يتوحشون قبـل رمضان ٥٠٠ من كبار التجار والمستوردين يدعمهم وزيرا الزراعة والتموين: مصاصو الدماء

25/05/2016 - 1:28:40

تحقيق: بسمة أبو العزم

مساء يوم ١٧ يناير من العام ١٩٧٧ وقف عبدالمنعم القيسوني، نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، أمام مجلس الشعب، ليعلن اتخاذ الحكومة مجموعة من القرارات الاقتصادية وصفها – وقتها، بـ»الحاسمة والضرورية»، وأكد أنها تهدف إلى خفض العجز فى ميزان المدفوعات، وذلك تحت ضغط الصندوق والبنك الدوليين، ومن أجل توقيع اتفاق معهما. كانت المحصلة الرئيسية لهذه القرارات هى تحميل الفقراء من المصريين أعباء مالية تقترب من ٥٠٠ مليون جنيه سنويًا، تدفع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على شكل زيادة فى أسعار جميع السلع الضرورية.


وبالفعل.. حديث «القيسونى» والقرارات الحكومية ترتب عليها حدوث زيادة مباشرة فى أسعار الخبز والسجائر والبنزين والبوتاجاز والسكر والدقيق الفاخر والذرة والسمسم والحلاوة الطحينية والفاصوليا واللحوم المذبوحة والشاى والأرز والمنسوجات والملبوسات بنسب تتراوح ما بين ٣٠٪ إلى ٥٠٪، لينتهى الأمر بما يوصف بـ«انتفاضة الخبز» التى أجبرت الرئيس الراحل محمد أنور السادات على التراجع عن تلك القرارات.


بعد مرور أكثر من ٣٩ عاماً، على هذه اللحظة، وبنظرة متأنية للوضع الاقتصادى المصرى، يتضح أن المواطن مازال فى خانة «ضحية الأسعار»، وإن كانت الحكومة خرجت، بشكل كبير، من خانة «الجانى»، حيث ظهرت مجموعة جديدة لا يتجاوز عددها ٥٠٠ فرد، وفقا لشهادات من أفراد داخل المجمتع التجارى المصرى، يتحكمون فى غالبية السلع، ويكونون ما يمكن وصفه بـ «اتحاد المحتكرين الجدد»، وسط غياب أو تجاهل حكومى لتواجدهم ونشاطهم الذى يتحكم بشكل كامل فى فاتورة غذاء المصريين، والتى قدرتها بعض الإحصائيات غير الرسمية بوصولها إلى ٢٥٠ مليار جنيه


أزمة الأرز الأخيرة كانت أحدث جرائم المحتكرون لقوت الشعب، وبالرغم من صعوبة ذكر أسمائهم التزاما بالقانون لنجاحهم فى تحصين أنفسهم مع صعوبة اختراق اللوبيهات التى كونوها عبر عائلاتهم منذ عشرات السنين، إلا أن شهادات وزراء التموين السابقين الخاصة بمافيا قوت الغلابة وحروبهم الضارية معهم قدمت ما يشبه بخريطة لأهم أماكنهم، فبالرغم من امتدادهم على مستوى الجمهورية إلا أن أهم مناطق تمركزهم بالقاهرة، الإسكندرية،أكتوبر، العبور، كذلك القليوبية ودمياط، وللأسف تلعب وزارتا التموين والزراعة دور الراعى الرسمى لهم.


بداية قال د.محمد أبو شادى، وزير التموين الأسبق: النظام الاقتصادى قائم على طابع احتكارى عائلى متوارث لأغلب السلع الأساسية، فمثلا الخضراوات والفاكهة تسيطر عليها عائلات معروفة منذ أيام بسوق روض الفرج، وانتقلت العائلات ذاتها إلى سوق العبور وستة أكتوبر وعددهم نحو ١٥ تاجراً للخضراوات ونفس العدد للفاكهة، حيث يقومون بشراء المحاصيل من الفلاحين منذ بداية الموسم والزراعة ويحتكر كل تاجر أصنافاً محددة بعد الاتفاق مع بقية التجار، وهو أمر يمنحهم المقدرة على التحكم وبشكل كامل فى أسعار الأصناف التى يضعون أيديهم عليها.


