١٧ عالما فى مهمة صعبة: «المصور» داخل وحدة مواجهة الإلحاد بدار الإفتاء

25/05/2016 - 12:11:25

  د. خالد عمران مسئول وحدة مواجهة الإلحاد يتحدث إلى الزميل طه فرغلى د. خالد عمران مسئول وحدة مواجهة الإلحاد يتحدث إلى الزميل طه فرغلى

تقرير يكتبه: طه فرغلى

سيدة باكية تدخل دار الإفتاء وعلى وجهها علامات الحزن، تطلب إنقاذ ابنها وتقول «هيضيع منى» يسألها علماء الدار عن قصتها فتقول ابنى ترك الإسلام وتدعى أنه دخل اليهودية.


الأم تذرف الدموع والمشايخ يحاولون تهدئتها ولكنها تطلب منهم أن ينقذوا ابنها، يستجيب المشايخ لطلب الأم المكلومة، ويذهب أربعة من العلماء لزيارة هذا الشاب، يجلسون إليه، يتحاورون معه من العشاء إلى الفجر، ولكنه يبلغهم أنه تواصل مع جماعات يهودية وأنه اقتنع بفكرهم وأنه يريد الدخول فى اليهودية ومتمسك بقراره، العلماء قالوا له هذا قرارك ولكن دعنا نكن متواصلين معك من باب الصداقة . وبالفعل تواصل العلماء معه، وذهبوا إليه مرة أخرى، ولكنه قال لهم إنه نسى أمر اليهودية، ووجد الحل فى الإلحاد، ولا يزال علماء دار الإفتاء متواصلين معه حتى هذه اللحظة، هذه قصة من بين قصص كثيرة  تعامل معها علماء وحدة مواجهة الإلحاد بدار الإفتاء .


رغم أن الإلحاد لا يرقى إلى مستوى الظاهرة إلا أن الدار أدركت أن الأمر إذا ترك قد يكون خطيرا خاصة أن هناك ١٠ حالات شهريا تسأل فى قضايا تتعلق بالإلحاد، وقد يستشرى الأمر بدرجة تهدد السلم الاجتماعى، ومن هنا قررت منذ أقل من عام إنشاء وحدة لمواجهة الإلحاد والرد على الشبهات ومحاورة المتشككين.


وللمرة الأولى رصدت «المصور» عمل الوحدة والقائمين عليها وتحاورت مع الدكتور خالد عمران أمين الفتوى والمسئول عن الوحدة.


١٧ عالما هم مجموع العلماء الذين يتصدون لمواجهة الملحدين والرد على أسئلتهم، مبدؤهم وشعارهم الذى يعملون من خلاله هو الآية الكريمة : «لست عليهم بمسيطر» يدركون أن دورهم الإجابة على أسئلتهم والتعامل معها على أنها أسئلة حقيقية ومنطقية، وهم يجلسون مع الملحدين أو المتشككين لا يحملون انطباعات مسبقة أو يعتبرون من يجلس أمامهم كافرا أو مذنبا، ولكن يتعاملون معه على أنه إنسان لديه أسئلة يبحث عن إجابات منطقية لها.


مهارات التعامل مع الإلحاد


يقول الدكتور خالد عمران مسئول وحدة مواجهة  الإلحاد : «نحن ١٧ عالما تدربنا وحصلنا على دورات فنية متخصصة من أجل التعامل مع هذه القضية الخطيرة، والتى تحتاج إلى مهارات خاصة، ولا يستطيع أى عالم أن يتعامل معها إلا إذا حصل على هذه الدورات، ومن بيننا من انقطع للبحث فى قضية الإلحاد، ومن يتعامل مع حالات الإلحاد بشكل مباشر، وبعضنا مهمته الوصول إلى مجتمعات الملحدين وأماكنهم من أجل التحاور معهم والإجابة على أسئلتهم، ونحن فى كثير من الأحيان نذهب إلى تجمعات الملحدين، كما نتابع صفحاتهم على مواقع التوصل الاجتماعى ونتحاور معهم».


عمران يؤكد أن دار الإفتاء تحركت مبكرا من أجل الوقوف بالمرصاد قبل أن تستفحل هذه القضية فى المجتمع وتتحول بالفعل إلى ظاهرة، خاصة وأن الدار ترصد أن هناك على الأقل ١٠ حالات شهريا تسأل فى قضايا الإلحاد، منهم من اقتنع بالإلحاد، ومنهم من لا يزال يسأل.


من بين ال ١٠ حالات الشهرية هناك أسر تأتى تستنجد بالدار لإنقاذ ابن لها وقع فريسة لجماعات الإلحاد، أو هناك من يأتى بنفسه يسأل ويحاور ويطرح تشككه من أجل أن يصل إلى إجابة تقنعه وترضيه وتريح باله.


