سيناء والسيسى وعامان من الإنجازات

01/06/2016 - 10:11:13

لواء. نصر سالم أستاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا

مازال يتردد فى أذنى التهديد الصادم الذى انطلق من ميدان رابعة العدوية بعد ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ ومن داخل الحشد الإرهابى لتنظيم الإخوان، على لسان أحد أقطابهم الإرهابية “محمد البلتاجى” وهو يقول: “إن ما يحدث فى سيناء سوف يتوقف فى نفس اللحظة التى يعلن فيها عبدالفتاح السيسى الإفراج عن محمد مرسى”.


إن كل من سمع هذا التهديد أحس وكأن سيناء مختطفة ورهينة فى يد هذا التنظيم الإرهابى.


سيناء التى روت دماؤنا تراثها وكل حبة رمل فيها تحدثك عن شهيد مازالت أنفاسه تتردد صداها.


سيناء التى احتضنتها عناصر استطلاعنا بعد أمر الانسحاب المذرى الذى ألصق بجيشنا هزيمة لا يستحقها وأهدى عدونا نصراً لا يستحقه فى الخامس من يونيه ١٩٦٧. وبقيت عناصر الاستطلاع فى سيناء لم تغادرها، بل عششت فى جبالها مثل الطير فى أعشاشها، فى ملاصقة صارمة للعدو طوال أعوام ستة، حتى استقبلت جحافل جيشنا وهى تعبر القناة يوم السادس من أكتوبر ١٩٧٣ مزلزلة حصون العدو وكيانه فى ساعات ست حسمت ما تلاها من أعمال قتال جعلته يطلب الركون إلى التفاوض بدل القتال وإعادتها كاملة لنا فى عزة وإباء.. سيناء التى سهرنا فيها ليالى لم يغمض لنا جفن.. وجبناها من أقصاها إلى أقصاها سيراً على أقدامنا لم يثننا فيها جبل ولم يرهبنا بطش عدو يتربص بنا فى الدروب والوديان.. بل عشنا بين أحشائه نسمع نبضه ونتابع خلجاته لحظة بلحظة، ولم يشعر بنا ولم يعثر علينا رغم كل ما كان يفعله بحثاً عنا مستخدما كل إمكاناته الفنية والبشرية.


كم رأينا من جود أهلها وإيثارهم لنا وصبرهم على أذى عدوهم وعدونا الذى لم يثنهم لحظة عن واجبهم وتضحياتهم.. لقد كانت بيننا وبينهم حكايات وحكايات.. وسوف يحين الوقت لقصها كى لا تنساها الأجيال.


فجأة يطلع علينا خيال مريض ليعلنها رهينة بين يديه، يقتل أبناءها ويستبيح أرضها والمفاجأة كانت فقط فى هذا الإعلان الغث، ولم تكن فيما دبرته هذه الجماعة مع جهات معادية خططت للاستيلاء على سيناء بالغدر والخيانة بعد أن فشلت فى ذلك بالمواجهة والاعتداء، بدءاً من خطة تبادل الأراضى التى أعدها مستشار الأمن القومى الإسرائيلى الجنرال “جيورا آيلاند” التى تقضى بتبادل الأراضى بين كل من مصر وإسرائيل وفلسطينى حماس، بأن تعطى مصر لإسرائيل مساحة من أرض سيناء قدرها ٧٢٠كم٢ تساوى تلك المساحة من الأرض التى استولت عليها إسرائيل من الضفة الغربية، مقابل إعطاء إسرائيل لمصر قطعة من الأرض مساحتها ٢٥٠ كم٢ من صحراء النقب، بعدها تقوم إسرائيل بتسليم هذه الأرض المصرية إلى فلسطينيى حماس لضمها لقطاع غزة بدلاً من الأرض التى استولت عليها من الضفة الغربية، وبهذا تعلن قيام الدولة الفلسطينية عليها ويتم حل القضية وإقامة الدولتين.


وعندما رفضت مصر هذا العرض فى بداية القرن الواحد والعشرين، بدأ الإرهاب يدب فى سيناء من جنوبها إلى شمالها، ومازالت أصوات الانفجارات التى بدأت فى فندق طابا عام ٢٠٠٤ وما تلاها من شرم الشيخ فى يوليو ٢٠٠٥ ثم دهب فى ٢٥ إبريل عام ٢٠٠٦، وبعد فشل هذا كله، قامت إسرائيل بما أسمته عملية “الرصاص المصبوب” على غزة فى الفترة من ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٨ إلى ١٨ يناير ٢٠٠٩ للضغط على الفلسطينيين للنزوح الجماعى إلى داخل سيناء، ولكن مصر والفلسطينيين أنفسهم فوتوا الفرصة على إسرائيل وأمريكا وحماس وأفشلت خطتهم.


