ليبرمان وزيراً للدفاع يهـــدد مبـــادرات الـســــلام

25/05/2016 - 12:40:12

تقرير: نهال الشريف

بينما تستعد فرنسا لاستضافة مؤتمر فى الثالث من يونيو المقبل لتحريك عملية السلام فى الشرق الأوسط وبينما يدعو الرئيس عبدالفتاح السيسى لمبادرة لإحياء محادثات السلام بين الطرفين الفلسطينى والإسرائيلى، يأتى رد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بضم آفيجدور ليبرمان للحكومة وزيرا للدفاع، الأمر الذى يشكل ضربة استباقية لنسف هذه المبادرات قبل أن تبدأ.


إجابة نتنياهو واضحة وهى أنه لا نية لديه للعمل من أجل السلام وحل الدولتين بغض النظر عن تصريحاته المعلنة وترحبيه المصطنع بالمبادرتين المصرية والفرنسية..


الساحة السياسية فى إسرائيل اشتعلت بالتعليقات وردود الأفعال الغاضبة، فقد تصاعدت حدة الموقف بداية من الأربعاء الماضى بعد فشل نتنياهو فى إقناع إسحق هيرتزوج زعيم المعسكر الصهيونى المعارض بالانضمام لحكومته لتوسيع قاعدة الائتلاف الذى يتزعمه بنيامين نتنياهو منذ فوزه بالانتخابات التى عقدت قبل عام واحد، ثم بدأت مشاورات نتنياهو مع آفيجدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا والذى يحوز ستة مقاعد فى الكنيست الإسرائيلى للانضمام لحكومته وعرض عليه منصب وزير الدفاع، أثار ذلك موجة من الاندهاش والغضب فى آن واحد خاصة مع إعلان وزير الدفاع موشى يعلون استقالته من منصبه والتى بررها بأزمة الثقة بينه وبين رئيس الوزراء.


يعلون أعلن موقفه أولا على صفحته على موقع فيس بوك للتواصل الاجتماعى وكذلك تويتر حيث قال”أبلغت رئيس الوزراء أنه بعد التطورات الأخيرة وبسبب أدائه وعدم ثقتى به فإننى أستقيل من الحكومة ومن الكنيست وسأحصل على إجازة من العمل السياسى.”


ثم فى مؤتمر صحفى يوم الجمعة قال يعلون: «لقد حاربت بكل قوتى ضد مظاهر التطرف والعنف والعنصرية فى المجتمع الإسرائيلى والتى تهدد تماسكه والتى بدأت تتغلغل فى صفوف الجيش وتضربه بالفعل».


من جانبه أكد نتنياهو أنه لاتوجد أزمة ثقة بينه وبين يعلون وأنه عرض عليه منصب وزير الخارجية التى يتولى نتنياهو مسئوليتها إلى جانب رئاسة الوزراء إلا أنه رفض . قبل ليلة واحدة من إعلان يعلون قرار استقالته. أجرت القناة العاشرة بالتليفزيون الإسرائيلى استطلاعا للرأى قال فيه ٥١٪ من عينة الاستطلاع إن يعلون هو الأفضل لوزارة الدفاع مقابل ٢٧٪ فضلوا ليبرمان للمنصب.


وبرغم أن وجود حزب إسرائيل بيتنا فى الائتلاف الحاكم يكفل أغلبية مريحة نسبيا لرئيس الوزراء متمثلة فى ٦٧ مقعدا بالكنيست بدلا من ٦١ فقط، إلا أنه فى أعقاب التطورات الأخيرة تتصاعد نذر أزمة كبيرة داخل إسرائيل. فقد دعت تسيبى ليفنى زعيمة حزب هاتنواه التى تشكل الشريك الثانى فى المعسكر الصهيونى ساسة إسرائيل لتنحية طموحاتهم والعمل معا لتشكيل كتلة مانعة داخل الكنيست فى مواجهة نتنياهو وحذرت من أن مستقبل إسرائيل على المحك وقالت إن هذه الكتلة بإمكانها الحصول على ثقة الجمهور فى الانتخابات القادمة وفى تصريحات لقناة التليفزيون الثانية قالت ليفنى إن انضمام ليبرمان لحكومة نتيناهو ليس مجرد حدث سياسى وإنما هو أزمة سياسية وأخلاقية.