يقول عمران:» الإلحاد قضية خطيرة خاصة فى ظل ثورة الاتصالات والمعلومات وسهولة انتقال الأفكار، ومنذ فترات طويلة رصدنا أسئلة متصاعدة على الإنترنت تتعلق بالعقيدة تسأل عن الله والرسول، وأخرى تتعلق بالأصول التى يؤمر بها المسلمون، ومنها أسئلة تتعلق بواقع المسلمين، وعلى قمتها أسئلة تتعلق بالجهاد والعنف وحقوق الإنسان، وخصوصا حقوق المرأة، وهذه الأسئلة تحتاج إلى جهد كبير فى تبسيط الردود وإخراجها من من كونها ردودا أكاديمية إلى مخاطبة الشباب، ونحن لدينا نوعان من الإلحاد، الإلحاد الغربى وهذا يتعلق مباشرة بالشك فى وجود الإله، والإلحاد العربى وهذا يتعلق بالتشكك فى المقررات القطعية الدينية مثل الأصول والنصوص الشرعية والتى يصل من يتشكك فيها إلى التشكك فى وجود الله وهذا هو الذى يحدث فى أوساط الشباب، وقابلت من هؤلاء  قطاعا كبيرا، ربما لديه قناعة أن الله موجود ولكنه لا يعرف ماذا يعنى أنه أرسل الرسل، أو أنزل القرآن، وكيف أنزله، وبعضهم يؤمن أن أى عقيدة تصلح مع وجود الإله».


خطورة الإلحاد


خطورة الإلحاد كما تؤكد دار الإفتاء يتمثل فى وقوع الشك فى نفوس الشباب، ويصل الأمر بالملحد أنه يصبح أشبه بالميت وهو حى لا يجد للحياة طعما وقد يصل الأمر إلى مرض نفسى وعقلى، والأمر يبدأ بأسئلة دينية ثم ينتهى إلى أن تتوقف حياة الملحد، وهذا خطر على الشباب والمجتمع كله.


مسئول مواجهة الإلحاد يؤكد أن بعض التقديرات تصل بعدد الملحدين فى العالم العربى كله إلى ٨ آلاف ملحد، ويقول : «هذا يوجب علينا التفكير المستقبلى، وكيف نحصن أنفسنا وشبابنا من خطورة الإلحاد فى ظل ما يموج فى العالم، ولو لم نقم بواجبنا قد يصل الأمر إلى درجة الخطورة، ونحن لا نحكم عقائد الناس ولكننا نعلمهم ما نعتقد أنه الدين، ودار الإفتاء تقوم بواجبها واتخذت الإجراءات اللازمة ومن بينها إنشاء وحدة مواجهة الإلحاد، ومهمتنا الإجابة على أسئلة الناس».


آلية العمل


آلية العمل داخل وحدة مواجهة الإلحاد تعتمد بشكل رئيسى على إجراء الأبحاث والدراسات حول الظاهرة والإجابة على الأسئلة حول الإلحاد فى مجالس قد تستغرق ساعتين فى سؤال واحد، وبجوار هذا يحلل المتخصصون الحالة التى أمامهم نفسيا واجتماعيا
، خاصة وأن بعض أسباب الإلحاد تعرض الشخص لصدمة نفسية واجتماعية عنيفة، وفى هذا الصدد اتفقت الوحدة مع مراكز متخصصة على المستوى النفسى والاجتماعى للاستعانة بها إذا كانت هناك حالات تعانى من مشاكل نفسية واجتماعية.


علماء الوحدة لا يتورعون أيضا عن الذهاب إلى الحالات فى أماكنها خاصة – وهذا ما يحدث فى أغلب الأحوال – إذا اشتكت أسرة من حالة ابنها، وبالطبع التعامل مع هذه الحالات يكون صعبا، خاصة أن الشاب لا يريد التواصل، وفى هذه الحالة تستعين الوحدة بالأسرة نفسها من أجل إقناعه أن يأتى إلى دار الإفتاء، أو يشارك فى مجالس خارج الدار.


والمفاجأة ووفقا لما رصدته الوحدة هى أن أشد الملحدين تعنتا هم من كانوا ينتمون  لتيارات دينية متشددة قبل أن يلحدوا، وهناك كثير منهم الآن، والأسماء معروفة، وكثير منهم يصر على موقفه ورأيه.


أسئلة الملحدين


أسئلة الملحدين التى ترد إلى وحدة مواجهة الإلحاد تتعلق بالعقيدة والنصوص والأصول، وتدور فى موضوعين هما ملف الجهاد والعنف، وملف حقوق الإنسان وعلى رأسه حقوق المرأة ونوعية الأسئلة :


كيف نؤمن بدين فيه جماعات تدعو إلى القتل .. إذا كان هذا هو الدين لا أريده؟


كيف أؤمن بدين يحتقر النساء ويعامل المرأة بهذا الشكل؟


وهناك أسئلة متكررة مثل:


 ما هو الدليل على وجود الله؟


لماذا تزوج الرسول هذا العدد من النساء؟


لماذا كان هذا العدد الكبير من الغزوات؟


كيف نزل القرآن؟


ولماذا نزل بهذه الطريقة؟


لماذا أثق قى القرآن؟


وماذا تعنى السنة وماذا على أتباعها؟


ولكل سؤال من هذه الأسئلة - كما يقول الدكتور خالد عمران-  طريقة فى الإجابة عليه كما أن لكل شخص يسأل  حالته وظروفه، وهناك من يسأل والحقيقة أن السبب فى سؤاله لا علاقة له بالإلحاد ولكن حياته فيها كثير من المشاكل والأزمات فوصل إلى درجة من اليأس.


