رحلة نور وأحلامها فى الإسكندرية .. أطفال المسرح يهزمون أطفال الشوارع

30/05/2016 - 10:21:34

كتب : د. حسن عطية

أغلقت الإسكندرية مسارحها ، وهى كانت أول المدن المصرية تأسيسا للفرق المسرحية منتصف القرن قبل الماضى ، جاء الصيف والظلمة تعشش فى مسارح (بيرم التونسى) و(مسرح سيد درويش) و(مسرح محمد عبد الوهاب) وكل مسارح الثغر الباسم ، بما فيها مسارح الهيئة العامة لقصور الثقافة ، التى يتعثر حتى الآن افتتاح مسرح قصر ثقافة الأنفوشى التابع لها بعد إغلاقه للترميم منذ سنوات طويلة.


لم يتبق لعشاق المسرح غير مسرح (ليسيه الحرية) الصغير ، ولم تجد فرقة الإسكندرية التابعة للبيت الفنى للمسرح غيره كى تقدم عليه عروضها القليلة ، وأحدثها المعروض حاليا العرض المسرحى الاستعراضي الغنائي (رحلة نور) تأليف وإخراج د. جمال ياقوت" ، والذى يكشف لنا فى البداية عن عقل هذا المخرج والكاتب والمدرس بقسم الدراسات المسرحية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، والمدرك لطبيعة المسرح كمنجز إنتاجى ، بحكم دراسته الجامعية الأولى بقسم المحاسبة بكلية التجارة ، وأطروحته العلمية التى قدمها لكلية الآداب التى درس وعّين بها بعد ذلك ، وحصل عليها على درجة الدكتوراة حول (دور المخرج المسرحي في الأنماط الإنتاجية المختلفة) ، فضلا عن إقامته للعديد من ورش الإنتاج المسرحي فى أقاليم الوطن ، مما يعنى أن العرض المسرحى عنده وجود تجارى - ولا أقول سلعة بالمعنى المتداول - لابد من تسويقه جيدا ، وفرجة جمالية ممتعة للوجدان ينبغي أن تحدث تأثيرها بين جمهورها المطلوب استقطابه ، وليس أمام المقاعد الخاوية ، إلى جانب كونه حضورا فكريا يثير عقل متلقيه ، وفقا لثقافة وعمر متلقيه هذا وأفق توقعاته.


الجمهور المتلقي هو أبرز توجهات «جمال ياقوت» يعرف طريقه إليه ، سواء أكان من الكبار أو الصغار ، ويسعى دوما لتقديم مزيج مما يرضيه ويحتاجه فى ذات الوقت ، وهو من أصعب مهام الإبداع المسرحي ، أن ترضى جمهورك بما يتوقع أن يجده فى عرضك المسرحي ، وأن تفاجئه بما ليس متوقعا لديه ، دافعا إياه لعدم مسايرة ما هو سائد ، والعمل على تغيير نظرته للحياة ، بهدف الحركة لتغيير واقعه ذاته لما هو أفضل ، يبدو لنا هذا واضحا فى صياغته لعروضه المسرحية المعتمدة على نصوص كتاب غيره ، أو نصوص كتبها هو مثل (آه يا بلد) و(كلابنا فى لندن) ، وحتى وهو يختار نصوصا عالمية يقدمها لجمهوره مثل (تاجر البندقية) للإنجليزى "وليم شكسبير" أو (بيت الدمية) للنرويجى "ابسن" أو (ساحرات سالم) للأمريكى "أرثر ميللر" ، و(د.بالمى)للإسبانى بوييرو باييخو، يحرص على تقديمها ثرية الصورة ، مبهجة التحقق ، ومتعلقة بتفسير موضوعاتها بقضايا المجتمع الساخنة .