كذلك دعت نائبة الكنيست ميراف ميكائيلى من المعسكر الصهيونى وزير المالية موشى كاحلون زعيم حزب كولانو للانسحاب فورا من الائتلاف الذى يقوده نتنياهو بهدف إسقاط الحكومة، حيث إن كولانو لديه عشرة مقاعد فى الكنيست، وفى نيويورك حذر وزير الخارجية الأسبق إيهود باراك والذى اعتزل العمل السياسى من بذور الفاشية التى يزرعها نتنياهو.


المعروف أن العلاقة بين نتنياهو وليبرمان علاقة قديمة، ولكنها تراوحت بين التحالف الكامل والعداء السافر. ففى الحكومة السابقة التى شكلها نتنياهو عام ٢٠١٣ شغل آفيجدور ليبرمان منصب وزير الخارجية ولكنه تسبب فى كثير من الإحراج لرئيس الوزراء وكان شخصا غير مرغوب فيه من جانب الإدارة الأمريكية والبيت الأبيض. وقام نتنياهو بالاتصال شخصيا بالجانب الأمريكى لمناقشة أى مسألة سياسية وفى أى حوار يخص عملية السلام لم يكن هناك مقعد لآفيجدور ليبرمان.


كما أنه دخل فى صدام مع هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية عام ٢٠٠٩ فى أول زيارة رسمية له لواشنطن حول استمرار بناء المستوطنات على الأرض الفلسطينية فى الضفة الغربية والتى تعتبر مستوطنات غير شرعية وتعد عقبة فى طريق السلام. ولعل هذا أمر طبيعى بالنسبة لشخص مثل ليبرمان فهو نفسه يعيش فى إحدى المستوطنات واسمها “نوكديم”.


وفى وصف فترة عمله كوزير للخارجية قال رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين إنه لم يزر سوى الدول الأقل أهمية.


ولايمكن بالطبع تجاهل أفكار وتصريحات ليبرمان المتطرفة والمتعصبة ضد الفلسطينيين والعرب سواء خلال عمله الوزارى أو خارجه فقد دفع فى السابق بمشروع قانون يلزم الإسرائيليين بما فيهم عرب ٤٨ بأداء قسم الولاء لدولة إسرائيل قبل السماح لهم بالتصويت فى الانتخابات وسعى لتطبيق خطة لسحب الجنسية من عرب إسرائيل وترحيلهم إجباريا.. وخلال الحرب على غزة عام ٢٠١٤ دعا ليبرمان الجيش للقضاء على حركة حماس ودعا لإسقاط أبو مازن وطالب بعقوبة الإعدام لكل من يتورط فيما أسماه بقضايا الإرهاب من الفلسطينيين.


وبسبب هذه المواقف المتطرفة نسبت جريدة وول ستريت جورنال لبعض المراقبين قولهم إن انضمام ليبرمان للحكومة الإسرائيلية سيضر بجهود السلام كما قال المحلل السياسى الإسرائيلى ميتشيل باراك إن وجود ليبرمان سيكون خطأ هائلا من المنظور الدبلوماسى.


هذا كله على الجانب الدبلوماسى والسياسى ولكن ماذا عن ليبرمان كوزير للدفاع؟


الاختيار يثير كثيرا من التساؤلات حيث إن ليبرمان البالغ من العمر ٥٧ عاما المهاجر من مولدفيا ليس له خلفية عسكرية ذات أى أهمية فقد أنهى خدمته العسكرية برتبة عريف فى سلاح المدرعات وهى مدة خدمة وصفتها جريدة تايمز أوف إسرائيل بأنها قصيرة وغير متميزة. وربما لم يشتبك ليبرمان فى أى عمل قتالى أكثر من لكمتين فى مشاجرة مع مجموعة من الطلبة العرب فى الجامعة العبرية.


