عبد الحليم حافظ ..جسر التنهدات « 9 » .. غنى تحت تهديد فتوة الزقاق أغنية عبد المطلب «بتسألينى باحبك ليه»

30/05/2016 - 10:20:43

عبد الحليم حافظ عبد الحليم حافظ

عرض الكتاب - محمد المكاوي

اكد الكاتب الكبير جليل البندارى أنه ليس مقتنعا بوجهات النظر التى تقول إن الجحيم الراسب في صدر عبدالحليم من زوجة خاله هو الذى يطفو على أغانيه الحزينة التي تثير الدموع والتنهدات ، ولكنه يميل الى الاعتقاد بأن عقدة الشعور بالذنب بأنه قاتل أمه تربت في نفسه وهو في هذه السن الصغيرة وربما تكون هي السر الحقيقي المختفي وراء حزنه الدفين ، وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره ظهر بوضوح استعداده للموسيقى والغناء.


ولم ينس أبدا تلك اللحظات الرائعة في الزقازيق التى جلس فيها على فرع شجرة التوت يراقب كل حركة وسكنة لمعبوده عبد الوهاب ذي الطربوش الاحمر والنظارة السميكة ، ولم يشعر عبدالحليم بفرع الشجرة وهو يترنح من تحته ثم يهوى به الى أ ومكث ثلاثة أشهر فى المستشفى ، كان هذا الحادث قد وقع له في رمضان ومضى عام وجاء رمضان واستأجر عبدالحليم بسكليت ليذهب به مع أحد زملائه الى مولد الشيخ ابو مسلم ولكنه عاد في سيارة إسعاف ، فقد اصطدم بالبسكليت في سيارة وكسرت ساقه اليسرى للمرة الثانية واصيب بشرخ في عموده الفقرى


ورقد في هذه المرة سنة كاملة بالمستشفى الاميري ولم ينس أبدا ذلك اليوم الذى دخلت علية فيه وهي تحمل إليه أعظم هدية تلقاها في حياته .. راديو صغير اشتراه له شقيقه إسماعيل من القاهرة ..


الفصل التاسع


زقاق حمام بابا


مرت أيام الشقاء بحلوها ومرها سريعة حينا وبطيئة حينا، وفي احد الأيام جاء اسماعيل فجأة الى الزقازيق ليأخذ حليم وعلية ليقيما معه في الغرفة اليتيمة التى استأجرها بزقاق «حمام بابا» المتفرعة من شارع سلامة حجازى بحي السيدة زينب !


وهمس اسماعيل في أذن حليم :


هيا البس بذلتك واجمع ملابسك بسرعة لقد تحقق حلمك وسنسافر الى القاهرة


متى ؟


الآن


وبدت الدهشة على وجه عبدالحليم وهم بأن يسأل سؤالا آخر فقال له إسماعيل:


البس بسرعة ليس لدينا وقت للكلام القطار سيقوم بعد نصف ساعة


وما قاله اسماعيل لحليم قاله لشقيقته علية التى وقفت هي الأخرى كالمشدوهة!


وتساءل عبدالحليم فيما بينه وبين نفسه هل يمكن ان يكون اسماعيل جادا فيما يقول ؟


لعله يخدعنا؟


ولكن اسماعيل لم يعود أذني على الكذب، لقد وعدني ذات يوم بالراديو الصغير ولم يخلف وعده رغم أنه كلفه فوق ما يحتمل


وتساءل حليم ..هل يمكن ان ينتقل الإنسان من الجحيم الى الجنة بهذه السرعة ؟


لم يصدق عبدالحليم هذه الحقيقة إلا بعد أن تحرك به القطار الى القاهرة ، وكان يجلس في الترسو وكانه يركب سفينة تشق به الفضاء الى القمر ، وعلى أصوات عجلات القطار المنتظمة استسلم الولد للنعاس.. وبدأ يحلم


كانت كل أحلامه وأمانيه تحت مستوى الحقيقة التي يعيش هو فيها في تلك اللحظة،


لقد عاش طول عمره يحلم بالقاهرة وهاهو جالس في العربة الاخيرة والقطار ينهب في الأرض نهبا الى المدينة الكبيرة ، المدينة التي يعيش فيها معبوده ذو الطربوش الاحمر والنظارة السميكة !