معرفة وجراءة


وإذا توقفنا اليوم عند أحدث عروضه (رحلة نور) ، فسوف نجده يقدم عرضا مدهشا جماهيرى التوجه دون الوقوع فى فخ الهبوط اللفظى والخفة الموضوعية السائدين اليوم فى هوجة مسرح الفضائيات ، كتبه بطريقة سيناريو الفيلم المفعم بالملاحظات ، وصاغ حواره "أحمد عامر" وضبط بناءه الدرامي ، فيما يبدو من استخدام كلمة (دراماتورج) سابقة قبل اسم الأخير ، وتم ودعمه بأشعار غنائية كتبها "محمد مخيمر" ولحنها ووزعها "وائل عاطف" لتغنى طوال الوقت بطريقة (البلاى باك) ويعمل الممثل على ضبط حركة فمه للتوافق زمنيا مع الصوت المسجل ، وللتناغم مع الاستعراضات التى صممها "محمد عبد الصبور" ، وجمع المخرج في عرضه هذا ما يقرب من خمسين شابا وطفلا من مراحل عمرية مختلفة ، يتبادلون أداء الأدوار الرئيسية فيما بينهم كل يوم ، ويحركهم المخرج فى فضاء مسرح ليس بالاتساع المطلوب لمثل هذه العروض .


يدور عرض (رحلة نور) على التفاوت القائم بين عالمي الواقع والحلم ، وينطلق من داخل شقة ينتمى أصحابها للشرائح فوق المتوسطة من الطبقة البورجوازية ، والتى لم يستطع العرض أن يوحي لنا بهذه السمات الاجتماعية للأسرة الصغيرة ، والتى ألقي بها علي يمين ويسار فضاء المسرح (خارج إطار البروسينيوم) لنتابعها عبر شخصية الابنة "نور" التى تعيش بين والدين تقليديين ومتعاركين طوال الوقت لاختلاف طبعيهما ونظرتهما للحياة ، مما يدفعها للتقوقع داخل ذاتها ، والهروب الدائم ، كغالبية أبناء هذا الزمان ، للعوالم الافتراضية عبر أجهزة الكومبيوتر والتليفون المحمول ، فلا يشدها غير لعبة الزومبى والجثث المتحركة المنتشرة اليوم بين الفتية والشباب ، وإن اختلفت هى عن الآخرين برغبتها فى المعرفة ، والتى تشكل أول ملمح من ملامح شخصيتها الدرامية ، مما يخرجها من عالم السواد الأعظم لأبناء الجيل الذى يتكون اليوم أمامنا دون أن نوليه اهتمامنا الكامل ، وينقلها من كتلة الجماهير المدغمة ، لساحة الإبداع المتفرد والدخول فى عالم الدراما ، وهو ثانى ملمح من ملامح شخصيتها الدرامية أن تتفرد بفعل شيء لا يفعله الغير، مدعوما برغبة وسعى للمعرفة .


الزومبات


ونظرا لصعوبة حياتها مع والدين غير متوافقين ، تلجأ للحلم المتفق مع وعيها بالعالم فى مرحلتها العمرية التى تقترب من مرحلة المراهقة الأولي ، فتسبح مع الورود والعصافير والأقمار ، غير أن المخزون فى لا وعيها من خبرات وبخاصة ألعاب الزومبى الافتراضية ، ينقلها لكابوس تواجه فيه (زومبات) ثلاث فتلجأ وفقا لإحدى هذه الألعاب للنباتات كى تنقذها منها ، لكنها لا تحقق لها نصرا ، فتختبئ بجوال رعبا من (الزومبات) ، وقد حرصت مصممة الملابس "نيرة عباس" مع مصممى الماسكات والعرائس "أشرف مهدي" و"حنا حبشي" على ألا تبدو هذه الزومبات آكلة البشر بصورة بشعة تخيف جمهور الأطفال المشاهد ، ثم ننتقل لحلم ثالث تتفق فى صياغة ملامحه البرامج والمسلسلات والأفلام القديمة والحديثة المتعرضة لأولاد الشوارع ، وعصابات الإتجار بها وتشغيلها لصالحها ، فنجد أنفسنا وسط (خرابة) تتمركز داخلها إحدى عصابات أطفال الشوارع ، التى يعثر بعض من رجالها على الفتاة "نور" مختبئة من (الزومبات) فى الجوال ، فينقلونها من جحيم افتراضي لجحيم خيالى يبدو واقعيا فى حلم الفتاة .


