الكيل بمكيالين فى حادث الطائرة المصرية

31/05/2016 - 3:15:47

د. نبيل رشوان متخصص فى الشئون الروسية

لست من هواة التهويل ولا التبرير، أو إلقاء التهم الجزافية أو نظريات المؤامرة أو غيرها من الاختراعات والأسلحة الفتاكة التى لا نعرفها ويعرفها البعض، ويدعى أنها استخدمت هنا وهناك، وأن أمريكا استخدمتها ضد الطائرة أو فى إشعال الحرائق، لماذا لا نقطع إذن علاقاتنا بأمريكا إذا كانت تشعل الحرائق عندنا وتسقط طائراتنا، حيث تعتبر مثل هذه الحوادث إعلان حرب صريح، أنا أرفض كل هذا فى مسألة تحطم الطائرة المصرية والفرضية التى لدىَّ هى واحدة الإرهاب، الذى تحاربه مصر بكل قوتها ويمسح الغرب على رأسه لغرض فى نفس يعقوب.


بداية فيما يتعلق بمصر للطيران، والمطارات المصرية وبدون أى تحيز، لقد سافرت على مصر للطيران كثيراً ومازالت هى الشركة المفضلة لى للسفر رغم ما كان يشوبها أحياناً من عيوب فى الخدمات، إلا أن سفرتى الأخيرة غيرت من وجهة نظرى تماماً وغيرت فكرتى إلى غير رجعة، فمنذ أربعة أشهر أتيحت لى الفرصة من جديد للحضور على مصر للطيران من روسيا عبر اسطنبول، نظراً لانقطاع الرحلات الجوية بين مصر وروسيا، وللحق أقول فوجئت بالتغير المذهل فى كل شىء فى التعامل مع الركاب فى الخدمة فى الأمان فى انسيابية الرحلة نفسها، فى كل شىء كل شىء كانت رحلة طيران ممتعة مكتملة لا يشوبها شىء وكما يقول الكتاب. ونأتى إلى المطارات المصرية التى تلقت درساً قاسياً بعد تحطم الطائرة الروسية فوق سيناء، وأصبح العمل بها والتأمين على أعلى مستوى، بل ويتفوق على بعض المطارات العالمية، قد يكون للبعض تحفظ على هذا المظهر أو ذاك السلوك، إلا أن مسألة الأمن أصبحت على أعلى مستوى.


نأتى إلى حادث الطائرة المصرية الأيرباص ـ ٣٢٠ نلاحظ أن فرنسا صمتت صمت القبور أو صمت من يبتلع الماء ولا يستطيع الحديث، فقد هاج العالم وماج، بعد حادث تحطم الطائرة الروسية فوق سيناء وبادرت روسيا ثم بريطانيا بوقف الرحلات الجوية من وإلى المطارات المصرية، لأن الإجراءات الأمنية كما زعموا سيئة ولا تراعى المواصفات المتعارف عليها وأن المطارات المصرية غير آمنة، وتبع ذلك جوقات من الدول الدائرة فى الفلك، ماذا نقول إذن عن طائرة انطلقت من مطار شارل ديجول الفرنسى، والكل يعلم أن فرنسا تعرضت لحادثتين إرهابيتين قضا مضاجع الفرنسيين، ومع ذلك أعداد كبيرة من مواطنى شمال إفريقيا الذين منهم من قام بالعمليات الإرهابية الأخيرة فى قلب العاصمة الفرنسية باريس، يعملون فى كل المواقع بما فى ذلك المطارات الفرنسية، وذلك فى فرنسا التى تعمل بقانون الطوارئ منذ الحادثة الأخيرة، وكل ما فعلته فرنسا أن فصلت ٢٠ من العاملين فى المطارات من أصول شمال إفريقية، لو كان هناك عدل فى العالم لقطع العالم كله رحلاته الجوية عن المطارات الفرنسية، دولة تتعرض لحادثتين إرهابيتين كبيرتين وفى قلب العاصمة وبها حالة طوارئ معلنة لمكافحة الإرهاب، ثم يأتى الإرهابيون ويضعون قنبلة فى طائرة مصر للطيران المتجهة للقاهرة (لوثبت أن تحطم الطائرة الفرنسية عمل إرهابى، وهى الفرضية القائمة حتى الآن)، وهو فى الغالب كذلك، وكل الشواهد تشير إلى ذلك. ومع ذلك للأسف يأتى أحد الكتاب المصريين ويقول إنه مسافر لباريس (هذا بعد حادث تحطم الطائرة) وأنه يعنى رجلا وطنيا مسافرا على مصر للطيران، ثم يشوه هذا ويقول العمر واحد والرب واحد، وكأن السفر على مصر للطيران مخاطرة وأنه سيذهب إلى باريس، وكان يجب عليه أن يرفض الذهاب حالياً لأن فرنسا ومطاراتها غير آمنة ويعامل الفرنسيين وغيرهم بالمثل كما عاملونا وعاملنا العالم ونعتونا بالإهمال وعدم القدرة على إدارة منشآتنا ويريدون القيام بعمليات تأمين مطاراتنا بما فى ذلك من انتهاك لسيادتنا. أتصور أن مصر لم تصل إلى هذه الدرجة من الهوان، لن نفرط فى سيادتنا مهما حدث.