ثم إن ليبرمان سيتولى حقيبة الدفاع فى وقت دقيق بالنسبة لإسرائيل من حيث علاقتها العسكرية مع واشنطن، ففى الوقت الحالى تجرى المفاوضات بين الطرفين حول المساعدات العسكرية لإسرائيل حيث أوشكت حزمة المساعدات التى تحصل عليها بقيمة ٣ مليارات دولار سنويا على الانتهاء فى عام ٢٠١٨، وتسعى إسرائيل لرفع قيمة هذه المساعدات إلى حزمة مقدارها ٤٠ مليار دولار على مدى عشر سنوات أخرى، ومع الأخذ فى الاعتبار طبيعة العلاقة التى يشوبها كثير من التوتر بين نتنياهو وأوباما حذر رئيس الوزراء الإسرائيلى بأنه إذا لم يحصل على ما يريد فإنه سينتظر الإدارة الأمريكية الجديدة.


ومع رحيل يعلون وقدوم ليبرمان لابد أن تمر هذه المفاوضات بتعقيدات كثيرة ومن الأمور الخطيرة التى يجب الإشارة إليها أن قرارات مصادرة الأراضى من اختصاصات وزير الدفاع الأمر الذى سيساعد ليبرمان على المضى فى مخططاته الاستيطانية وطرد السكان العرب من أراضيهم.


على أية حال المسألة تتجاوز استقالة وزير الدفاع الإسرائيلى وتعيين وزير جديد وتتجاوز فكرة المناورات السياسية والحزبية فهناك محللون إسرائيليون يرون أن الحكومة التى شكلها نتنياهو قبل عام وصفت بأنها الأكثرية يمينية فى تاريخ الدولة، ولكن بدخول ليبرمان ستصبح بتشكيلها الجديد أكثر استحقاقاً للقب، وعلى مدى الـ ١٥ عاما الماضية استمرت إسرائيل فى الانحراف يمينا بشكل متزايد. وفى الليكود الشريك الأكبر فى الائتلاف الحاكم يمر الحزب بمرحلة تحول نحو المزيد من التشدد حيث الأجيال الأصغر سنا تتخذ اتجاهات محافظة متصاعدة وترتفع أسهم الأصوات المعادية للسلام والحريات المدنية فى آن واحد. هذا بدوره يدفع أصحاب الآراء والاتجاهات الوسطية فى الليكود للهرب إلى أحزاب أخرى تاركين المتشددين يسيطرون على مجريات الأمور.


ومع فشل إسحق هيرتزوج فى مفاوضاته مع نتنياهو لانضمام المعسكر الصهيونى لحكومته وتشكيل حكومة موسعة، أصبح مستقبل هيرتزوج على رأس هذا المعسكر مهزوزا ولايمكن من قيادة هذا التيار فى مواجهة نتنياهو الذى سيستفيد بلا شك من خلو الساحة لفترة ليست بالقصيرة من وجود منافسين له.


بخروج يعلون من الحكومة وباستقالته من الكنيست سيذهب مقعده البرلمانى إلى يهودا جليك أحد النشطاء فى اليمين المتطرف وهو من أهم الداعين للسماح للمصلين اليهود بممارسة شعائرهم فى جبل الهيكل - الحرم القدسى الشريف - كان جليك قد تعرض قبل عامين بسبب دعواته المتكررة لاقتحام المسجد الأقصى وقد ذكر جليك فى تصريحاته له أنه حال دخوله للكنيست فإنه سيعمل كل ما يستطيع لتغيير الوضع الراهن فى جبل الهيكل الأمر الذى يمكن أن يشعل حلقة جديدة من المصادمات الدامية مع الفلسطينيين.


الأنظار مازالت تتجه إلى موشى يعلون أو بوجى وهو اسم شهرته بعد أن أعلن أنه سيعود فى وقت ما فى المستقبل لينافس على قيادة البلاد وقد أثارت هذه الكلمات التكهنات بنية الجنرال السابق لتأسيس حزب سياسى جديد ينافس به نتنياهو والليكود.