وفيما يتعلق بـ»تجارة اللحوم»، علق وزير التموين الأسبق على الأمر بقوله: توجد ١٠ عائلات يمكن القول أنها تسيطر على مجزرى ساقية مكى والسيدة زينب القديم، وانتقلوا فى وقتنا الحالى إلى مجزر البساتين، ويقومون بشراء مزارع عجول كبيرة باعتبارهم تجار جملة، ما يتيح لهم أيضا التحكم فى سعر اللحوم «جملة» فى ظل عدم وجود قوة تنافسية من الممكن أن تقف فى وجه مخططهم هذا.


أما سوق الأسماك – والحديث مايزال مع وزير التموين الأسبق، فهناك ١٢ عائلة تسيطر عليه، وكانوا متحكمين فى سوق السمك الذين كان قائما فى منطقة «غمرة»، لكنهم انتقلوا فيما بعد إلى سوق العبور، وكما يفعل تجار الفاكهة واللحوم، فإنهم يمنحون الصيادين الأموال مقدما، والأمر ذاته يحدث فى سوق الدواجن، فهناك نحو ٨٠ بالمائة من مزارع الدواجن ببنها أصحابها يتحكمون فى الأسعار، حيث كانوا يجتمعون من خلال بورصة الدواجن لتوحيد السعر وفقا لرغباتهم.


وفى محاولة منه لتبرير «احتكار الغذاء»، قال د. «أبو شادى»: أرى أن القانون النموذجى للاحتكار لا يواجه هذه الحالات، كما أن الدور الحكومى ضعف بقوة فى فترة الخصخصة فتم بيع العديد من الجمعيات التعاونية والمجمعات الاستهلاكية، كما أن الشركة القابضة لم تعد قادرة على المنافسة وخلق توازن فى السوق، كما أن وزارة الزراعة متهمة، فلديها الهيئة العامة للخدمات البيطرية، ورغم من ذلك لم تواجه ثلاثة أمراض متوطنة فى الأبقار والجاموس وهى الطاعون البقرى والحمى القلعية والجلد العقدى، ما تسبب فى تدمير الثروة الحيوانية، هذا بجانب أنها لا تسعى لتوفير الأعلاف بسعر متاح، ولا تعمل أيضا على توفير الخدمات البيطرية للمربين بما فتح الباب لكبار المستوردين للتحكم فى الأسواق، هذا بجانب أنها مسئولة عن هيئة تنمية الثروة السمكية، ورغم من امتداد المسطحات المائية لملايين الكيلو مترات، إلا أن هناك أزمة فى إنتاجنا من السمك.


وزير التموين الأسبق، أضاف قائلا: المجتمع التجارى يروج لفكرة حرية السوق بمعنى الفوضى وعدم وجود دور للدولة، وللأسف تخلت الحكومة عن دورها التوجيهى، بمعنى أن الوزراء لا يقفون أمام المحتكرين، فالمجتمع التجارى يسعى دائما للهروب من الرقابة، فهل يعقل أن يتبع الاتحاد العام للغرف التجارية وزارة الصناعة والتجارة الخارجية؟.. فقد نجحوا فى استصدار قرارات لنقل تبعيتهم لتلك الوزارة بدلا من وزارة التموين والتجارة الداخلية، ما يعد مخالفة قانونية لمن أصدر تلك القرارات، وهذه رسالة من التجار بأنهم أقوى من الدولة.


وحول تحميل وزارة الزراعة المسئولية الكاملة عن تفشى ظاهرة الاحتكار، رفض د. أبو شادى الأمر، وأكمل بقوله: الأزمة ليست فى وزارة الزراعة وحدها بل التموين أيضا، فالوزارة الحالية جعلت هيئة السلع التموينية تتخلى عن مسئوليتها فى توفير السلع الأساسية الثلاث واقتصرت على القمح فقط، وتركت للقطاع الخاص مسئولية توفيرها للدولة، ولم توفر مخزونا استراتيجيا من السلع الأساسية ما أدى لحدوث أزمة الزيت والأرز، فالاحتياج الشهرى لبطاقات التموين من الزيت ٨٨ ألف طن يتم استيرادها من الخارج بخلاف إنتاج مصانع القطاع الخاص وهى ١٨ شركة تعبئة واستيراد طاقتها القصوى ٦٠ ألف طن، وبالطبع هناك شركتان تعدان الأكثر استحواذا على السوق وهما «إيرما وصافولا».


