د.عادل فهمى أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة: السلطة لا تستطيع التحكم فى الرأى العام!

25/05/2016 - 12:08:19

  عدسة: مصطفى سمك عدسة: مصطفى سمك

حوار: محمد الحسينى

«إذا لم تكن هناك ديموقراطية، فلا وجود لرأى عام حقيقي»، هنا يضع د.عادل فهمى أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، يده، على حال المجتمع المصرى حاليًا. «فهمي» يؤكد خطورة ترك الرأى العام لمجموعة من الإعلاميين على الفضائيات يقولون كلامًا ليس له معنى، مشيرًا إلى أن الحكومة لا تستطيع السيطرة على الإعلام ولا الرأى العام، وأن رجال الأعمال يتمكنون من القيام بهذا الدور من خلال عامل المال.


د.فهمي، قال فى حوار لـ«المصور» إن القنوات الأجنبية الموجهة لمصر تمثل خطورة شديدة كونها تتمتع بمصداقية لدى المشاهدين، وبالتالى فإن قدرتها على تحريك الرأى العام أكبر من قدرة القنوات المصرية، منوهًا إلى ضرورة وجود مراكز لدراسة الرأى العام فى مصر بما يخدم السلطة ويفيد فى اتخاذ القرارات فى مختلف القضايا. إلى نص الحوار.


بداية، هل هناك تعريف محدد للرأى العام؟


كثير من العلماء لم يصلوا حتى الآن لتعريف جامع مانع لظاهرة الرأى العام، ودعنى أقول إن أول من أسس لفكرة حركة الجماهير والتأثير على الجماهير هو «جوستاف لوبن» الفيلسوف الفرنسى الذى ألف كتابا تحت عنوان «سيكولوجية الجماهير»، ويظل هذا الكتاب منذ ٢٠٠ سنة هو المؤسس لفهم طبيعة الجمهور حين يكون منفردا أو مجتمعا ومحتشدا، فالرأى العام كصورة إجمالية فى دولة ما، لا يُمكن أن نقول به «إجماع على قضية واحدة». وبعض الذين كتبوا فى الرأى العام قالوا عنه إنه الأقلية الفاعلة التى تحرك الأحداث، والبعض الآخر قال إنه رأى الأغلبية وهذا الرأى به وجاهة ومنطق، فمستوى الديموقراطية الموجود ينعكس على وجود اختلافات فى الرأى العام، فإذا لم تكن هناك ديموقراطية فلا نستطيع أن نتحدث عن الرأى العام وهذه نقطة جوهرية. الرأى العام يرتبط وجودا وعدما بفكرة الديموقراطية.


كما أن الرأى العام هو انعكاس لجماعات المصالح فى المجتمع، سواء معارضة أو نظاما أو رأس مال. والرأى العام فى مصر تكتنفه صعوبات كثيرة وهو ظاهرة معقدة وعشوائية، يمكن فى حدث كبير جدا ألا يتحرك، وفى المقابل يتحرك فى حدث صغير جدا.


وما محركات الرأى العام فى مصر؟


محركات الرأى العام فى مصر هى ثقافة موروثة منذ زمن طويل وتقوم على الثقافة الدينية والعادات والتقاليد، وبعض القيم وبعض الموروثات التى يمكن أن تكون مقبولة أو غير مقبولة مفهومة أو غير مفهومة ولكنها مقدسة، بالإضافة للعوامل السياسية، والدولة المركزية منذ الفراعنة وحتى الآن تحاول أن تتحكم فى المجتمع من الناحية الاقتصادية والفكرية والثقافية والدينية، ومركزية الحكم فرضت ثقافة هى أن السلطة تفعل ما تشاء؛ لكن أحيانًا تحدث انفراجات فى الرأى العام حينما تعطى السلطة هامشا من الحرية كما حدث بعد عام ٢٠٠٥ وبعد ٢٥ يناير ٢٠١١، فيعبر الرأى العام عن نفسه. عموما، الرأى العام فى مصر ليس مستقلا لكى يتحرك حركة ذاتية وإنما يتحرك بناء على قوة المعارضة أو قوة السلطة؛ ففى الوقت الذى تنشط فيه المعارضة ويأمن الإنسان من الاعتقال أو الحبس ينخرط فى الحشود ليعبر عن رأيه فى شكل عقل جمعي. ولكن يظل المحرك الأقوى للرأى العام، المعارف والقيم والاتجاهات الدينية لأنها بدأت مع مصر منذ مطلع القرن العشرين، أما بعد دخول الشيوعية إلى مصر وقعت اختلافات كثيرة ووجدت تيارات لم تختف حتى الآن. وبالحديث عن المجتمع نفسه، فإن أعضاء الطبقة الوسطى من الممكن أن يتبنوا مشاكل الفقراء، وذلك لقربهم منهم فى الأوضاع.


