(لا) رواية و(لا) فيلماً!! (2)

30/05/2016 - 10:33:28

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

قال المحاضر (لا فض فوه) في بداية المحاضرة وفي استهلال رواية "هيبتا" معرفاً نفسه للطلاب:


أنا أخصائي علاقات زوجية وأسرية ماجستير في دراسة النفس البشرية وسلوكياتها في إيجاد شريك الحياة .. يعني الحب .


فلا نفهم طبيعة مهنته .. هل هو استاذ أكاديمي يدرس مادة علم النفس .. أو هو أستاذ علم اجتماع .. أم باحث في التنمية البشرية .. أم مفكر ؟! ولا نفهم من هم هؤلاء الطلاب الجالسون أمامه في المدرج يتطلعون إليه في ترقب وفضول واهتمام بالغ هل هم طلبة بكلية الآداب والمحاضرة جزء من المنهج الدراسي أم أن الأخصائي العبقري يحاضرهم في موضوع عام خارج إطار ما يدرسونه ..


المهم أن الأستاذ يشرح لهم في البداية موضوع المحاضرة المسماة بـ "هيبتا" فيقول هو رقم سبعة بالإغريقية .. وتعريف الـ "هيبتا" : السبع مراحل في الحب.. والمراحل هي : 1- البداية (لا توجد بدايات حقيقية بل مجرد نهايات مستمرة !!) 2- اللقاء (قيل فيما مضى أنه بمجرد نظرة العين يحدث العشق .. إنهم كاذبون) 3- العلاقة (قيل فيما مضى أن الحياة لا تكتمل إلا بالحب ولكنهم لم يعلمونا شيئاً عن الاكتمال) 4- الإدراك (قيل فيما مضى إن الحب عادة ما يصاحبه الألم .. لم يعرفوا أن البشر هم الجناة) 5- الحقيقة (لا توجد حقيقة مطلقة .. مجرد أكاذيب عشقوا تصديقها) 6- القرار (كل ثانية يوضع أمامك اختيار قد يجعل الحياة كلها مختلفة .. وكل ثانية تختار أن تؤجل القرار خوفاً .. فتظل كما أنت) 7-"هيبتا"


وبناء على ماسبق تتحدث الرواية عن أربع قصص لشخصيات مختلفة تمر بالمراحل السبع ويربط بينها راو .. يحلل هذه المراحل ويستنبط منها الدروس النفسية المؤثرة على مصير العلاقات .. لنكتف في النهاية أن القصص الأربع هي لشخصية الراوي نفسه في مراحل حياته المختلفة (يا سلام)!!..


المهم هو كيف عبر السيناريست (العبقري هو الآخر) عن محتوى الرواية .. إنه بدلاً من أن يعالج عيوب الرواية الفادحة .. زاد الطين بلة فنزع عنها البناء الدرامي تماماً ليصبح بلا مقدمة منطقية ولا رسم للشخصيات بأبعادها المختلفة فمعظمها معلق في الفراغ بلا هوية .. ولا وظيفة ولا محيط اجتماعي فأنت لا تعرف من هؤلاء .. ومن أين أتوا .. وما الطبقات الاجتماعية التي ينتمون إليها وكيف يعيشون وأين أهاليهم ؟! .. وماذا يريدون من الحياة .. ومنا نحن المساكين المتلقين .. وليس هناك أحداث تتنامى أو تتصاعد .. وبالتالي فليس هناك صراع .. لا داخليا ولا خارجيا .. ومن ثم الفيلم يخلو من الذروة الدرامية التي تحدد نهاية ذلك الصراع وما يتضمنه من معنى أو مغزى الفيلم .. فتحول العمل في النهاية إلى محاضرة طويلة وسخيفة تبرز بين فواصلها مشاهد لشخصيات ورقية تافهة تمثل بعض المواقف العاطفية اللزجة ..


أما الراوي في الرواية والذي يمثل مؤلف العمل الذي ينطق بخلاصة الحب والعشق وكأنه "طاغور" أو "راجون" أو "كونفوشيوس" أو "زارادشت" .. تحول هذا الراوي في الفيلم إلى محاضر فقد طالت محاضراته بين الفواصل التمثيلية حتى طغت على محتوى الفيلم ففرغته من عناصر الدراما وأظهرت ذلك الخبير العتيد بالنفس الإنسانية ونوازعها المتضاربة والغامضة واعظاً كنسياً متبتلاً متهدج الأنفاس شارد النظرات تترقرق العبرات في مآقيه في تأثر ذى طابع كهنوتي يدعو مبتهلاً إلى خلاص البشرية من أدرانها وحماقتها ..


لقد أفسدت الرواية الفيلم .. وأفسد الفيلم الرواية .. وأفسد نفسه .. ولا عزاء للقراء والمشاهدين..