وفي شارع سلامة حجازي بالقاهرة رأى الاولاد الذين في مثل سنه يلعبون الكرة الشراب كما رآهم في بعض الاحيان يجتمعون ويذهبون لمشاهدة مباريات كرة القدم بين الاهلي والزمالك


وكان يسألهم ..وكيف تصلون الى هناك؟


بالترام


والفلوس؟


بدون فلوس .. اننا نقفز الى الترام من الشمال


والكمساري؟


نحاوره من عربة الى عربة


ألا تخشون على حياتكم ؟


نحن شياطين والشياطين لا يصابون بسوء


وكيف تدخلون النادي الاهلي


نقفز على الاسوار او نتسلق الاعمدة والأشجار


لقد تسلقت مرة شجرة التوت لأستمع الى عبدالوهاب في الزقازيق فوقعت على الارض وكسرت ساقي!


لأنك قروي عبيط .. تعال معنا ونحن نعلمك كيف تتشعبط دون ان تصاب بأذى


ويعود حليم الى الغرفة ويسأل شقيقته علية ..ما رأيك يا علية؟


فتدق علية على صدرها وتقول : ياخير اوعى تسمع كلامهم هو احنا لاقيينك


وانطوى عبدالحليم على نفسه حتى انتهى من دراسته الابتدائية ورغم انتقاله من بؤس الى بؤس ومن شقاء الى شقاء فقد كان سعيدا بشقائه الجديد


كانت السعادة ترفرف على الغرفة اليتيمة التي يقيم بها الاشقاء الأربعة ويتخذون منها غرفة نوم وطعام واستقبال ومذاكرة ايضا


وقرر إسماعيل ان يلتحق بالمعهد العالي للموسيقى المسرحية ، فقد كان المرتب الضئيل الذى يتقاضاه من وظيفته الصغيرة لا يكاد يكفي مطالب الأسرة، وكان عبدالحليم قد كبر في السن واصبح يستطيع ان يرسم طريقه في الحياة وقرر هو الآخر أن يلتحق بنفس المعهد واخذ يستعد لامتحان القبول كعازف على آلة الكلارنيت، وعندما تقدم لأداء الامتحان أمام الاستاذ الشجاعي الذى كان يرأس اللجنة بحث الشجاعي أيضا في جيبه عن قرش صاغ وأعطاه له على سبيل العطف ، أو كما يقول عبدالحليم حافظ على سبيل التذكار!


وكانت دفعة عبدالحليم هي أهم دفعة تخرجت في هذا المعهد فمنها كمال الطويل واحمد فؤاد حسن وفايدة كامل وعبدالعظيم عبدالحق وعلى اسماعيل وغيرهم من مشاهير الفن


ولقد اعترف لي كثيرون منهم بأن عبدالحليم كان طالبا متفوقا دائما وانه في احد الامتحانات اكتشف خطأ في مادة (الهارموني) وهي من أصعب المواد الموسيقية فلفت نظر أساتذته الى ذلك فأوقفت اللجنة الامتحان حتى أتمت تصحيح الخطأ الذى تبين أنه جاء نتيجة غلطة مطبعية !


كان الاخوة شبانة يستعملون القباقيب في البيت وكانت أصوات القباقيب تختلط بأصوات الآلات الموسيقية فتحرم جيرانهم من النوم والراحة طول النهار وجزءا كبيرا من الليل وسلط الجيران ستيتة الجدع فتوة الزقاق التى يخشاها الرجال الأشداء والفتوات جميعا كي تتولى طرد هؤلاء الأولاد المزعجين من الحارة ، واندفع الباب بقوة ودخلت ستيتة.


ومن النظرة الأولى عطفت المرأة الفتوة على الفتى اليتيم الشاحب وكادت تضع يدها في جيبها باحثة له عن قطعة من فئة الخمسة قروش.


وقال لها عبدالحليم: انه وشقيقه طالبان بمعهد الموسيقى وأنهما حين يعزفان الموسيقى لا يلعبان وانما يستذكران الدروس


وأعجبت ستية الجدع بعبدالحليم .. بل إنها وقعت في غرامه من أول نظرة


وطلبت إليه أن يسمعها شيئا فقال لها : أنا لست مطربا


ولكنها لم تصدقه وحاول هو أن يقنعها بأنه ليس مغنيا ولكنها ألحت عليه ان يغني فتناول عود أخيه وأخذ يعزف عليه مقدمة أغنية شعبية تعرفها هي جيدا وتطرب لها فقد غنى لها أغنية عبدالمطلب المشهورة :


بتسأليني باحبك ليه


سؤال غريب ما أجاوبشي عليه


وخرجت ستيتة الجدع من الغرفة اليتيمة وهي تفرض حمايتها على هؤلاء الأولاد وتهدد كل من يتعرض لهم من بعيد أو من قريب بالأذى بل إنها قالت بأعلى صوتها في الحارة : اللي يرشهم بالميه ح أرشه بالدم !