تعالوا لنرى كيف تعامل العالم معنا بعد تحطم الطائرة الروسية، مع أن السيناريو تقريباً واحد وربما بنفس الطريقة والخطأ الذى وقع فيه مطار شرم الشيخ، ارتفعت الأصوات تطالب بسلخ جلودنا وعمل طبل منها ليقرعوا ويغنوا نشيد مقاطعة المطارات المصرية، والله لقد كان موقف السلطات عندنا أشجع كثيراً من موقف الفرنسيين الذين صمتوا على أسباب سقوط الطائرة حتى الآن، وكما قلت وذكرت لا تسقط طائرة مثل الحجر مرة واحدة وهى على ارتفاع ٣٧ ألف قدم، فلو حدث عطل يمكن للطيار تدارك الموقف والاتصال والإبلاغ بل والهبوط فى أحد المطارات القريبة، ما حدث هو أن هناك من وضع قنبلة فى طائرة أجنبية فى مطار إحدى أكبر الدول الأوربية ـ فرنسا، وهذه الدولة معلنة فيها حالة طوارئ، ولو كنت مكان الدول التى تقاطع المطارات المصرية لقاطعت السفر إلى مطارات فرنسا فوراً، فموقف مطار شرم الشيخ أشرف من مطار شارل ديجول، لم تعلن أى دولة عن عزمها وقف حركة الطيران إلى فرنسا، على الرغم من أن مطار مثل مطار شرم الشيخ هو مجرد مطار لاستقبال السياح، لمدينة ساحلية صغيرة جل النشاط فيها ينحصر فى السياحة، أما التسلل ووضع قنبلة (مازالت فرضية وإن كانت الاحتمال الأرجح) ولكم أن تتخيلوا الكلمة “مطار شارل ديجول”، وأين فى العاصمة الفرنسية باريس، وما أدراك ما باريس، هى عاصمة إحدى الدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن، وربما تستطيع لو قاطعها العالم أن تعيش، لكن لا، كلهم تكالبوا على مصر وقاطعوها سياحياً وحجبوا طائراتهم عنها، وهم يعلمون أن السياحة بالنسبة لعدد يتجاوز الخمسة ملايين مصرى هى مصدر الرزق وشريان الحياة.


الأكيد هو أن موقف فرنسا من حادث تحطم الطائرة المصرية أسوأ كثيراً من موقف مصر، أنا لا أتخيل حتى الآن أن يكون فى دولة بها حالة طوارئ، ووقع بها حادثتان إرهابيتان خلال عام تقريباً، ويستطيع شخص القيام بعمل إرهابى، وأين فى مطار شارل ديجول، يالها من دولة منهارة، إذا قارنتها بمصر التى خرجت من أحداث جسام وحالة فوضى وانعدام أمن لفترة طويلة، هنا المنطق إلى جانب مصر، وليعلم الجميع أننى لا أبرر أى عمل إرهابى ولكنى أريد من العالم أن يساند مصر، التى تقف بصدر مفتوح وبمفردها حتى الآن فى منطقتنا على الأقل لمكافحة الإرهاب، ومحاولة تنمية بلد تعداد سكانه يفوق ٩٠ مليونا، لو ساءت أحوالهم لن تسلم أوربا من الإرهاب والهجرات غير الشرعية.