وبعد عناد طويل من جانب مصر ورئيسها مبارك، كان الحل الأمريكى هو اللجوء إلى جماعة الإخوان، فى صفقة حلم بها الإخوان طويلاً، وهى الوصول إلى سدة الحكم فى مصر مقابل تنفيذ خطة تبادل الأراضى.. بل تحقيق حلم إسرائيلى هو إعلان إسرائيل “دولة يهودية” خالصة العرق، بعد أن يسهل عليها الإخوان ذلك بإعلان شبه جزيرة سيناء إمارة إسلامية داخل دولة الخلافة الإخوانية.


وجاء الإخوان ومهدوا الأرض بتجميع كل الإرهابيين الذين كان يطلق عليهم المجاهدون، من كل الأماكن التى حوتهم فى أفغانستان وغيرها ليلتقوا مع من أطلق الرئيس الإخوانى “مرسى” سراحهم من سجون مصر ومن عبر إليهم من أنفاق غزة من منظمة حماس - وبدأت المؤامرة تنسج خيوطها دون وجل أو حياء.


لقد كان إعلان الإخوانى “محمد البلتاجى” من ميدان رابعة العدوية مستنداً على مخطط هو يعلمه، وواقع لم يكن موجوداً إلا فى خياله.


لقد استخدم الإخوان هذه العصابات الإرهابية الوافدة على سيناء بعد قيام ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ للضغط على المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى الفترة التى كان يدير فيها شئون البلاد، فكانت أى تفاهمات بينهم وبين المجلس العسكرى تنتهى إلى حل لا يرضيهم يتبعها مباشرة عملية إرهابية أو أكثر فى سيناء ضد أى نقطة من نقاط الشرطة أو القوات المسلحة أو تفجير خط الغاز الواصل بين مصر وإسرائيل أو مصر والأردن.


وبعد وصول الرئيس الإخوانى مرسى لحكم مصر، لم يجد سبيلا إلى التخلص من المشير طنطاوى إلا بعملية غاية فى الخسة والخيانة، بتدبير اغتيال عدد من جنودنا على خط الحدود فى سيناء أثناء الإفطار فى شهر رمضان المعظم على يد جماعة أنصار بيت المقدس الإرهابية بالتعاون مع حماس، ولا ينسى أحد من المصريين ذلك التوجيه السياسى، الأغرب من الرئيس الإخوانى “مرسى” للقوات المسلحة بالمحافظة على حياة الخاطفين والمخطوفين.. عندما قامت إحدى جماعات الإخوان الإرهابية فى سيناء باختطاف عدد من جنودنا، لاتخاذه ذريعة للتخلص من وزير الدفاع وقتها “الفريق أول عبدالفتاح السيسى” كما حدث مع المشير طنطاوى من قبل - ولكن عندما نشطت القوات المسلحة وكادت تقضى على الإرهابيين، كان توجيه مرسى وقتها بالحفاظ على حياة الخاطفين قبل المخطوفين، ولكن الله سلم وانقلب السحر على الساحر وأفرج الخاطفون عن الجنود لينجوا هم بحياتهم.


لقد تقلد “السيسي” الحكم وسيناء يملؤها الإرهاب، بل يتخيل الإرهابيون فيها أنهم اختطفوها وأسروها.


إن الهدف الحقيقى الذى تسعى إليه تلك المنظمات الإرهابية فى سيناء هو إخلائها وتمهيدها لنزوح الفلسطينيين إليها.. ومن وراء هذه المنظمات دول أخرى لها مصلحة تسعى إليها فى المنطقة.. جعلها تقوم بإمداد هذه المنظمات الإرهابية بالسلاح والمعلومات والتكنولوجيا.. وصاحب ذلك كله عوامل مساعدة للإرهاب مثل:


ضعف الثقافة الدينية، والدعاوى المضللة، واستهداف الإرهابيين لكل من يتعاون مع الأجهزة الأمنية.. والإخفاء والخداع الذى توفره الملامح واللبس واللهجة السيناوية والإغراءات المالية للمتعاونين مع الإرهابيين، وحد من قدرة القوات المسلحة على سرعة حسم المعركة مع الإرهاب خوفها من تعرض المدنيين الأبرياء للخسائر.


ولكن عوامل النجاح كانت دائماً هى التى تحسم الموقف ضد الإرهاب مثل: توفر الإرادة السياسية للقضاء على الإرهاب والذى خصص القدر الكافى من القوات والإمكانات العسكرية لذلك الهدف، بالإضافة إلى التعاون والرغبة الحقيقية للسيناويين فى التخلص من الإرهاب.


إن الموقف الأمنى فى سيناء الآن وبعد عامين وأكثر من العمل الجاد والمتواصل للقضاء على الإرهاب - قد تغير كثيراً - فبعد الهجمات الكثيفة بالقدرات القتالية العالية للإرهابيين على كرم القواديس ثم مدينة الشيخ زويد والعديد من نقاط الارتكاز الأمنية لم يعد يسمع للإرهاب إلا صوت العبوات المتفجرة من هنا وهناك ولكنها قليلة رغم تعرض البعض من أبناء القوات المسلحة والشرطة للشهادة من جرائها مع استمرار عملية حق الشهيد فى العمل المتواصل دون سقف زمنى لها إلا تمام تطهير سيناء من الإرهاب.


