عن الندل والعويل وقليل الأصل: ثقافة الشماتة و«الأباحة» النخبوية

25/05/2016 - 12:14:08

بقلم - أسامة عفيفى

فى كتابه الأشهر “معجم الأمثال الشعبية” أورد العلامة أحمد تيمور باشا فى معرض حديثه عن الشماتة عدة أمثال تتصل بالشماتة فى المصائب فقال: «ويقول أهل الريف: اللى يشمت فى الحِزن- بكسر الحاء- الندل. وفى الصعيد يقولون: اللى يشمت فى الموتة عويل.


ولقد سمعت بعض أهل مصر -يقصد القاهرة- يقول: اللى يشمت فى البلاوى قليل الأصل، وهو مأخوذ عن القاعدة الشرعية «لا شماتة فى الموت» ويرى أهل المأثور الشعبى وعلى رأسهم العلامة أحمد عيسى بك صاحب معجم العامية المصرية أن العويل وقليل الأصل فئتان تعتبرهما الجماعة الشعبية خارجين عن المجتمع، فالعويل من يعيش عالة على الآخرين ولا ينتمى لأحد سوى مصلحته الشخصية، يأخذ ولا يعطى ويستمر فى الأخذ ويعتبر ذلك حقه الأصيل، ومثله قليل الأصل الذى غالبا مايكون مجهول النسب لا أهل له، ويعتبر نفسه غير منتمٍ للجماعة التى يعيش فيها، ويتسمان- العويل وقليل الأصل- فى سلوكهما بنذالة دائمة لذا تعتبرهما الجماعة الشعبية دائما خارج نسيجها الاجتماعى وتنسب لهما باستمرار فى أمثالها وأحكامها القيمية أقبح الصفات، فهى تنصح بعدم مصداقتهما أو الاعتماد عليهما أو الزواج منهما، والأمثال الشعبية بشأنهما كثيرة مثل “ماتصاحبش العويل ولا تناسبه”و “ماتصاحبش العويل لحسن ينسيك أهلك” وغيرهما كثير، ولأن العويل وقليل الأصل والندل يعتبرون أنفسهم من خارج الجماعة الشعبية، فهم دائما يشمتون فى مصائبها أو مايلم بها من ملمات لأنهم غير منتمين لها، بل يعتبرون أنفسهم أفضل منها فيتعالون عليها وعلى أهلها، وعندما يلومهم أحد على مايفعلون ينهالون عليه بالسباب المقذع والمعروف عند أهل علم النفس الاجتماعى أن السباب وسيلة العاجز فى التعبير عن نفسه، لأنه لا يستطيع كونه خارج الجماعة الشعبية أن يؤثر فى مجريات أمورها ولا وزن له فى المعادلة الاجتماعية فيعوض عجزه وضعف تأثيره بالصوت العالى والسباب الذى يخدش هيبة وقيم الجماعة التى يعيش على هامشها ليس لأنها همشته ولكن لأنه اختار عدم الاندماج من البداية، واعتبر نفسه نتوءا اجتماعيا خارج معادلة الواجبات والحقوق المجتمعية، فهو كما ذكرنا منذ البداية يأخذ ولا يعطى ويعتبر ذلك حقه الأصيل، لذا فعندما تحدث البلية يفصح عن نفسه بمنتهى الوضوح والفجاجة، هذه الفئات الهامشية الرثة والتى تمثل عادة البرجوازية الصغيرة على حد تعبير لينين فى كتابه « الطفولة اليسارية» أخطر من الإمبريالية على الثورة وهى موجودة فى كل مجتمع وفى كل زمن، لكنها تظهر بوضوح لافت فى أزمنة التحولات الكبرى وفى أعقاب الثورات والتغيرات الاجتماعية العنيفة، لأنها مجرد شريحة هامشية طافية كالطحالب على سطح المجتمع لم تتحقق مصالحها فى التغيير المجتمعى الحادث، ولأنها بلا جذور شعبية ولا تمتلك أى تأثير حقيقى فى توجيه عملية التغيير تفقد صوابها وتدارى عجزها باتهام الجميع بالخيانة والتفريط وتصبح أحد معوقات التغيير نفسه، وغالبا- كما يقول لينين – تصب تصرفاتها فى صالح البرجوازية والرجعية وتصبح أخطر منهما على مسار الثورة.


هذه الظاهره تكررت كثيرا فى تاريخنا المعاصر، ففى أعقاب ثورة ١٩١٩ وانقسام الحركة الوطنية بين عدلى يكن وسعد زغلول انهالت تهم الخيانة كى تطال الجميع سعد وعدلى معا نفس الشيء قابلته ثورة ٢٣ يوليو عندما اتهمها الإخوان والوفديون بالخيانة بعد موافقة مصر على حق الشعب السودانى فى تقرير مصيره وانفصال السودان عن مصر والأمر نفسه حدث فى مفاوضات الجلاء واتهام نفس التيارات لعبد الناصر بالخيانة والخضوع لمطالب بريطانيا، بل إن الشماتة طالت رجال الثورة بعد تأميم قناة السويس واعتداء فرنسا وانجلترا وإسرائيل على مصر لضرب الثورة واسترداد القناة لدرجة أن البعض كان ينتظر اجتياح قوات العدوان للقاهرة حتى يعود للحكم، والجميع يعلم أن هذه الشماتة ظلت باقية عند كثير من الوفديين والإخوان من ١٩٥٦ وحتي١٩٦٧ عندما شمت الإخوان فى الثورة واعتبروا أن الهزيمة حدثت نتيجة لاعتقالهم وأنها عقاب سماوى للطاغوت عبد الناصر!


والمتابع للسلوك الإخوانى منذ ثورة ٣٠ يونيه وخلع الشعب المصرى لمرسى وإقصاء الإخوان عن الحياة السياسية بإرادة شعبية غير مسبوقة، سيكتشف أنهم أصبحوا بالفعل «جماعة» خارج النسيج المجتمعى عاجزة عن الفعل، لذا فهم دائما يسبون الشعب بأقذع أنواع السباب الذى أصبح لغة سياسية يومية طالت الجميع لغة فجة تحدوها الشماتة العلنية فى أى كارثة تحل بالوطن، الأنكى أن هذه الشماتة وتلك اللغة المنحطة تسربت إلى اتجاهات سياسية كثيرة تدعى العداء للإخوان وتدعى التقدمية ولكن لعجزها وعدم قدرتها على التأثير الشعبي، أصبح أداؤها يصب فى صالح الإخوان والرجعية والقوى الإمبريالية التى تريد إعادة مصر إلى حظيرة التبعية تماما كما قال لينين.


وأصبح قاموس «الأباحة الشامت» يشكل ثقافة النخبة سواء كانت إخوانية أو غير ذلك. لأنهم جميعا يعتبرون أنفسهم خوارج عن المجتمع الذى عزلوا أنفسهم عنه ويتعالون عليه ويتهمون شعبهم الذى قام بثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه بالغباء والجهل.


ولأنهم عاجزون عن التأثير كالعويل وقليل الأصل الذين تحدثنا عن ندالتيهما فى البداية، لايملكون مثلهما غير الأباحة الفاجرة والشماتة الجبانة فى مصائب الوطن، تلك التى تجلت بشكل فج وحقير فى حادث الطائرة المصرية الأخير، وهو الأمر الذى أصاب الجماعة الشعبية بالقرف الجماعى من هذه النخبة العاجزة المعزولة قليلة الأصل، هذا القرف الشعبى هو بداية نهايتها الحتمية شأنها شأن الطحالب التى يجرفها النهر دائما إلى المصب.