وعن موقفه من أزمة الأرز التى طفت على السطح خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتى ترتب عليها ارتفاع فى سعره، قال وزير التموين الأسبق: هناك مافيا من التجار متحكمة فى الأرز وتهدف إلى تصديره للخارج مع استيراد أنواع أرخص وأكثر رداءة، فسبق أن طلب منى كبار تجار الأرز باتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات تعويد المصريين على الأرز المستورد لكننى رفضت، فالوزير يجب أن يمتلك حساً سياسياً، وبالفعل حاربوننى بقوة لرفضى تصدير الأرز للخارج، وللأسف يمكن القول أن خطتهم بدأت تجنى ثمارها، فالحكومة الحالية وافقت على تصدير الأرز بداية الموسم قبل توفير مخزون استراتيجى لاستهلاك المصريين واضطرت فى النهاية للاستيراد، فللأسف هناك ٧ شركات مضارب حكومية لم يشتروا أرز شعير لتبييضه ليصبح مخزوناً للدولة، وبالتالى تجب محاكمتهم على كارثة الأرز التى دفعت الحكومة للاستيراد، فوزارة التموين تقوم بشراء الأرز من التجار بسعر ٥،٨٠ جنيه لتعيد بيعه فى المجمعات بسعر ٤،٥ جنيه بما يعمل على زيادة الخسائر على الشركة القابضة للصناعات الغذائية والتى وصلت معدلات سحبها على المكشوف من البنوك نحو ٤ مليارات جنيه.


د. أبو شادى، أوضح أيضا أن «محتكرى الأرز يقومون بشراء الأرز الشعير فى بداية الموسم من الفلاحين ويضعونه فى مضارب خاصة ليست مملوكة لهم خوفا من المساءلة، وأكبر تاجر أرز فى الإسكندرية يضع المحصول الخاص به فى الشرقية، أيضا نفس التاجر هو أكبر مستورد سكر وهو السبب فى إغراق السوق بالسكر المستورد، وبالتالى تكدست مخازن الشركة الوطنية بالسكر، فاستهلاكنا السنوى ثلاثة ملايين طن سكر، وإنتاجنا المحلى ٢ مليون طن ونستورد مليون طن، لكن تخلت وزارة التموين عن السكر المحلى حينما سمحت للتجار والقطاع الخاص بتوفير سكر التموين، وبالطبع أغرقوا السوق بالسكر المستورد ولم تكن هناك سيولة لسداد أموال مزارعى قصب السكر ، فالتجار يتحكمون فى السلع الأساسية بقوة ورفضى لذلك تسبب فى حربهم ضدى.


فى ذات السياق قال د. جودة عبدالخالق، وزير التموين الأسبق: هناك مجموعة متحكمة فى قوت الشعب ما بين كبار تجار الجملة ومستوردين وأحيانا مصدرين ومصنعين، ومعقلهم اتحاد الغرف التجارية أحيانا واتحاد الصناعات أوقاتاً أخرى، إضافة إلى ذلك أسواق الجملة، فهناك أكبر ثلاثة أسواق فى مصر وهى العبور وأكتوبر والحضرة بالإسكندرية يتحكم فيهم عدد محدود من كبار التجار وهم المسئولون عن فارق السعر للخضر والفاكهة من باب المزرعة حتى وصولها إلى مائدة المستهلك.


د. «عبد الخالق» أكمل قائلا: لا يفل الحديد إلا الحديد، وللأسف تصرف الدولة فى المرحلة الحالية دون المستوى، ولا يعقل تصريحات مسئولى وزارة التموين المتعلقة بترشح الوزير للحصول على جائزة الغذاء العالمية وهو السبب فى ارتفاع أسعار الأرز بمعدل الضعف فى دولة منتجة له، فالاعتماد على الاقتصاد المفتوح والعرض والطلب فقط أكذوبة، فحينما كنت وزيرا للتموين تعرضت لأزمة مع الأرز، لكننى تعاملت بعدة طرق أولا ضغطت بكل قوة لمنع تصدير الأرز لتحقيق وفرة فى المعروض، وبالطبع واجهت حرباً شرسة من مصدرى الأرز، وبالفعل حاولوا التلاعب من خلال التهريب، لكننى تواصلت مع القوات المسلحة، وبالفعل صنعوا جهازاً لاكتشاف تهريب الأرز فى حاويات البقوليات، وآخر إجراء وهو دخول هيئة السلع التموينية لاعباً أساسياً فى السوق عبر شراء كميات من الأرز الشعير من الفلاحين لتنافس التجار بدلا من الوقوع تحت سيطرة خمسة تجار يتحكمون فى رفع الأسعار بشكل شهرى، فوزارة التموين لديها معلومات حول محتكرى الأرز بالداخل، أما المحتكرون بهدف التصدير كافة بياناتهم لدى وزارة الصناعة والتجارة الخارجية.