وبالإضافة لما سبق، فإن محركات الرأى العام الأخرى منها أيضا رجال الأعمال وأصحاب المصالح الاقتصادية؛ فنحن لدينا عشرات من رجال الأعمال يرتبطون بتوكيلات تجارية لشركات دولية، ولذلك من يراهنون على سقوط مصر اقتصاديا واهمون؛ لأن هناك فى العالم من له مصلحة باستقرار مصر، سياسيا واقتصاديا.


وهل هناك محركات خارجية للرأى العام فى مصر؟


طالما أن هناك قوى دولية وشركات متعددة الجنسيات لها مصلحة فى مصر فإنها تشكل الرأى العام فى مصر. ونحن واقعون بين مطرقة الداخل بما فيه من معارضون ورأى دينى ورجال أعمال، وسندان الخارج بما فيه مشركات متعددة الجنسيات وجماعات لها مصالح.


وكيف تكون علاقة وسائل الإعلام بالرأى العام؟


بعد عام ٢٠٠٠ و ٢٠٠٤ حدث انفتاح مدروس للإعلام، فظهرت القنوات الفضائية بكثافة، وكان الهدف امتصاص غضب المصريين والتنفيس عنهم؛ تمهيدا للتوريث وكانت المسألة لها علاقة بحرية الرأى أو التعبير، ولكنها عملية وظيفية لبناء صورة معينة للوريث، وحدث ما حدث من إضرابات وثورتين فأصبحت وسائل الإعلام فى فوضى تامة. وبات الرأى العام متوجسا ومتشككا ولا تصله المعلومة فى وقتها نتيجة أن المعلومات لا تصل بشكل صريح.


كما أن رأس المال لم يعد لديه شراكة حقيقية مع السلطة، فبدأ بإثارة بعض القضايا وإخفاء أخرى ويترك المذيعين يفعلون ما يشاءون، فإذا غضبت الدولة لا يجدد العقد للمذيع أو ينهى تعاقده، فالتزاوج بين المال والسلطة والإعلام أوجد حالة فى مصر خنقت الرأى العام. نحن أمام ثلاثة أضلع متضامنة وبينهما خلافات ولكن ليست إلى حد الصراع، فالسلطة والمال والإعلام منظومة واحدة، وما إن شعر بعض رجال الأعمال بشيء من عدم الارتياح حدث اضطراب ووجدت مشكلة العملة الصعبة. ويجب أن نشير إلى أن الذى يتحكم فى الاقتصاد يتحكم فى الإعلام، والذى يتحكم فى الإعلام يتحكم فى الرأى العام. وهذا يعنى أن الرأى العام متأثر ومرهون برجال الاقتصاد والأعمال.


هل السلطة الموجودة الآن تمتلك القدرة على التأثير فى الرأى العام وتحريكه؟


فى مجتمع منقسم مهما كان سبب الانقسام لا تستطيع السلطة التحكم فى الرأى العام وفى مجتمع ضعفت فيه وسائل الإعلام التقليدية، وأتيحت فيه للجمهور وسائل التواصل الاجتماعى الأفقى (إعلام المواطن)، لا تستطيع السلطة التحكم فى الرأى العام. وحالة التشكك الموجودة فى المجتمع وغياب المعلومة والشفافية والثقة حاليا أنتجت حالة من الرفض لما تقدمه الحكومة. والغريب فى الأمر أن أذرع النظام السياسى الإعلامية اختيرت بشكل ضعيف، لدرجة أنهم يزيدون انعدام الثقة فى النظام؛ فالإعلاميون المحسوبون على النظام لم يكونوا على قدر الحدث ولا التوقيت، فعندما كان هيكل موجودا بجوار عبدالناصر كان يشرح الأمور بشكل عقلانى لا يثير على الأقل.


وهناك سبب آخر فى عدم قدرة السلطة على السيطرة على الرأى العام أو توجيهه وهى أن الحكومة تبدو مسيطرة على مؤسسات الدولة، ولكن أصحاب المصالح داخل هذه المؤسسات ينفذون ما يريدون، ما يعطى الانطباع بأن الدول موافقة على ذلك. الموظف البيروقراطى ليس من مصلحته إجراء إصلاحات وتغييرات فى نظام عمل الدولة، لأنه لا يصب فى مصلحته وسيأتى عليه الدور ويتغير وهذه مسألة غاية الخطورة.


وهل يمكن أن تكون السلطة محركة للرأى العام ضدها؟


مسائل الشحن النفسى للرأى العام حاليا وصلت لأعلى مستوى تاريخيا، فتعامل الشرطة الفردى بشكل غير محسوب يعطى انطباعا أن النظام موافق على ما يحدث، ولذلك فالجمهور حينما يقتل أو يصاب مواطن يبدأ باتهام النظام والداخلية على وجه التحديد. هذه الأحداث تؤدى لتآكل شعبية النظام، ولو أخذت الأمور بنوايا سيئة تشعر وكأن هذه الحالات الفردية مقصودة لتشويه صورة النظام، فنحن نتعامل مع أوضاع فيها تشتت عال جدا فى توجيه الرأى العام.


وماذا عن الإعلام الموجه.. هل يؤثر؟


القنوات الأجنبية توجه الرأى العام بدرجة كبيرة، وخصوصا قنوات العربية وسكاى نيوز وبى بى سى وفرانس ٢٤. وهى تؤثر بدرجة أكبر من القنوات المصرية، وهذه ظاهرة خطيرة، وسببها المصداقية التى تتمتع بها هذه القنوات ورفعها شعار المهنية واحترام عقلية المشاهد، فى المقابل فإن من يسجلون فى الفضائيات المصرية يقولون لست ساعات كلاما ليس له معنى لا يبنون رأيا عاما. ملخصا، السلطة لا تسيطر على محركات ومكونات ومصادر تشكيل الرأى العام، ولكنها تملك فقط الدفاع والتبرير وتوضيح الأمور بعد أن يكون الوقت قد فات.


وكيف يمكن للحكومة أو السلطة أن تؤثر بشكل حقيقى فى الرأى العام؟


نحتاج إلى خبراء فى الإعلام على وزن دولى، لأن مصر تدار الآن من الخارج بسبب قضية ريجينى والطائرة الروسية وحقوق الإنسان وغيرها وتحارب من الداخل من الإعلام التابع لرجال الأعمال للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، ويجب على الجهات السيادية إعادة التنسيق وترتيب الأدوار، وإلا سيصبح الرأى العام ملكا للقوى الداخلية والخارجية، وقد تحركه فى لحظة من اللحظات ضد النظام.


وهل الرأى العام يباع ويشترى ليصبح ملكا لأحد؟


الرأى العام يغرر به وتغسل أدمغته ويُساق. يمكن أن يكون الرأى العام قوة حقيقية فى مجتمع ديموقراطى، لكنه أسير العاطفة وأسير المعلومة. كما أن الأموال لا تدفع للجماهير ولكن لمن يشكلون الرأى العام لدى الجماهير، فحينما تجد دول عربية وأجنبية تمول صحفا وفضائيات فى مصر فهذا يعنى أنهم يبحثون عن مصالحهم، هذه ليست جمعيات خيرية.


يرى علماء الرأى العام أن وجود الأزمات السياسية والاقتصادية فى أى بلد تؤدى إلى توحده.. ما مدى انطباق ذلك على الحالة المصرية؟


هذه نقطة قد تكون هى المخرج لمصر فى المرحلة القادمة؛ أن يحدث إجماع على ظاهرة أو أزمة تخص المصريين ليجتمعوا وراءها وينسون خلافاتهم. وعلى مدار التاريخ كانت الأمة العربية والإسلامية موحدة أينما كان العدو الخارجى يهددها، وحينما جاء عصر الرخاء تحللت القوة نفسها وأصبحت الدولة نهبا لكل طامع. نحن نعيش فى أزمات كبيرة لابد من توصيفها فى البداية توصيفا صحيحًا، لأن التناقض يخلق التوجس والتحريض والاتهام والتخوفات، ما يمنع وجود إجماع وطنى فى الرأى العام، بل يحدث تشتت له.


وهل يمكن القول أن وسائل الإعلام تشتت أو تربك الرأى العام؟


لا أريد أن أحمل الإعلام كل شيء، ولكن البعض يخلط بين الإعلام وبين ما يبث على مواقع التواصل الاجتماعى، ويعتبرون الفيس بوك وسيلة إعلامية، وهذا أمر خاطئ جدا، لأن الفيس بوك يهدف إلى إبراز السلبيات ولا يقدم حلولا لأى شيء ويستغل أخطاء الدولة، ونتيجة لغياب المعلومة وعدم الثقة تنتشر الشائعات. مواقع التواصل الاجتماعى تحرك الرأى العام بشكل سطحى وليس حقيقيا.


ويجب أن ننوه إلى أن مصر أرض خصبة لكل شائعة تنتشر، وذلك نتيجة للبلبلة الحاصلة من التواصل الاجتماعى أو اعلام المواطن أو الإعلام التقليدى، والشائعة تشبه النار تستمر لفطرة وإلى أن يأتى التكذيب يكون الوقت قد فات. الشائعات توقد الحماس فى النفوس لاتخاذ تصرف معين، ونحن نعيش مرحلة خطيرة جدا، وهى عزل المجتمع عن بعضه، وعزل المجتمع عن الحكومة والرئيس، وهذا أكثر ما يهدد الدولة المصرية.


وأين دور مراكز بحوث الرأى العام الموجودة فى مصر؟


فى مصر ليس لدينا مراكز رأى عام، بمعنى أن ظاهرة الرأى العام نفسها غير موصفة وغير موضوعة فى سياقها الأكاديمى. نحن لدينا يفط شبيه بما هو فى الخارج، ولكن بعض المراكز نشطة مثل مركز البحوث الجنائية والاجتماعية وهو مركز غير مسيس وغير متحيز ويعمل فى إطار منهجى واضح، ومركز الإهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أحد المراكز المهمة وأدير بشكل نسبيا مهنيا، ولكنه لا يقدم للدولة الدراسات التى تبنى عليها القرار فى كثير من القضايا. أما المراكز الموجودة فى الجامعات المصرية المختلفة تخضع لمستوى تخصصية من يديرونها. كما أن االهيئة العامة للاستعلامات تمتلك مركزا لبحوث الرأى العام ولكن آداءه ضعيف واتحاد الإذاعة والتليفزيون لديه مركز أيضا، ولكنه يقدم النتائج التى تروق له، ونتائج مشكك فيها. وبخصوص مراكز الرأى العام التابعة للأفراد نتائجها مشكك فيها، لأننا لا نعرف من يمولها.


وتعتبر مشكلة التمويل من أصعب المشكلات التى تواجه بحوث الرأى العام فى مصر، فالدولة ليس لديها التمويل الكافى للمراكز البحثية، وإذا كان التمويل خارجيا فهو تمويل محفوف بالمخاطر، وإذا كان التمويل فرديا يحصل الفرد بمقتضاه على أموال من دول خارجية لعمل أبحاث فهو يكاد يصل لمرحلة الاختراق. وما يجمع فى مصر من معلومات لصالح الخارج أضعاف أضعاف ما يجمع لصالح القرار الداخلى وهذه المراكز تابعة للأمم المتحدة والولايات المتحدة وأوربا ولا يقوم الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء بدوره فى هذا الصدد.


بشكل عام، مصر لديها نقص فى المراكز التى تقدم المعلومة والتحليل السياسى والتوصيات ثم هناك فجوة بين المخطط له وبين نتائج الأبحاث، وهناك تشكك بين الأكاديميين وبين الممارسين فى مسألة دقة المعلومة التى تأتى بها الأبحاث الأكاديمية. نحن نبنبى رؤيتنا على عشوائية وفراغ، وليس على بيانات حقيقية مجموعة بشكل علمي.


 



آخر الأخبار