إن كل هذا الخطر الذى اندلع فى سيناء تحقيقاً لأطماع عدة لم يثن القيادة المصرية المخلصة وعلى رأسها رجل الإنجازات عبدالفتاح السيسى من الانطلاق فى إعمار سيناء بتلك السرعة والكثافة التى لا تنكرها إلا عين حاسد أو حاقد بدءا من مشاريع البنية التحتية إلى المشاريع الاستثمارية والاقتصادية.


- ففى مجال الطرق لم يتم الاكتفاء بما هو موجود فى سيناء بعد تحريرها من شبكة طرق بلغ طولها ١١» ألف كم« فهناك انطلاقة كبرى فى رفع كفاءة هذه الطرق وازدواج نسبة كبيرة منها مثل طريق نفق الشهيد أحمد حمدى - طابا . والطريق الساحلى عيون موسى - شرم الشيخ - طريق الإسماعيلية العوجة - وتطوير الطريق لعرض رقم ١ ليكون عدد ٦ حارات من بور فؤاد إلى السويس - وإنشاء طريق محور التنمية جنوب بئر العبد فى شمال سيناء - أيضا محور الجدى فى وسط سيناء، ثم الأنفاق الستة الجارى إنشاؤها أسفل قناة السويس، منها ثلاثة أنفاق جنوب بورسعيد وثلاثة جنوب الإسماعيلية لإنهاء العزلة القسرية لسيناء عن وادى النيل إلى غير رجعة، وخاصة إذا أضيفت لسابقتها من نفق الشهيد أحمد حمدى وكوبرى السلام وكوبرى الفردان (للسكة الحديد).


- وفى مجال الإسكان فإن نسبة المساكن التى أنشئت والجارى إنشاؤها فى سيناء بالنسبة لتعداد السكان تفوق مثيلتها فى وادى النيل بمراحل عدة، فهذه مدينة العريش تتم إنشاء ٥٠٠٠ (وحدة سكنية) ومثلها فى جنوب سيناء . وجار إنشاء ١٣ تجمعاً بدوياً كل تجمع عبارة عن ١٠٠ بيت بدوى + ٥٠٠ إلى ١٠٠٠ فدان من الأرض الزراعية - بالإضافة إلى ١٧ تجمعاً آخر جار استكمالها شمال وجنوب سيناء . إضافة إلى المدن المليونية الثلاث بورسعيد الجديدة والإسماعيلية والسويس الجديدتين.


- وفى مجال الرعاية الصحية فلم تعد هناك مدينة واحدة فى سيناء إلا وفيها مستشفى مركزى من العريش إلى رفح إلى بئر العبد إلى نخل إلى رمانة فى شمال سيناء ثم الطور ودهب، وشرم الشيخ فى جنوب سيناء - إضافة إلى ٢٣ وحدة صحية ومركز طبى على امتداد قرى سيناء كلها .


أما عن المشاريع الاستثمارية فإن تنمية محور قناة السويس كلها تقع على أرض سيناء وكلها مشاريع واعدة فى شتى المجالات يقدر نصيب مصر من صافى دخلها سنويا بمائة مليار دولار، هذا بخلاف المزارع السمكية التى تقام فى أحواض الترسيب على الجانب الشرقى للقناة وبحيرة البردويل التى أعيدت لها الحياة لتشكل مصدرا رئيسياً لتوفير الأسماك للمصريين وأيضا التصدير خارج البلاد .


أما عن الأراضى الزراعية فى سيناء، فهناك بخلاف التجمعات الزراعية فى وسط وجنوب وشمال سيناء - مساحة من الأرض جار استزراعها خاصة بعد إتمام إنشاء سحارة - سرابيوم التى توفر المياه لترعة الشيخ زايد الموازية للقناة وجار إنشاء سحارة المحسمة التى ستمد ترعة السلام فى الشمال بالمياه لاستكمال استزراع حوالى ٤٠٠ ألف فدان .


- وآمل أن تلقى وزارة الزراعة ووزارة الرى وجهاز تعمير سيناء نظرة على ما قدمته من فكرة إنشاء بحيرة صناعية فى منطقة نجل شمال هضبة التيه لتجميع حوالى مليار متر مكعب من المياه تكفى لزراعة وسط سيناء .


أما عما هو واعد لسيناء وتم تخطيطه ليتم التنفيذ خلال العام القادم وما يليه فهو إنشاء جامعة الملك سلمان فى مدينة الطور والتى ستشكل فتحاً علمياً وتعميرياً لسيناء كلها، وخاصة مع جامعة العريش الجارى تطويرها وزيادة أعداد وأنواع الكليات بها .


ثم هناك جسر الخير العابر للقارات وجسر الملك سلمان الذى سيلغى الانفصال القسرى برياً بين الدول العربية فى قارة أفريقيا عن شقيقاتها فى قارة آسيا - هذا الجسر الذى يقدر حجم التجارة التى ستمر من فوقه بمائتى مليار دولار سنويا .. إن شاء الله .