وزير التموين الأسبق، كشف أيضا أن التخبط الحكومى فى توريد القمح والتضييق على الفلاحين يصب فى مصلحة التجار ، كما أن السكر به تحكمات كبيرة وغياب لدور الدولة حتى فرض رسم الوارد على السكر المكرر ليس له تأثير على تحجيم الاستيراد لأنهم يستوردون سكر خام ويتم تكريره داخليا، وبالتالى تلك الرسوم حجة جيدة لرفع الأسعار يستفيد منها التجار.


وتساءل «د.جودة».. أين وزارة التموين من شعارها «أمن غذائى وعدالة «؟.. وأجاب بقوله: الحالة الاقتصادية تؤكد أن هذا عصر التجار فى مصر المحروسة، لذا أطالب بتفعيل القوانين وعلى رأسها مرسوم بقانون شئون التموين ٩٥ لسنة ١٩٤٥ خاصة المادة ٥٦، والتى تجيز للوزير إصدار القرارات بتداول السلع والحجز على السلع التى تحجب عن التداول، كذلك المادة ٥٦ تنص على المعاقبة بالحبس من عام إلى خمسة سنوات وغرامة مالية لمن يخالف القوانين والقرارات المنظمة للسلع التموينية من تداول ونقل من مكان لآخر والبيع بالمخالفة للسعر .


من جانبه ألقى أحمد شيحة، رئيس شعبة المستوردين بغرفة القاهرة التجارية مسئولية اشتعال الأسعار وزيادة التضخم على مافيا الدعم والاحتكار، حيث قال: هناك تلاعبات من الموردين بداية من تعاقدات القمح والزيت والسكر والأرز، وبالطبع مع بعض كبار الموظفين بوزارة التموين، حيث يتم توريد قمح مستورد به حشرات ونسبة مرتفعة من الرطوبة، بخلاف توريد كميات أقل من المتعاقد عليها، وهؤلاء المحتكرون لا يتجاوز عددهم ٢٥ تاجر اً، فكل سلعة فى مصر يسيطر عليها خمسة أو ستة تجار كبار ، ليصل إجمالى المتحكمين فى سلة غذاء المصريين نحو ٥٠٠ مستورد كبير، وهم المتحكمون فى الأسعار والزيادات المفروضة على الشعب، وبالطبع ليس جميع المستوردين محتكرين فهناك ٨٥٠ ألف مستورد أغلبهم من صغار التجار .


«شيحة» أكمل قائلا: للأسف.. مافيا الاحتكار تدعمها وزارتا التموين والزراعة باشتراط الحصول على الموافقات الاستيرادية منهم والتى يتم منحها للبعض وحرمان البعض الآخر منها، فيتم تفصيل الموافقات الاستيرادية على مقاس مجموعة معروفة من المحتكرين.


فى سياق ذى صلة قال محمود العسقلانى، رئيس جمعية مواطنين ضد الغلاء: أغلب السلع الغذائية بها ممارسات احتكارية غير مرصودة ولا يمكن اكتشافها إلا بتعديل قانون المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، فهناك سوق سرى لرجال الأعمال لكل سلعة ويتواصلون لتحديد الأسعار ، وبالطبع يصعب إثبات التهمة عليهم، لكن الدولة مسئولة عن ضبط الأسواق، وبالتالى يمكن القول أن مجلس «النواب» أمام تحد حقيقى لوضع قوانين تحكم قبضة الدولة على السوق، لكن للأسف البرلمان يضم عدداً من رجال الأعمال وأصحاب المصلحة التى تتعارض مع مصلحة الشعب والمستهلكين.


«العسقلانى» أنهى حديثه بقوله: على الحكومة تحديد سعر عادل للسلع مع وضع هامش ربح مناسب، حتى لايفرض كبار تجار الجملة والمستوردين إرادتهم على الحكومة، مع تفعيل أكبر لدور جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار.