارم إزاء التجاوزات والأخطاء والخطايا التى أصابت القنوات والصحف والإذاعات، ومن ارتباطه العميق بالديمقراطية وحرية التعبير لم يجد إلا أن «يشكو الإعلاميين للشعب» وقد دفعتنى شخصيا هذه الشكوى إلى أن أقول فى إحدى مقالاتى «الرئيس يشكو فمن إذن بيده الحل؟!»، والحل موجود ومتاح وهو ضرورة قيام «نقابة الإعلاميين» التى تملك وحدها حق إصدار «ميثاق الشرف الإعلامى» و»مدونة السلوك المهنى» مثلما تملك حق متابعة ومساءلة من لا يلتزم بالميثاق والمدونة، ومن يفقد بوصلة الأداء المهنى الوطنى، هذا إلى جانب بقية المنظومة الإعلامية التى نص عليها «دستور ٢٠١٤» متمثلة فى «المجلس الوطنى للإعلام والصحافة»، و»الهيئة الوطنية للإعلام المرئى والمسموع والإلكترونى»، و»الهيئة الوطنية للصحافة الورقية والرقمية» وبالمناسبة كان الرئيس السيسى هو شخصيا الذى دعا الإعلاميين والصحفيين إلى وضع مشروعات القوانين الخاصة بالمنظومة الإعلامية الجديدة، احتراما للدستور، واحتراما للإعلاميين، ومع ذلك لم تتحرك الأجهزة التنفيذية لإقرار هذه القوانين بالسرعة الواجبة وضاع وقت كثير تصاعدت فيه أخطاء الإعلام وخطاياه، التى أربكت مسيرة الشعب بل خلقت انشقاقات ليس فقط فى الشارع بل داخل الأسرة ذاتها، بل إنها دفعت بعض الذين شاركوا فى «ثورة يناير» وحتى «ثورة يونيه» إلى منزلق «المعارضة الهوجاء» التى وضعتهم مع الجماعة الإرهابية فى خندق واحد ضد الدولة من جهة أخرى أدت أخطاء الإعلام إلى الإساءة لصورة مصر واستغلها الأعداء كمبرر ليواصلوا تآمرهم وعداءهم.


وهكذا بدلا من أن يكون الإعلام دعمًا وسندًا للوطن صار خنجرا فى ظهره، وذلك باستثناء القلة التى التزمت بالمهنية والرسالة الوطنية وإن كان صوتها خافتا وسط ضوضاء الإثارة والفوضى لبرامج الآخرين.


وإدراكا لجوانب وأبعاد هذا الواقع الإعلامى، أضاف الرئيس لنفسه مهمة «الإعلامى» وذلك بتوضيح صورة مصر الحقيقية، فاستثمر زياراته وجولاته الخارجية فى حواراته وخطبه وإجاباته فى المؤتمرات الصحفية فى الدول التى زارها ليؤكد نجاح مصر فى استكمال «خارطة الطريق»، وتحركها الواثق على طريق البناء والتنمية والديمقراطية، كما نجح فى استقطاب اهتمام رجال الأعمال والمستثمرين الأجانب بما عرضه ويعرضه من فرص رائعة للاستثمار دون أية معوقات، وكرئيس «إعلامى» انتزع تقدير الأعداء قبل الأصدقاء لدور مصر فى محاربة الإرهاب، ورؤيتها لتصحيح الخطاب الدينى.


وعلى المستوى الداخلى لم يترك الرئيس فرصة واحدة دون أن يتحدث إلى الشعب موضحا بالأرقام والحقائق الثابتة حجم الإنجازات والمشروعات التى يحاول البعض التعتيم عليها أو تشويه نتائجها المتوقعة، كما يؤكد على ضرورة وحدة الصف الوطنى..، وكثيرا ما يتجه إلى الارتجال الذى يكون له أحيانا فعل السحر خاصة لدى الفئات الشعبية.


وحيث إن الرئيس السيسى الذى يعمل ليل نهار لديه أعباء ومسئوليات كثيرة لن يتفرغ للدور الإعلامى وحده وحيث إنه لابديل عن استعادة الإعلام لتوازنه ودوره الوطنى ورسالته الإنسانية، فإننا نرى أنه لابديل عن الإسراع بعرض قوانين المنظومة الإعلامية الجديدة على «مجلس النواب» وفى المقدمة منها «قانون نقابة الإعلاميين» التى تعتبر رأس الحربة لهذه المنظومة، كما أن إعلام الرئاسة - وإعلام الحكومة والوزارات المختلفة مطالب بدور أكبر وأداء أسرع وأعمق، كما أن السفارات والمكاتب الإعلامية مطالبة هى الأخرى بتحرك أسرع وأكثر إدراكا لمفهوم وأسلوب مخاطبة الرأى العام الأجنبى سواء بالبيانات والمؤتمرات الصحفية أو من خلال العلاقات مع وسائل الإعلام فى الدول المختلفة كعلاقات مباشرة أو من خلال شركات العلاقات العامة التى يمكن - من خلالها - التواجد فى وسائل الإعلام حتى المعادية !


هكذا «بإعلام مختلف» عما نراه الآن، يحقق «الرئيس المختلف» فى «زمننا المختلف» ما نتمناه لمصر الغالية، مهما كانت التحديات والمؤامرات الخارجية والداخلية.