سألته: وهل هناك حالات تفقدون الأمل فيها وترددون «عليه العوض»؟


فأجاب : هذا لا يحدث أبدا ونحن لا نتعامل بهذا المنطق بل نظل مع الشخص إلى آخر مدى وعلى طول الخط طالما أن الأمر يتعلق بالبحث والدراسة والتاريخ يشهد أن هناك كتابا ومفكرين أخذوا وقتا طويلا فى الإلحاد ولكنهم عادوا فى النهاية مثل الدكتور مصطفى محمود والدكتور الفيلسوف عبدالرحمن بدوى.


 وعلماء الوحدة يتلقون الأسئلة من المتشكك أو الملحد على أنها حقيقة وأنا لا أتشكك فى أسئلة الناس، ولا أجلس إليهم ولدى انطباعات مسبقة عن أى شخص كأن أقول هذا كافر أو مذنب والمبدأ أن الإنسان لا يؤلمه شئ أكثر من ألم السؤال، وإذا تسرب إلى نفس العالم أو المختص أنه هو الذى يهدى من أمامه أو يتحكم فيه وقتها فقط سيأتى إليه اليأس، ونحن على اتصال دائم بكل حالة تأتى إلينا ودائما الصداقة هى الشعار الذى نرفعه، ومن بين ١٠ حالات تأتى إلينا شهريا هناك ٧ حالات ترجع إلى الطريق، ودعيت ذات مرة إلى تجمع وكانت الأسئلة كلها تدل على الإلحاد والتشكيك فلم أهاجم من سأل ولم أتعامل معه على أنه تلميذ، بل على العكس حاولت الإجابة من خلال منطقهم ونجحت مع عدد منهم.


من بين الحالات التى تعاملت معها وحدة دار الإلحاد يتذكر الدكتور خالد حالتين تحديدا الحالة الأولى فتاة من وسط اجتماعى راق وميسورة ماديا وكل أزمتها أنها تريد الزواج ولديها قناعة أن ربنا موجود ولكنها لا تؤمن بأكثر من هذا، وعندما عرف أهلها بالأمر قالوا لها «منقدرش نجوزك من حد غير لما نقتنع أنك مسلمة»، ولجأ الأهل إلى الدار وبالفعل عقدنا معها أكثر من ٨ جلسات داخل الدار وخارجها واستطعنا نغير كثيرا من قناعاتها، واتصل والدها بنا وهو يبكى وشكرنا.


أما الحالة الأخرى التى يصفها عمران أنها كانت مؤلمة فهى لشخص كان ينتمى للجماعات المتطرفة بدأ عضوا فى جماعة الإخوان ثم الجماعة الإسلامية وألقى القبض عليه وقضى فى السجن ١١ عاما وقرر وهو فى السجن أن يعتنق دينا آخر ثم أصبح ملحدا، وهذا أخطر أنواع الإلحاد، وبعد أن خرج من السجن جلسنا معه جلستين بعد أن عرض عليه شخص أن يجلس فى نقاش مع متخصصين فوافق، ولكن للأسف هذا الشاب رأيته فى أحد القنوات الفضائية يدعو إلى الإلحاد بشدة وسافر بعدها إلى أمريكا.


الإلحاد وحرية الاعتقاد


عمران لا يرى أن مواجهة الإلحاد ضد حرية الاعتقاد،ويقول لا دخل لنا فى عقائد الناس وقلوبهم ولكن لابد أن نبين ديننا ونوضح الحقائق وفى نفس الوقت مواجهة ما يخل بالسلم والأمن الاجتماعى، ونحن لابد أن ندعو الملحد ونعلمه ونجيب على أسئلته التى تدور فى ذهنه، ولكنه فى نفس الوقت إذا ما تسبب فى خطر على السلم الاجتماعى فعلى الأجهزة المعنية أن تتدخل لحماية المجتمع.


مواجهة الإلحاد من وجهة نظر عمران تتطلب التجديد ويوضح قائلا: نحتاج أن نجدد إجاباتنا على الأسئلة الواقعة فى أذهان الناس خصوصا الشباب، وهى ليست نفس أسئلة الماضى، نحتاج إلى تجديد أسلوب التواصل، ونجدد الرسالة التى تصل إلى الناس، وهذا كله يصب فى قضية التعليم وهى المهمة القومية الشديدة لمعالجة مشاكل وأزمات مثل الإلحاد والإرهاب والتطرف



آخر الأخبار