يشكل وجود "نور" وسط مجموعة الأطفال متغيرا جديدا يدفعهم لإعادة التفكير فى حياتهم الجديدة ، والتى ارتضي البعض منهم بها هروبا من أسر غير معتنية بهم أو قاسية عليهم ، ورضخ البعض الآخر لها انصياعا لواقع قاس لا يقدرون على مواجهته ، بينما جاءت "نور" لتحثهم على إعادة النظر فيما يعيشون وذلك بنوعية معرفتها السابقة ، والتى كانت بحاجة لتعميق أكثر فى مفتتح المسرحية ، حتى يكون للمعرفة دور فاعل فى تحريك الأطفال ، وليس فقط الرغبة فى التمرد على العصابة الخاطفة ، والعمل على العودة للبيت ، الذى هو بطبيعته طاردا لها ، والذى يجسده العرض فى مشاهد تتوالى أمامنا بالتوازى مع مشاهد وجود "نور" وسط أطفال الشوارع ، حيث نشاهد فى هذه المشاهد الموازية تطور علاقة والدى "نور" المتأزمة والمتجلية فى عراك مستمر ومنتهية بالطلاق بينهما ، وهى العلاقة التى دفعت "نور" ذاتها للهروب منها للحلم الذى تعيشه وسط أطفال الشوارع ، مما يقلل من دوافع حثها للأطفال للعودة إلى منازلهم الهاربين منها .


الحلم الرابع


قبل أن تعود "نور" من أحلامها الثلاثة إلى وعيها وسط والديها اللذين لم ينتبها لفقدانها الوعى إلا لحظة وصولهما لقرار الانفصال الكامل بينهما ، تمر "نور" بحلم رابع ، داخل الحلم الأخير ، وعقب قبض أفراد العصابة عليها بتهمة تحريض الأطفال على التمرد ، وإلقائها فى ركن مظلم ، تلتقى فى حلمها الأخير هذا بعربة (روبابيكيا) تحتوى على أجهزة قديمة مثل : الأراجوز والأتاري والفانوس وحتى الهاون المستخدم فى حفل (سبوع) الطفل ، ورغم أنها ليست من لعبها الأساسية ، فقد عفى عليها الزمن والمعتقدات الصحراوية ، إلا أنها تدفعها للعودة إلى منزلها ، وهى بدورها تعمل على تثوير وعى الأطفال ودفعهم للتمرد والعودة لأسرهم ومنازلهم ، مما يؤدى لقبض العصابة عليها مرة أخرى ، والحكم بالإعدام عليها ، وفى لحظة التأزم الكبرى يدلف والد ووالدة "نور" لحلمها كى ينقذاها من المصير المؤلم ، ويعيداها لأحضانهما ، بعد أن تصالحا ودعيا الجميع للمصالحة والحب من أجل بناء حاضر ومستقبل هذا الوطن بوحدة كل الأيادى .


قد يبدو البناء الدرامي بسيطا ، ورسائله واضحة ومباشرة ، بالنسبة للكبار ، ولكنه مناسب جدا للأطفال ، وسهل استيعابه منهم ، فضلا عن هذه الصيغة المسرحية المبهرة من الاستعراضات والغناء والأداء المتميز لأطفال صنعوا بمواهبهم وقدراتهم وعدم تقليدهم للكبار عرضا ممتعا ومدهشا وتربويا وجاذبا لجمهور متعدد الشرائح الاجتماعية من أطفال هذا الوطن ، الذين هم فى أمس الحاجة لمن يغرس بنفوسهم قيمة الحب ، ويحلق بأفئدتهم فى دنيا الخيال الممنطق ، ويدفع عقولهم لعدم التسليم بتشوهات الواقع ، وللتمسك بالأمل فى تغيير واقعهم هذا إلى ما هو أفضل ، بدلا من بكائيات شباب اليوم المستسلم للإحباط .