على العالم أن ينحنى ويرفع القبعة لمصر ويعتذر لها، ولن أقول إنه على المقاطعين للمطارات المصرية أن يستأنفوا الرحلات فهذا منطقى، ولكنى أقول لهم إن مصر ترحب بالجميع ولن نتسول أن يأتى إلينا أحد، ولكنى وبدون شماتة بسبب الموقف الغربى من مصر بعد حادث تحطم الطائرة الروسية، العدل كان يقتضى أن يتم تقدير موقف مصر وظروف مصر، والإرهاب لن يستثنى أحداً، ولو سقطت مصر ستعم العالم فوضى عارمة. فيما يتعلق بالموقف الروسى بعد تحطم الطائرة الروسية فوق سيناء فأنا أضعه فى جانب منفصل، وفى اعتقادى أن لروسيا حسابات أخرى لا مجال هنا لذكرها، وإن كنت أتصور أن الموقف الروسى، فى طريقه إلى الحل بعد توقيع اتفاقية المحطة النووية لتوليد الطاقة الكهربية خلال الأشهر القليلة القادمة، كما أن حادث تحطم الطائرة الروسية حدث وكانت روسيا قد بدأت التدخل المباشر ضد الإرهاب فى سوريا واعتبرت أنه من باب الاحتياط عليها أن توقف رحلاتها ومنع مواطنيها من السفر حتى لا تسبب حرجا للدول التى من الممكن أن تتعرض لعمليات إرهابية بسبب تدخلها فى سوريا، كما أن عنصر الاقتصاد لعب دوره من حيث انخفاض سعر العملة الروسية بنسبة تزيد عن ١٠٠٪، كما أن محاولات روسيا تنشيط السياحة الداخلية لشبه جزيرة القرم المستعادة حديثاً، لتعويض الإنفاق الضخم الذى تكبدته لدمج شبه الجزيرة فى المنظومة الروسية سواء من حيث البنية التحتية أو الاقتصاد الروسى إلى توصيل الكهرباء مروراً بإنشاء جسر لربطها بالوطن الأم، منعت روسيا طائراتها لهذه الأسباب التى ذكرتها لحين القضاء على الإرهاب أو على الأقل تقطيع أوصاله بحيث لا يستطيع توجيه ضربات جديدة، لكن هناك تصريحات لبعض المسئولين الروس فى إطار التعليق على حادث الطائرة، أشاروا إلى أنه من الممكن أن يؤجل هذا الحادث بعض الشىء عودة السياحة إلى مصر.


لكن ماذا عن بريطانيا التى بدون علم بدأت تفتى بإرهابية تحطم الطائرة الروسية، وعدم أمان المطارات المصرية. أين منطق هؤلاء البشر الذين يدعون أنهم يحققون العدل وعن حقوق الإنسان وهم يكذبون كما يتنفسون، وينسون حقوق الدول التى يعيش فيها الإنسان، بل ويسعون إلى إفقارها وعرقلة مسيراتها بهدف تركيعها وإخضاعها لإرادتهم.


فى قضية تحطم الطائرة المصرية، مصر بريئة، وإذا كان الحادث إرهابياً، فعلى فرنسا أن تتحمل المسئولية كاملة، ولن يقلل من المسئولية الفرنسية، ما صرح به رئيس المخابرات الفرنسية من أنه تم إبلاغ مصر بأن عملية إرهابية تدبر ضدها، يعنى هو يعلم ولم يشدد الحراسة على الممتلكات المصرية على أراضيه وهو عذر أقبح من ذنب، على دول العالم الأخرى إذا كان هناك عدل، أن تتخذ من الإجراءات ما اتخذته ضد القاهرة، مع العلم أن ذنب فرنسا أكبر وهى ليست قادرة على حماية عاصمتها التى تعرضت لحادثتين إرهابيتين فى فترة قصيرة، بل وأحد أكبر مطاراتها مخترق. هل نسمع من ينطق بالحق ويطالب باريس ما طالب به القاهرة، أم أن ميزان العدل مختل، خاصة أن الأمر يتعلق بدولة ذات عضوية دائمة بمجلس الأمن.


أنا هنا أعترض على الكيل بمكيالين فقط من دول تدعى تطبيق العدالة، وفى نفس الوقت لا أبرر أى إهمال أدى وقد يؤدى إلى إزهاق أرواح بشرية سواء فى مصر أو فرنسا أو أى دولة فى العالم، كما أننى لا أخلط الأمور وأعرف أن كل أسرة استشهد لها قريب أو أخ أو صديق أو زوج لا يقلل من مصابها الجلل السياسة ولا أهداف العمليات الإرهابية القذرة، الموت واحد وهو لا يؤلم إلا أقارب من ماتوا.